الخميس 12 ربيع الأول / 29 أكتوبر 2020
 / 
02:25 ص بتوقيت الدوحة

السودان بين إثيوبيا ومصر

عادل إبراهيم حمد
أقدم نظام الإنقاذ في العام 1995م على محاولة فاشلة لاغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في أديس أبابا عند قدومه لحضور القمة الإفريقية، فشلت المحاولة الحمقاء وانكشف سريعاً بأدلة دامغة دور السودان في التخطيط والتنفيذ، وأصبح من السهل ابتزازه من مصر ومن إثيوبيا، في تلك الأجواء قررت الدولتان حسم صراع حدودي طال أمده مع السودان، فاحتلت مصر مثلث حلايب شلاتين وهي تشهر في وجه السودان سلاح التهديد بتصعيد موضوع محاولة الاغتيال، فلم يبدِ السودان رد فعل يتناسب وخطر احتلال جزء من أرضه، وهو الذي كان ينظّم الانتخابات في دائرة حلايب حتى انتخابات 1986 خلال الديمقراطية الثالثة.
في الجانب الإثيوبي، توغلت قوات قبلية إثيوبية في أراضٍ زراعية سودانية تُقدّر مساحتها بأكثر من مليون فدان، بعد أن كانت تحت سيطرة مزارعين سودانيين، ومثلما حدث في جبهة مصر، لم يبدِ السودان رد فعل قوياً، خوفاً من تصعيد يفرض عليه عقوبات إضافية، وهو المثقل بالعقوبات.
لاحت للسودان فرصة للتحرّر من هذا الابتزاز ببروز أزمة سد النهضة، الذي تعتبره إثيوبيا مشروعاً قومياً تلتف حوله شعوب إثيوبيا المختلفة، فيحقق المشروع وحدة وطنية بجانب فوائده الاقتصادية، واعتبرت مصر السد مهدداً حقيقياً، فسعت الدولتان إلى خطب ودّ السودان، وكان في الإمكان أن يعمل نظام الإنقاذ على تحقيق مصالح السودان، بلا انشغال بأن يتطابق موقفه مع هذا الطرف أو ذاك، لكن يبدو أن نظام البشير اعتبر الأزمة فرصة للانتقام من مصر، التي أصابها الهلع من السد الذي يهددها بالجفاف والعطش، فاختار السودان الانحياز لإثيوبيا رغم تصريحات تدّعي الحياد.
في المحيط الشعبي، يوجد في السودان تيار يرى ضرورة التقارب مع مصر، وهو امتداد للتيار الاتحادي الذي نادى في مرحلة سابقة بالاتحاد مع الجارة الشمالية، يقابله تيار غير محبّ لمصر ويعتبرها متعالية على السودان، اعتمد نظام الإنقاذ في انحيازه لإثيوبيا على التيار الأخير الذي سيظل موجوداً بعد سقوط الإنقاذ، مثلما كان موجوداً قبل الإنقاذ، ظهرت ملامح هذا التيار بوضوح عند التوترات التي شهدتها الأيام الماضية على حدود السودان الشرقية مع إثيوبيا، بعد اعتداءات إثيوبية راح ضحيتها عسكريون ومدنيون سودانيون، وعلى الفور سارع سودانيون في مواقع التواصل الاجتماعي إلى اتهام مصر بأنها قد دبرت الأحداث من طرف خفي، حتى تدفع السودان للانحياز إلى جانب مصر في أزمة سد النهضة، لو افترضنا صحة هذا الاجتهاد فسوف تظل إثيوبيا المسؤولة الأولى عن الأحداث بوصفها المعتدي المباشر ولو «غُرّر» بها من الجانب المصري، لكن كاد البعض أن يدعو لمسامحة إثيوبيا باعتبارها ضحية لخدعة خبيثة من مصر، ولم يبقَ لهؤلاء غير أن يقترحوا إرسال وفد إلى أديس أبابا لتعزية إثيوبيا في مصيبتها، أما ضحايا العدوان الذين سقطوا برصاص إثيوبي فقد ضاعوا وسط الدخان والغبار الكثيفين، اللذين أطلقهما كارهو مصر في السودان.
في جانب آخر، سارع فريق إلى تعديد أفضال مصر على السودان، فهي التي فتحت جامعاتها أمام المبعوثين السودانيين، وهي التي أنشأت فرعاً لجامعة القاهرة في الخرطوم، وهي البلد الذي يضم أكبر جالية سودانية في الخارج، وضاع بين الفريقين صوت متوازن يدعو للبحث عن مصالح السودان بلا حاجة لانحياز لأحد الطرفين، ويبدو أن هذا الصوت سوف يعلو بقدوم حكومة الثورة التي لا تعاني من عقدة الذنب الثقيل، الذي ظلت تنوء بحمله حكومة الإنقاذ.

اقرأ ايضا