الخميس 24 رمضان / 06 مايو 2021
 / 
07:04 م بتوقيت الدوحة

نونيّة الرندي

د. زينب المحمود
على أنقاض الأندلس المفقود، وحيثما طُوي تاريخها العملاق كطيّ السجل للكتب، وغُسلت آثار الأمويين وكُفّنت، وأُحيلت ترِكة صقرِ قريشٍ إلى المتاحف الأعجمية، وذهبت دولة المرابطين والموحّدين إلى مختبر التحنيط التاريخي، وقف الشاعر أبو البقاء الرندي ليصور لنا تلك «التراجيديا» بعدسته الباكية المبكية في نونيّته التي توشك أن تكون نونية العرب كما لامية الشنفرى، والعادة أن تتقن العدسات تصوير المراثي والمآسي خيراً مما تصور المباهج، وهذا ما أثبته هذا الشاعر الباكي على أنقاض الأندلس التي كانت تتهاوى تحت سمعه وبصره، وكان يناجي الأخوة العربية والإسلامية في عدوة المغرب وراء البحر، فيقول:
يا راكبينَ عتاقَ الخيلِ ضامرةً
كأَنَّها في مجالِ السبقِ عقبانُ
وحاملينَ سيوفَ الهندِ مرهفةً
كأَنّها في ظلامِ النقعِ نيرانُ
ما زال هؤلاء في عافية من أمرهم، على سروج خيلهم التي تشبه في عدوها العقبان في تحليقها، متوشحين سيوفهم الهندية التي تشبه شهب النيران في عجاج الميدان، ثم يصور لهم حال الأندلسيين الذين استُعبدوا من بعد ملوكية، وذلوا بعد عزّ، وافتقروا بعد غنى، لقد دأبت عدسته على تصوير المتناقضات، في مسرح يسوده الأبيض والأسود، فإما منتصر متغطرس في ذروة الانتقام والإجرام، أو مهزوم مكلوم في حضيض المحنة ولهيب الفتنة، ونختار من المآسي التي استطرد فيها الشاعر واحدة منها:
يا رُبَّ أُمٍّ وطفلٍ حِيلَ بينَهما
كما تفرَّقُ أَرواحٌ وأَبدانُ
عقمت المآسي عن أن تزيد على هذه المأساة، وعقمت العدسات عن أن تصور بهذه الطريقة، فلا شبيه لأم انتُزع طفلها من حضنها فافترقا كل منهما إلى مصيره، إلا افتراق الروح والبدن كل إلى مثواه ومأواه.

اقرأ ايضا

مدارس روضة راشد

14 أكتوبر 2018

منظار امرئ القيس

03 نوفمبر 2019

«جامع الكلم»

26 مايو 2019

جنّة أبي تمّام

21 يونيو 2020

أمرٌ عجيب!

24 يوليو 2016

فضيلة

03 سبتمبر 2017