الأحد 11 جمادى الآخرة / 24 يناير 2021
 / 
02:49 م بتوقيت الدوحة

صبرين الحاج مذيعة «الجزيرة» تكشف: أكره الموضة.. وأنفتح على الآخرين

حنان غربي

الأربعاء 30 ديسمبر 2020

والداي رفضا شغفي بالإعلام اعتقاداً بأن الصحافة مهنة لا تستحقّ سنوات من الدراسة
حلمت أن أكون محامية لأعبّر عن آلام الناس.. واندفاع المراهقة جعلني أنبهر بالإعلام

في كنف عائلة بسيطة وسط مدينة هادئة بأقصى الشمال الشرقي لتونس، وتحديداً ولاية نابل، ولدت صبرين الحاج فرج مذيعة «الجزيرة»؛ ولأن نابل تطلّ على البحر المتوسط، وتتميز بطبيعتها الساحرة وجمالها الأخاذ، فقد انعكست هذه الطبيعة على شخصية صبرين، ومنحتها بعض صفات الماء والبحر، فهي عميقة عمق البحار، لا تحب السطحية، شفافة لا تحب التصنع ولا التكلف، بسيطة في مظهرها، مشرقة في إطلالتها، تربت صبرين في جو عائلي حميمي جداً، جعلها تقدس العائلة وتعتبرها صاحبة الفضل الأول فيما وصلت إليه.
في هذا الحوار نتعرف على الوجه الآخر لـ «صبرين»، والتي تصرّ على أن اسمها يُكتب هكذا في المغرب العربي، وليس «صابرين» كما هو متعارف عليه في باقي الدول العربية.
«وُلدت في عائلة ميسورة الحال لرجل طيب وأم فاضلة لم يتمكنا بسبب ظروف قاهرة من حمل شهادات عليا، فحملا حلماً وتصميماً كبيرين بإيصالي أنا وإخوتي إلى أسمى مراتب التعليم، وحرصا على أن نكون الأوائل في دراستنا على الدوام».. هكذا بدأت صبرين حديثها لـ «العرب» عن نشأتها.
وتضيف: كنت وأشقائي دوماً من المتفوقين في الدراسة، تعلمت من أبويّ منذ الصغر العمل والاجتهاد والمبادئ الأصيلة، والاعتماد على النفس، كنت طوال حياتي الإنسانة التي إن أرادت شيئاً أصرّت عليه حتى تحقيقه.

قصتي مع الإعلام

 هل كانت نفس هذه الروح سلاحك للوصول إلى الإعلام.. مجال عملك؟
- بالفعل.. فقد بدأت قصتي مع الإعلام منذ عمر الثالثة عشرة، وكانت قصة ذات شجون حيث قررت أن أصبح صحفية، وكانت الصحافة بالنسبة لي سفر ورحلات، وكل ما كان يستهويني آن ذاك أن أجوب العالم، وأدافع عن الناس وأساعدهم في نيل حقوقهم، وأكون صوتهم المعبّر عن آلامهم وأحلامهم، قبلها مباشرة كنت أفكر في المحاماة للسبب نفسه، ولكن لا أذكر ما الذي جعلني فجأة أنتبه لعالم الصحافة وأنبهر به، ربما هو اندفاع المراهقة والطموحات التي لا سقف لها، والتي عادة ما ترافق تلك المرحلة.
كبرت وكبرت تلك الأحلام معي، كبرت في ذهني صورتي رفقة القلم والميكروفون، وأمام الكاميرات، زاد إدراكي وزادت رغباتي معه في أن أصبح الصحفية التي أحلم بها، ورغم أن كل من حولي كانوا يستخفّون بأحلامي ويعتبرونها بعيدة المنال ويستهزئون بأفكاري فإن إصراري وعنادي الإيجابي جعلني أتمسك بأحلامي، وأجتهد لجعلها واقعاً، والطريف أنه في سنة البكالوريا «الثانوية العامة» رفض والداي نهائياً دراستي للإعلام، واختارا لي المحاماة والحقوق أو التعليم، وهدداني إن لم أغير رأيي وأصبح أستاذة أو معلمة أو محامية، فإنهما سيمنعانني من الجامعة، لم يكن رفضهما للإعلام بسبب حبهما للتعليم أو المحاماة، بقدر ما كان اعتقاداً بأن الصحافة كمهنة لا تستحق سنوات من الدراسة، بل يمكن اتخاذها كمجرد هواية.
ولكني أقنعتهما بأعجوبة، وكنت سعيدة بانتصاري لرغبتي، وبعد أن رأيا نجاحاتي وتفوقي في الجامعة وفهما ماهية العمل الإعلامي، ومدى ارتباطي به أصبح والداي يقترحان على إخوتي أن يصبحوا صحفيين أيضاً.

كره القيود
تشبه شخصية صبرين الإعلام كثيراً، فهي تحب الحرية وتكره القيود وترى أن العمل الإعلامي عمل متجدد غير قابل للروتين، تكره الالتزام المكاني والزماني والعمل المكتبي، بدأت في الإعلام منذ بداياتها في الجامعة، كتبت في الجرائد وقدمت في الإذاعة، ثم بعد التخرج من معهد الصحافة وعلوم الأخبار بتونس، عملت مذيعة أخبار في إذاعة تونس الثقافية، ثم انتقلت إلى تلفزيون الحوار اللندني، الذي قدمت فيه برنامج ساعة بالتونسي، وهو برنامج حواري سياسي اجتماعي، بعدها كانت النقلة النوعية التي حدثت في حياتها المهنية بعد التحاقها بـ «الجزيرة».
إلى ذلك تضيف صبرين عن مشوارها الإعلامي: مسيرتي الصحفية كانت منوعة، والتجارب كانت مفيدة على الصعيد المهني والإنساني أيضاً.. لا يزال هناك الكثير لأتعلمه، ووجودي في «الجزيرة» يمنحني هذه الفرصة الثمينة، أكذب عليك إذا أنكرت أنني أعتبر التحاقي بـ «الجزيرة» تتويجاً لجهود بذلتها لسنوات، لكن هذا لا يعني نهاية المشوار، بل هو بمثابة ولادة ثانية أمارس عقبها الصحافة داخل مدرسة «الجزيرة»، ولا أصفها بالقناة فهذا انتقاص من مقامها، فهي بالنسبة لي كانت الحلم الذي أصبح واقعاً، أقدم من خلاله رسالة وأؤدي واجباً.
الغربة كربة
عن حياتها بعيداً عن تونس.. تحكي صبرين: يوم في الغربة يختلف عن يوم في الوطن، هو يوم مليئ بالشوق والحنين، في بداية عملي في قطر كان الانتقال من بيئة لبيئة أخرى أمراً صعباً، خصوصاً وأنني لم أتعود الابتعاد عن الأهل والبيئة التي تربيت فيها، وكنت قليلة السفر إلا فيما ندر ولإجازات قصيرة، فكانت الغربة بالنسبة لي عناء ومرارة، ولكني حاولت أن أصنع عالمي الصغير الذي فيه أعيش هنا، وساعدني في ذلك حبي لعملي، وشغفي بالإعلام، الذي كان يشغل أغلب وقتي، ويحدّ من أوقات الفراغ التي أكون فيها وحيدة، إضافة إلى كوني إنسانة اجتماعية جداً أحب الأصدقاء كثيراً، وأسعد بـ «اللمّة» التي لا أفوّت فرصة لتنظيمها، وكل ذلك كي أخفف قليلاً من مرارة الشعور بالوحدة أو الغربة، ولا زلت ورغم السنين الطويلة التي مرت عليّ في غربتي فإنني في كل مرة أترك فيها الوطن عائدة إلى الدوحة بعد كل إجازة تكون تلك المرة كأنها أول مرة، بنفس الدموع والأحاسيس والمرارة، أكره الوداع والفراق وأجده في كل مرة صعباً، وأحاول عبثاً التأقلم مع الرحيل، فأكبر ألم واجهته في حياتي كان يوم مفارقتي لأهلي لألتحق بعالمي الجديد في «الجزيرة»، ومتأكدة أنني سببت نفس القدر من الألم أو أكثر لأهلي، فنحن عائلة متماسكة جداً، قريبين من بعضنا البعض ومرتبطين، فما زلت مع كل إجازة أحس بنفس اللهفة كأنها أول رحلة في أول إجازة، وما زال نفس الوجع والألم مع انتهاء كل إجازة كأنها كذلك أول رحلة لي خارج الوطن بعيداً عن دفء العائلة.

 بعيداً عن الشاشة والعمل، كيف تقضين وقتك؟ وما هواياتك؟
- أستمتع بقضاء الوقت مع عائلتي حتى وإن كان من خلف الشاشات، أخصص يومياً جزءاً من وقتي للتواصل مع عائلتي، حتى أبقى قريبة منهم ومن مشاغلهم ويومياتهم قدر الإمكان، وأخفف من شوقي إليهم، إضافة إلى الوقت الذي أقضيه مع أصدقائي المقربين، والذين أحرص على مشاركتهم المناسبات الاجتماعية، بل وحتى وجبات أكل بدون مناسبة، أحب الطبخ وتعلمت الكثير من والدتي، لكن جربت كل الوصفات عندما استقللت بحياتي في قطر، فوجدت نفسي مسؤولة عن بيتي وعن مطبخي وعما آكله، وذلك صقل كثيراً موهبة الطبخ لديّ، وذلك يصبّ ويخدم حبي للقاءات، فنحن كعرب لا تكتمل لقاءاتنا إلا بأطباق شهية.

انفتاح على الآخرين
لا يقتصر الجانب الاجتماعي عند صبرين على لقاءاتها مع الأصدقاء والزملاء، فهي منفتحة على الآخرين حتى ممن هم بعيدون كل البعد عن ثقافتها وعرقها، تحب حضور الفعاليات والمناسبات الخاصة بالجنسيات المختلفة، والتي تتعرف من خلالها على عادات وتقاليد مختلفة، يقودها حب الاستطلاع فيها إلى حضور الأعياد الدينية لجنسيات مختلفة، والذي زادها حباً وتقبلاً للآخرين.. وتوضح صبرين قائلة: أؤمن أن الإنسانية أقوى رابط يجمعنا كبشر، أحب الآخرين بغضّ النظر عن عرقهم أو دينهم أو شكلهم، لا أحكم على أحد ولا أقلل من رسالة أي إنسان في الوجود، رسالتي أن الله خلق كل إنسان لغاية وهدف، وتعرفي على الثقافات والأجناس المختلفة يجعلني أتفهم الآخر أكثر، ويساعدني على الاندماج معهم، أحب الاكتشاف، ففضولي كبير للتعرف على كل ما هو مختلف، وتواجدي في قطر وتحديداً في «الجزيرة» ساعدني كثيراً على ذلك، نظراً للتنوع الإثني الكبير الموجود في هذه المؤسسة، التي تضم تحت سقفها موظفين من مختلف بقاع العالم. كان موضوع هذا التنوع بالنسبة لي وأنا الفتاة التي تربت في مدينة هادئة بعيدة عن الضجيج والصخب، مبهراً، ما زلت أذكر حينما التحقت بالجامعة في العاصمة تونس، وكيف كنت أستغرب ذلك التنوع، رغم أن أغلب الطلبة كانوا من تونس، لكنهم كانوا من مناطق مختلفة، جنوب.. شرق.. غرب.. أو شمال، أما في قطر فقد كان انبهاري أكبر، ورغم أنني سريعة التأقلم فإنني احتجت وقتاً لأتعرف وأستوعب كمية الاختلافات الموجودة في النسيج السكاني داخل الدولة، لكن لا أنكر أن هذا الانبهار كان إيجابياً وأحببته بشدة، فأنت في هذا الاختلاف تتعرف على ثقافات ولهجات ولغات ومطابخ وعادات وتقاليد، كنت أراها لأول مرة في حياتي.
تواصل صبرين: أمارس التقاليد التونسية في غربتي أكثر مما كنت عليه في تونس، فرغم انفتاحي الكبير على الثقافات المختلفة فإن انتمائي إلى تونس واعتزازي بأصولي وهويتي وعاداتي وتقاليدي لم يتغير في يوم من الأيام، بل بالعكس ازداد حبي وإحيائي للفلكلور التونسي أكثر مما كنت أحرص عليه وأنا في تونس، فنحن لدينا عادات وتقاليد تحمل قيماً معنوية كبيرة لا يمكن التنازل عنها، هذه التقاليد يجب أن تبقى على حالها، وأن نحافظ عليها ونصونها، فهي تمثل تراثنا وتراث أجدادنا الذي هو فخر لنا، وفي الوقت نفسه لست ضد التحديث في نمط الحياة بكل جوانبها، ولكن بحذر ووعي حتى لا نكون فريسة سهلة للغزو الفكري الذي تشهده مجتمعاتنا اليوم، تقاليدنا أصيلة تستحق الحفاظ عليها. 

علاقتي بالموضة والجمال 
عن الموضة والجمال.. تقول صبرين: كل من يراني يمكنه أن يلاحظ مدى بساطتي في مظهري، لا أحب التكلف، ولا أحب البهرجة، أرى أن الجمال يكمن في تفاصيل بسيطة، ولا يحتاج إلى أموال طائلة ولا تصنع يرهق معنويات المرأة، أحب أن يحافظ المرء على شبابه ورونقه دون أن يكون متصابياً، بمعنى أن يتقدم الإنسان بالعمر بشكل لائق، بالخصوص عندما نتحدث عن العمل التلفزيوني ومتطلباته، بحكم عملي كمذيعة أحاول دوماً الظهور بمظهر لائق بشكل يرضي الجمهور ويرضيني، لكنني أكره الهوس بـ «الماركات» ولا أقبل عليها إلا فيما ندر، وإذا كانت تلك القطعة بغض النظر عن مصممها أو ماركتها تستهويني وتناسبني فعلاً، أجد أن المبالغة في شراء الثياب الغالية والموقعة من فلان أو علان قد تكون بعيدة كل البعد عن شخصيتي، أفضّل أن أكون أنيقة وفقاً لمفاهيمي، جميلة في أعين من يحبني، لا أتابع الموضة، وحرفياً أكره ذلك الهوس بـ «الفاشن والستايلات»، أحب البساطة حتى في «مكياجي» حتى وأنا على الشاشة، من يراني خلف الكاميرا أو أمامها لا يجد فرقاً في شكلي، فأنا دائماً بتلك الصورة البسيطة التي لا تتغير.

كره التصنّع
تكره صبرين التصنع في كل شيء، تفضل أن تعيل عائلتها، أو تساعد محتاجاً بدل أن تشتري فستاناً بثمن باهظ لمجرد أنه «ماركة» قد لا يناسبها وقد لا تكون أحبته، تحب اللون الأخضر وتنقل نباتاتها إلى كل بيت تسكنه، تنشط على وسائل التواصل الاجتماعي باعتدال، ترفض أن تصور طبقاً تأكله لتعرضه على أناس ربما لا يجدون ثمن الرغيف، تحتفظ بخصوصياتها لنفسها، ولا تحب نشرها، تحب الهدوء، لكنها تتمتع بروح طفولية مشاكسة قد تظهر في بعض المواقف التي تسعدها، تؤمن أن «السوشيال ميديا» عالم غير حقيقي، خادع، يحمل في طياته الكثير من الغش، وبعيد عن الواقع.
هذه ببساطة.. صبرين الحاج فرج.

_
_
  • العصر

    2:51 م
...