الثلاثاء 16 ربيع الثاني / 01 ديسمبر 2020
 / 
03:10 م بتوقيت الدوحة

الدولة الفقيرة...!

أسامة عجاج
التناقض وغياب الرؤية، واللجوء إلى الدعاية والشعارات الشعبوية، وإشاعة أجواء من الأمل الكاذب أحيانا، واستخدام الصدمات أحيانا أخرى، هي سمات أساسية في الخطاب السياسي الموجه من النظام المصري إلى قطاعات الشعب، الذي لم يعد قادرا على معرفة بوصلة الأيام القادمة أو مستقبله القريب، ومن السهل رصد مدى التناقض الشديد في مفردات هذا الخطاب، الذي بدأ بمقولات مثل «مصر هتبقى أد الدنيا»، وانتظرونا عامين «هتشوفوا مصر لها العجب»، في ترويج لفكرة مستقبل زاهر في انتظار مصر، إلى أن وصلنا إلى مرحلة جد مختلفة تماماً، وعنوانها «أنا مش عايز أديك لا أنا مش قادر أديك»، تعبيرا عن عجز الدولة عن توفير مستلزمات المصريين الأساسية، مرورا بمرحلة «هتكلوا مصر يعني»، والمعنى واضح تغول طلبات المصريين قياسا بأوضاعها الاقتصادية، واستقر الخطاب في الآونة الأخيرة عند «مقالوش لكم إن مصر فقيرة فقيرة أوي».
ترافق مع هذا الخطاب السياسي المبهم والمشوش، سياسات اقتصادية لها نفس الصفات، فالاعتماد الأساسي على اقتصاد الجباية، من خلال رفع الضرائب فقط على أصحاب الدخول الثابتة والمتدنية، دون أي تأثير لذلك على الطبقة العليا، مع أرقام بالمليارات عن حجم التهرب الضريبي، ناهيك عن سياسة رفع الدعم وارتفاع الأسعار، دون أي تدخل من الحكومة لضبطها، وتعويم سعر الصرف، ما أسهم في إغراق وتدني وضع العملة المصرية بصورة كارثية وبشكل غير متوقع، كما قال مسؤولو صندوق النقد الدولي، ما كشف عن أن القرار كان من الصندوق، الذي يملك روشتة للعلاج يحاول تطبيقها على كل حالات الدول، التي تسعى إلى الحصول على قروضه، دون حتى مناقشته من الجانب المصري، ما أسهم في زيادة معدلات التضخم، وارتفاع غير مسبوق للأسعار.
ترافق ذلك أيضاً مع غياب فقه الأولويات، فلم يكن على أجندة النظام سوى السعي إلى بدء تنفيذ مشروعات قيل إنها قومية، تمت دون هدف أو دراسة جدوى، فالدولة الفقيرة لا تدخل في مشروع مثل إنشاء قناة جديدة أو تفريعة للأولى، وكأن هناك من اشتكى من دورة المرور في قناة السويس، في ظل تراجع في معدلات النقل البحري، واعتبرها النظام هدية مصر للعالم، لم يكتفِ بذلك، بل أصر بشكل غير مفهوم على إنجازها في عام، وهي المقرر لها خمس سنوات، ما استنزف معها حصيلة مصر من العملات الحرة، وأصبحنا أمام مشكلة تسديد فوائد أكثر من ٦٦ مليار جنيه مصري، أسهم بها المصريون في تكلفة المشروع، وقيل بعد أن تكشفت كل تلك الحقائق: إن الهدف من المشروع معنوي، وهو إثبات قدرات المصريين على العمل والإنجاز.
الدولة الفقيرة لا تسعى إلى الدخول في مشروع إنشاء عاصمة إدارية جديدة، صحيح أن القاهرة تعاني، ولكن هكذا مشروع لا يمثل أولوية إذا قيس بخطة إعادة مئات المصانع المتوقفة إلى التشغيل، والعمل من جديد، ما يساهم في إعادة دوران الاقتصاد المصري المتعسر وتشغيل آلاف العمال وتوفير احتياجات أسرهم، وندرك في النهاية أن الهدف من المشروع –كما قالوا- هو الاستثمار في الأراضي وبيعها فقط. الدولة الفقيرة تتقشف وتضرب الحكومة المثل والنموذج للشعب في هذا التقشف، دون أن يلجأ مجلس النواب إلى مناقشه رفع مرتبات الوزراء، أو أن يسعى رئيس مجلس النواب إلى شراء ثلاث سيارات بـ١٨ مليون جنيه، الدولة الفقيرة لا تستدين ٢٥ مليار دولار لإقامة مشروع محطة نووية لاستخراج الكهرباء، أو إلى قرض من صندوق النقد الدولي بـ١٢ مليار دولار لا تعرف كيف تستثمره، في تعجيز للأجيال القادمة المحملة بتلك الديون.
فقر مصر ليس في الموارد، ولكن في سياسات القائمين عليها، في سوء إدارة الإمكانات، وهي كبيرة وضخمة ومتنوعة، ولكنهم لا يعلمون.

اقرأ ايضا

اعمار هش!!

16 أكتوبر 2014

بحاح الاختيار الأمثل!!

25 أبريل 2015

مصر في فيينا!

07 نوفمبر 2015

نظرة على المستقبل! (1-2)

19 مايو 2016