

المنصة تدعم المواهب القطرية.. وتسعى لإحداث نقلة فنية نوعية
الموسيقى «حياة» وحب من الطفولة.. وليست مجرد هواية
أحببت شارات مسلسلات الأطفال.. والاستماع لـ «أغنيتين خليجيتين» بهوس شديد
تخيلت نفسي قائد أوركسترا.. ولم أكن أدندن الأغاني بقدر «دندنة» الألحان
كشف الشيخ عبدالرحمن آل ثاني الملحن والمنتج الموسيقي، عن مشروع فني نوعي سوف يرى النور قريباً.
وقال في حوار مع «العرب» إن المشروع عبارة عن منصة تؤرشف الموسيقى في شبه الجزيرة العربية وإنتاج محتوى تثقيفي حول الساحة الفنية في المنطقة، وتشجيع الجيل الجديد على إضفاء بصمته..
وأكد أن الهدف من هذه المنصة إحداث نقلات نوعية جديدة في ساحتنا الفنية محلياً وإقليمياً، عبر تكوين مجتمع فني يقدم فيه الفنانون ومحبو الثقافة الدعم والإلهام لبعضهم.
وأضاف: أن حالة الشغف الدائمة لديه وراء اتخاذه مثل هذه الخطوة بالتعاون مع زملاء يشاركونه الهدف، وأن الشغف ذاته هو الذي قاده إلى دراسة الموسيقى، ومن العزف على العود كانت محطته التالية لمحاولة العزف على البيانو الذي لم يستهوه كثيراً مقارنة بالعود ذي الإيقاع الشرقي الذي يهواه وينتمي إليه، لافتا إلى أن علاقته بالموسيقى قديمة حين كان عمره 11 عاماً، وأنها بدأت بالاستماع لأغاني الشارة الموسيقية لمسلسلات الأطفال أكثر من المسلسل نفسه.
وقال «إن الموسيقى بالنسبة لي ليست مجرد هواية ولا موهبة، وأنها حياة كاملة أعيشها طوال الوقت، ولا تقارقني حالة الشغف الدائم بها».. إلى الحوار.
متى بدأت اكتشاف نفسك في الموسيقى؟
كنت منذ طفولتي استمتع بشكل كبير بأغاني الشارة الموسيقية لمسلسلات الأطفال أكثر من استمتاعي بالمسلسل نفسه. بدأت في سن الحادية عشرة باكتشاف الموسيقى الخليجية بالتحديد، ولم أكن أجد سوى أغنية أو أغنيتين أعيد الاستماع لهم عشرات المرات بشكل متواصل وبهوس شديد. كان هذا الشيء مهرباً لي كطفل من العديد من الظروف المحيطة. تطور هذا الهوس في فترة مراهقتي إلى محاولات لاستكشاف أي نوع من الإنتاج الموسيقي أستطيع إيجاده. كنت استكشف الموسيقى في كل منطقة جغرافية وكل حقبة زمنية.
ولماذا اخترت آلة العود بالتحديد؟
لم يكن اهتمامي بالعود بسبب الآلة نفسها أو بسبب رغبتي بالعزف، بقدر ما كان بسبب رغبتي بالتلحين. كنت أتصور نفسي منذ الصغر في موضع قائد الأوركسترا على الخشبة. لم أكن أدندن الأغاني بقدر ما كنت أدندن الألحان. لم أكن أملك القدرة على الوصول إلى التعليم الموسيقي المناسب فكان هذا الشغف جهداً شخصياً أغلب الوقت، كنت أتعلم عن الموسيقى بالاستماع وتجريد ما أستمع إليه من الألحان، لكنني لم أكن أملك اللغة المناسبة أو الهيكل النظري المناسب لأفهم ما كنت أسمعه. تجرأت أن أتعلم الموسيقى نظرياً قبل أن أمسك بأي آلة، فكنت أبحث عن مصادر تعلمني عن السلالم الموسيقية والقيم الوقتية والمقامات الشرقية قبل أن أمسك بأي آلة. قبل أن أعزف العود جربت البيانو ولم أستطع الإكمال فيه، فقد كانت الموسيقى التي في عقلي شرقية بأغلبها، والبيانو لم يمكني من الوصول إليها لافتقاره لنغمات الأرباع التي تحملها المقامات الشرقية. كان العود فقط هو الخيار الأكثر توفراً لي، ولم أكن أنظر إليه إلا كأداة تساعدني لأصبح ملحناً.
هل مارست الموسيقى بالفطرة أم أنك قمت بدراسة هذا النوع من الفن؟
لا أعتقد أن المواهب الفنية وليدة الفطرة. أؤمن أن كل من يملك قدرة فنية معينة قام باكتسابها وفق تجارب حياتية معينة قامت بتشكيل بنيته العاطفية والنفسية، وأن قدراتنا كبشر تنبع من البيئات التكوينية التي وجدنا فيها منذ الولادة. تتشكل المواهب الفنية عند البعض مبكراً بسبب تعرضهم لظروف حياتية منذ سنين الطفولة المبكرة تنمي عندهم هذه القدرات. أؤمن أن القدرات تكتسب من رغبة واهتمام، وقدر الرغبة والاهتمام هذا تحدده ظروف الناس التكوينية منذ صغرهم، وكلما حتمت هذه الظروف التكوينية قدراً أكبر من الاهتمام تجاه شغف معين فإنه يسهل على الإنسان الإبداع فيه وتعلمه بسهولة.
ولكي أجيب على السؤال بشكل أوضح، فإن الشغف الذي تكون عندي للموسيقى كان موجوداً منذ الصغر، أما مهاراتي الموسيقية في التلحين، التوزيع، العزف وحتى علوم الهندسة الصوتية، فقد قمت بتطويرها وتعلمها بنفسي، بدون أي نوع من الدعم أو الإرشاد، بل بالعكس، لقد كنت أعاني أغلب حياتي في البحث عن مصادر معرفية أطور منها قدراتي الموسيقية.
في عالم التلحين الموسيقي البعض يحاول المزج بين الموسيقى الشرقية والغربية لإنتاج فن مختلف.. ما رأيك في هذا التوجه؟
المزج الموسيقي ليس بمبدأ جديد، بل إن أي تطور في الإنتاج الموسيقي على مر السنين يبدأ بدمج النمط الموجود بأنماط جديدة. المزج ليس مرتبطاً فقط بالشرق والغرب، فمثل هذا التقسيم هو استشراقي بحت وحصيلة لنسق فكري ما بعد استعماري. المزج في الفنون بشكل عام، والموسيقى بشكل خاص، قد يحمل عدة أوجه، منها جغرافي (كمزج ألوان من مناطق مختلفة) ومنها زمني (كإعادة إحياء ألوان قديمة بأساليب جديدة)، وعدة أوجه أخرى. لو نظرنا للمزج في الموسيقى على أنه شرق/غرب فقط، فإننا نخاطر بتقليص حجم الإبداع الذي يمكن للفنان أن يقوم به، وهو ما يعاني منه الكثير منا في الوقت الحالي، حيث إن النزعة الاستهلاكية تجاه الإنتاج الفني تجعل تبسيط مفاهيم الإبداع أمراً حتمياً (مثال: النظر إلى الإبداع الموسيقي الحديث على أنه فقط دمج بين عدة أنماط موسيقية من مناطق جغرافية مختلفة). هنا نحتاج أن نذكر كلاً من الجمهور والفنان بضرورة توسيع نطاقاتنا الإبداعية لنبحث عن أفكار جديدة كلياً، بدل أن نستكين إلى دمج الأفكار الموجودة حالياً فقط.
كيف تستطيع المواءمة بين هوايتك الموسيقية وحياتك العملية؟
لا زلت أنظر للموسيقى كحياة، لا كهواية. كلنا لدينا أشياء مركزية في حياتنا نتمحور حولها: وهذه هي نظرتي للموسيقى. حياتي العملية هي أحد السبل التي أسعى فيها لتكوين بيئة متوازنة تمكنني من عيش حياتي بما أملك فيها من شغف.
ماذا عن الجديد لديك؟!
عملي الأخير الذي قمت بتقديمه في مهرجان دريشة، والذي يحمل عنوان «كونشيرتو على مقام العجم»، ربما يعتبر أول عمل يظهر للنور بصورة رسمية كمقطوعة من ألحاني. كانت هذه المقطوعة مرتكزة على مجهودي كملحن وموزع موسيقي وعازف بالدرجة الأولى، حيث قمت بتلحينها وتوزيعها للأوركسترا الفلهارمونية والعود. أما بالنسبة للأعمال القادمة، فستكون غالباً خليطاً من أعمال أقوم بتقديمها كملحن ومنتج أيضاً، حيث عملت خلال السنة الماضية على عدد من الأعمال التي أقوم بإنتاجها بالكامل من الصفر بنفسي، وهي محاولة مني لتقديم أسلوبي الفني الخاص في أعمالي من غير الاعتماد على عازفين آخرين، والاكتفاء بتقمص أدوار الملحن، الموزع، المنتج، الفرقة الموسيقية وقائدها، والمهندس الصوتي بنفسي. أهدف من ذلك إلى استكشاف ما بإمكاني أن أحققه في عمليتي الإبداعية إذا قمت بالتحكم بجميع جوانب العمل بنفسي. هذا بالطبع بالإضافة إلى نيتي القيام بتلحين أعمال أوركسترالية جديدة ودمجها مع الأساليب الجديدة وإضافة البعد التكنولوجي الذي أستفيده من توسعي إلى الإنتاج الموسيقي بالإضافة إلى التلحين.
إقدامك على إقامة معرض للفنون البصرية يكشف عن هوايات واهتمامات فنية متنوعة لديك.. حدثنا عنه؟
توسعي إلى هذا الجانب أتى حديثاً وكان سببه اكتشافي أن هناك إمكانية كبيرة للتوسع في مساحاتي التعبيرية، كوني أحمل الكثير من الرسائل التي أريد التعبير عنها بحكم توجهي الأكاديمي الذي صاحب توجهي الفني، حيث كنت ولا أزال شغوفاً بالفلسفة والتاريخ والعلوم المجتمعية والثقافية، وقد سنحت لي دراستي الأكاديمية بتطوير هذا الجانب، والذي بدوره أثر على رؤيتي الفنية كموسيقي وأدى إلى توسع دائرة اهتماماتي الفنية لتشمل الفنون البصرية و التصورية.
كان هذا العمل، والذي تمت استضافته في معرض المرخية، تعاوناً مع الفنانة أميرة رضي، حيث اشتركنا في رؤية فنية تهدف للتعبير عن حالة الانغلاق والنضوب الإبداعي التي يمر بها الفنان عندما تهاجمه مصاعب الحياة وتهوي بصحته النفسية. فكان العمل تعبيراً عن محاولة الفنان استخدام أداته الفنية أياً كانت لتطهير وجدانه من السموم النفسية التي تسبب هذا النضوب، حيث كانت هذه الحالة شيئاً مررنا به في مسيرتنا كفنانين وكنا نسعى من خلال وسائلنا الفنية لأن نقوم بالتخلص منه.
كل مبدع لديه مثلٌ أعلى يطمح في أن يصل إليه.. ما هو مثلك في عالم الموسيقى؟
لا أحب التفكير بمثل أعلى، فهذا يشكل خطراً على كل فنان أن ينتهي به المطاف تحت الجلباب الفني للفنانين الذين يمتثل بهم، دون أن يقدم رؤيته الفنية الفريدة.
من الأكيد أني أعشق الأعمال الفنية للكثير ممن أتوا قبلي، وبالتأكيد أني تأثرت ببعضهم، فأنا لازلت حتى اليوم ألتهم كل ما قدمه ملحنون كرياض السنباطي وعبدالعزيز ناصر وغنام الديكان وغيرهم (وقد اخترت هذه الأمثلة عمداً للتشديد على التنوع رغم كثرة من أعشق أعمالهم) بالكثير من الشغف، لكنني أخاف كل الخوف أن يؤثر حبي لما قدموه على أي عمل فني أقوم بإنتاجه، فلا زلت أتحرى في كل جملة ألحنها أن لا أكون قد استسلمت لذاكرتي اللحنية فوق قريحتي الاستكشافية.
هل ترى أن قطر لديها فنانون مبدعون في الموسيقي.. وما هو المطلوب حتى نكتشف مواهب قطرية خالصة في هذا الفن؟
قطر امتلكت ولا تزال تملك الطاقات الإبداعية، ولكنها عانت من ضمور إبداعي في فترات مختلفة بسبب صغر مساحتها الجغرافية وحجمها السكاني مقارنة بالساحات الفنية الأخرى، فكان فنانو المنطقة يحظون بحجم أكبر من الجماهير، إضافة إلى فترة فتور في الساحة الفنية العربية جمعاء بدأت منذ نهاية الثمانينات ولا زالت مستمرة نوعاً ما، إنما سعت قطر للخروج منها منذ عقدين من الزمن بتبني نموذج دولة تدعم الازدهار الثقافي وتشجع المجتمع على تبني وجدان إبداعي متجدد. رأينا كمية التطور الذي سببه هذا التوجه الرائع والدعم الذي قدمته قيادتنا الرشيدة في ازدهار وسطنا الفني، خصوصاً في الفنون البصرية وصناعة الأفلام، إلا أن الطريق لا زال مفتوحاً أمام الفنون الموسيقية لتحصل على تشجيع أوسع وتوجيه أكثر للطاقات الشبابية التي تملك القدرة على العطاء إذا توفر لها التوجيه والتعليم والدعم المدروس.
كنت قد قلت مسبقا أن شغفي الشخصي للموسيقى كان شيئا قمت بتنميته وحدي ودون أي توجيه، حيث إنني لم أجد من أي نوع من الإرشاد الإبداعي والتشجيع، وذلك لندرة المصادر المعرفية وقلة المهتمين، فكان هذا دافعاً لي أن أحاول أن أكون مساهماً في توجيه وتشجيع من هم حولي. هذا ما أدى بي إلى الانضمام إلى اثنين من زملائي وأصدقائي في الوسط الثقافي، وهما عمار القمش والعنود آل ثاني، لتأسيس منصة مهتمة بتعزيز الثقافة الفنية في شبه الجزيرة العربية تحت مسمى «جماعة مرواس». تعنى هذه المنصة بأرشفة الموسيقى في شبه الجزيرة العربية وإنتاج محتوى تثقيفي يدون الساحة الفنية في المنطقة، وتشجيع الجيل الجديد على إضفاء بصمته على هذه الساحة وتقديم نقلات نوعية جديدة في ساحتنا الفنية محلياً وإقليمياً. نهدف كثلاثة أشخاص مهتمين في تنمية الثقافة في المنطقة أن نقوم بمجهود شخصي يكون بذرة لإلهام آخرين غيرنا لمشاركتنا في تكوين مجتمع فني يقدم فيه الفنانون ومحبو الثقافة الدعم والإلهام لبعضهم. لا زلنا في المراحل التحضيرية لهذا المشروع حيث نقوم شخصياً بمجهود فردي بالبحث عن المصادر المعرفية وتخطيط أنواع المحتوى المعرفي الذي سنقوم بطرحه، ونأمل أن نقوم بإطلاق نسخة تجريبية من المنصة في المستقبل القريب.
ماذا إذن عن آخر مشاركاتك الفنية؟
كانت في الليلة الافتتاحية لمهرجان دريشة الحافل بالمواهب المحلية، وقدمت مقطوعة جديدة من مؤلفاتي بعنوان «كونشيرتو على مقام العجم» إلى جانب أوركسترا قطر الفيلهارمونية.