الثلاثاء 10 ربيع الأول / 27 أكتوبر 2020
 / 
11:45 م بتوقيت الدوحة

استراتيجية منقوصة!

أسامة عجاج
حسناً ما فعله البرلمان العربي، عندما أصدر الأسبوع الماضي، الاستراتيجية العربية الموحّدة للتعامل مع تركيا وإيران، والتي اشتملت على ثلاثة محاور، الأول تضمن ثوابت المواقف العربي وأهداف الاستراتيجية، والثاني ناقش مصادر التهديد والتصدي وإجراءات إيقاف المخاطر، والثالث الأسس والآليات الخاصة بالتعامل مع هذين الخطرين، ولعل إصدار مثل هذه الاستراتيجية يثير العديد من الملاحظات، في مقدمتها طبيعة تكوين البرلمان العربي، والذي يضم ممثلي البرلمانات العربية من كل الدول العربية بغياب سوريا، بدأ عمله في 2012، بعد أن ظل مجلساً انتقالياً منذ الاتفاق على إنشائه في قمة عمان بالأردن، وإقراره بعد قمة الجزائر في 2004، ولكنه ظل ككل التشكيلات العربية، يتماهى مع مواقف الحكومات، دون أن يكون ممثلاً حقيقياً لإرادات الشعوب، ولهذا فقد خرجت الاستراتيجية كما لو كانت صادرة عن مجلس وزراء الخارجية، ليس فيها أي دور لمخاطبة شعوب الدولتين، أو فتح جسور للحوار معها بأي صورة من الصور، سواء على المستوى البرلماني أو النخب في الجهات الثلاث، بل اختار طريق الشكوى إلى مجلس الأمن من مخاطرهما، وطلب من الأمانة العامة تنفيذ ذلك، عن طريق وزارات الخارجية العربية.
نقطة أخرى، على الرغم من إصدار البرلمان العربي لتلك الاستراتيجية، فحقيقة الأمر أن هناك تبايناً شديداً في النظر إلى طبيعة هذه التدخلات، من دولة إلى أخرى، وللتدليل على ذلك يمكنك الرجوع إلى بيانات وزراء الخارجية، التي عقدت دورتين خلال هذا العام، لمناقشة التدخل التركي في شمال سوريا وفي ليبيا، حيث تحفظت دول عديدة على ذلك، بل دافع مندوب الصومال عن دور تركيا التنموي والداعم لاقتصاد بلاده، وفي الاجتماع الأخير خلا القرار من ذكر اسم تركيا بطلب من العديد من الدول، وتمت الاستجابة لذلك، لضمان الخروج بالقرار، ورغم ذلك كان هناك تحفظات من بعض الدول.
ونتوقف عند ملاحظة جديدة، أن البرلمان العربي قام بتعمّد تغييب الطرف الثالث في المشاريع، التي يمكن أن تمثل خطراً على المنطقة العربية، وأقصد بالطبع المشروع الإسرائيلي وهو الأخطر، نظراً لأن الخلافات مع إيران وتركيا، وفقاً للاستراتيجية تتمثل في التدخلات في الشؤون الداخلية لبعض الدول، وهي أمور خاضعة للحوار السياسي، وإمكانية إيجاد قواسم لها وحلها في إطار حوار لم تسعَ إليه الجامعة العربية مع الدولتين، وقد سبق أن فصّلنا خطر إسرائيل في مقال سابق، حول ضمّ إسرائيل لثلث الضفة الغربية، كما لم تتناول الاستراتيجية أسباب التدخل التركي والإيراني في الشأن العربي، وتتعلق بغياب المناعة الذاتية للمنظومة العربية، التي فشلت في أن تكون مظلة حماية لكل الدول العربية، أو التدخل المباشر لحلّ الأزمات التي اندلعت في العديد منها، وسهل تدخل الدولتين دون أي مقاومة، بل أحياناً بطلب من حكومات شرعية كالحالة الليبية، أو عن طريق دعم طرف على حساب طرف في صراع داخلي، نموذج إيران مع لبنان وسوريا وحتى العراق.
أما الملاحظة الأهم التي تكشف مدى قصور نظرة البرلمان العربي وأعضائه، هي دعوته إلى النظر في إيقاف التبادل التجاري والمشروعات المشتركة مع تركيا وإيران، لحين التخلي عن سياساتهما تجاه الدول العربية، دون أن يكلف أحد منهم نفسه بمجرد مراجعة الأرقام المعلنة عن البعد التجاري والاقتصادي العربي مع الدولتين، ففي خلال مايو الماضي، كشف مسئول إيراني أن حجم التبادل التجاري الإيراني مع الدول العربية في منطقة الخليج والشرق الأوسط، وصل إلى 22 مليار دولار حتى مارس الماضي، ويأتي العراق والإمارات في مقدمة الدول العربية في هذا المجال، وفيما يخص الحالة التركية، فقد بلغ حجم التبادل التجاري مع الدول العربية خلال ثمانية أشهر من العام الماضي، 30 ملياراً.
حجم الصادرات التركية 21.3 مليار، والواردات 8.7 مليار دولار، ونتوقف عند الحالة المصرية، فوفقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في مصر، فقد ارتفع حجم التبادل التجاري مع تركيا إلى 3.2 مليار دولار خلال الأشهر السبعة من العام الماضي، مقابل 3 مليار خلال الفترة نفسها من عام 2018، رغم احتدام الخلاف السياسي بين البلدين.
وفي النهاية، أرجو مخلصاً أن يراجع البرلمان العربي تلك الاستراتيجيات، ولا ينتظر خمس سنوات لذلك، كما هو مقرر.

اقرأ ايضا