أكاديميون وأعضاء بالبلدي يدقون ناقوس الخطر.. تجارة التأشيرات تهدد الأمان الاجتماعي
تحقيقات
31 ديسمبر 2013 , 12:00ص
الدوحة - عباس محمد إبراهيم
لا تخطئهم العين.. يتحركون في أماكن كثيرة.. تتزاحم في كثير من الأوقات مكاتب التقديم الوظيفي في القطاعين الحكومي والخاص بسيرهم الذاتية وخبراتهم، سوادهم الأعظم من الشباب، وهناك آخرون ينتشرون في الميادين عارضين خدماتهم اليومية، ويحكي البعض عن آخرين أصبحوا متسولين يستوقفون المارة في المجمعات والشوارع الداخلية للمناطق طلباً للمساعدة، ومنهم من قال: إنهم يطرقون أبواب البيوت لذات المساعدات.
قضية الوافدين بلا عمل أخذت حيزا واسعا من النقاش بجانب جهود متتالية لمعالجتها والحد منها من قبل الجهات الحكومية، بيد أنها عادت للظهور من جديد للسطح.. ويبقى السؤال من المسؤول عن دخول هؤلاء للبلاد؟ وما هو المطلوب لمعالجة القضية؟
في السنوات الخمس المنصرمة حققت البلاد قفزات متتالية في نسبة العمالة الوافدة، وهو أمر ليس بالمدهش لحجم المشروعات التي تعمل عليها الدولة، وتنفيذ الخطط الموضوعة لها، وكانت دراسات خليجية أشارت إلى ارتفاع نسبة العمالة الوافدة في قطر في العام 2010 إلى حوالي %79.9 من إجمالي عدد السكان، بنسبة نمو بحوالي %13.9 مقارنة بالعام السابق 2009، واليوم نجد أن النسبة ماضية في الارتفاع، وهو الذي اعتبره خبراء ومراقبون بأنه طبيعي ومدروس لا يمثل أي خطر أو مخاوف.
آثار سلبية
ووإذا نظرنا إلى خارطة دول مجلس التعاون وتركيبتها السكانية يتبين كثرة الوافدين على أراضيها وأن مسألة استغلال كثير من ضعاف النفوس لعمل تاشيرات ومن ثم ترك أصحابها بدون عمل ليست في دولة قطر وحدها؛ فكل الدول الست تحتل مراكز عالمية متقدمة في عدد العمالة الوافدة، وتوجد على أراضيها جنسيات مختلفة لأسباب عدة، من أبرزها متطلبات مشروعات وخطط التنمية الاقتصادية، وبناء البنية التحتية والعمل في أعمال لا يرغب المواطنون في شغلها لتدني الأجور والنظرة الاجتماعية السائدة التي تقسم العمل إلى مراتب حسب السلم المجتمعي، ورغم جهود الوافدين ونجاحهم إلا أنه نتج عنها الكثير من الآثار السلبية على المجتمع.
فالوافدون لشغل عمل ووظائف معروفة لا غبار عليهم لكن من هذا الباب انفتحت أبواب أخرى لأعداد من الوافدين المقيمين بلا عمل وهي أعداد ماضية أيضا في تزايد، مدخلها حسب خبراء ومراقبين ممارسات بعض المخالفين للقانون ومتاجرتهم في تأشيرات العمل، في هذا التحقيق نتقصى لمعرفة مداخل وطرق بيع التأشيرات بالإضافة إلى التأثيرات والمشاكل الأمنية والاقتصادية والاجتماعية الخطيرة التي يمكن حدوثها ودور المجتمع في الحلول.
محاذير وصرخات
الأسبوع الثاني من نوفمبر الماضي اندلعت أحداث شغب أشعلها مخالفون لقوانين الإقامة بالعاصمة السعودية الرياض سرت موجة من المخاوف على قطاع واسع من مواطني دول مجلس التعاون، وارتفعت الصيحات محذرة من تكرارها ورسم مواطنو تلك الدول الكثير من الحروف على منصات التفاعل الاجتماعي بالشبكة العنكبوتية، قطر لم تكن استثناء وانخرط المواطنون عبر ذات المواقع وفي مجالسهم وفي الهواء الطلق في نقاش واسع حول وضع العمالة بلا عمل وضرورة محاربة ظاهرة هروب وإيواء المخالفين والعمل على كشف الجهات التي تتاجر في التأشيرات ومساعدة الجهات المختصة في الوصول إليهم. مع ذلك جميع السيناريوهات حتى الأكثر تشاؤما تستبعد تكرار تلك الأحداث هنا، لجملة من الأسباب، على رأسها اليقظة والعمل المتواصل من قبل وزارة الداخلية في ضبط ومكافحة العمالة السائبة بجانب تشدد وزارة العمل في تطبيق اللوائح المنظمة والتي تكفل حقوق العاملين أولا ومخالفة المؤسسات ومتابعتها بشكل مستمر عبر لجان تفتيش مختصة والمعالجات والتشريعات التي تضبط وتضمن لكل طرف حقوقه وهو ما اعتبره عدد من الوافدين أمرا يجعل كل من يمشي على أرض قطر مسؤولا على الحفاظ على القانون والمساهمة في تطبيقه لأنه يعطي كل ذي حق حقه.
أسئلة حائرة
يعتبر اقتصاديون أن الاستقرار الاقتصادي والتطور المتسارع في قطر، بجانب الخطط الموضوعة لإنشاء جملة من المشروعات الضخمة، أسهم في جذب الوافدين وبات الآن المتجول في شوارع العاصمة الدوحة ومناطق البلاد المختلفة يلحظ تزايدا ملحوظا في عدد الوافدين للبلاد من مختلف الجنسيات، نائب رئيس المجلس البلدي المركزي المهندس جاسم بن عبدالله المالكي في حديثة لـ "العرب" عبر الهاتف أمس الأول اعتبر الأمر عاديا بسبب ما تشهده الدولة من مشروعات بنية تحتية شاملة، لكنه عاد وأشار إلى بروز ظاهرة عمال دون عمل يجب التوقف عندها، "العرب" من جانبها تطرح السؤال من هم هؤلاء؟ ومن المسؤول عن دخولهم إلى البلاد؟
الإجابة علي تلك التساؤلات ليست بالأمر الصعب لأن الحديث عن ظاهرة بيع التأشيرات لم تعد حديثا هامساً في المجالس، بل محل نقاش بين كل فئات المجتمع مواطنين ومقيمين والدولة من جانبها تعمل على محاربتها بشتى السبل، وعدم التهاون مع مرتكبيها، وفي الآونة الأخيرة بات الهم يشغل بال قطاع واسع من المجتمع، وهو ما اعتبره خبراء علم الاجتماع بالمؤشر الإيجابي المهم الذي يساهم في محاصرة المخالفين شركات كانت أو وافدين، وتقول دكتورة علم الاجتماعي بجامعة قطر منيرة الرميحي لـ "العرب": دخول المواطنين في نقاشات وجدل حول هذه القضية دليل عافية يساعد بلا شك في محاصرتها ومساعدة الجهات المسؤولة من إيقافها نهائيا، قبل أن تحذر من التهاون والتراخي في حسم هذه القضية وبأسرع وقت حتى لا تصعب معالجتها.
من هم؟
في أحد المنازل بالدوحة القديمة كان لنا موعد للجلوس مع أحمد المنياوي وثلاث من أصدقائه، جميعهم يحملون شهادات جامعية في تخصصات مختلفة لكن لقبهم الوظيفي موزع بين (سباك، سائق، فورمان، راعي) وظائف لم يعمل فيها أحدهم يوما لكنها كانت الإشارة الخضراء للدخول إلى البلاد، بعد أن دفعوا أمولا مقابلها. لحظة لقائي المنياوي في الموعد المحدد بالقرب من سوق واقف قبل أن ننطلق في طريقنا إلى المنزل أو الغرفة الملحقة بأحد المنازل أعاد أحمد الشروط التي وضعها من أجل ترتيب المقابلة (لا تصوير أو تسجيل) حتى يمكنك سماع ما تريد من الأصدقاء هناك في غرفة مرتبة لا تشابه تفكيرهم المشتت بسبب المصير غير المعلوم والأحلام التي تبعثرت طوال عام من البحث عن عمل دون جدوى، جلست إلى أربع شباب بمن فيهم مرافقنا، لا رابط بينهم ولا ذاكرة طفولة ولا زمالة دراسة تختلف أوطانهم والجغرافية التي قدموا منها إلى الدوحة لكن في السنوات الثلاث الماضية بات مصيرهم واحدا وهمهم مشتركا عنوانه البحث عن عمل كما أخبروني.
أحمد، وحسن المغربي ومحمود علي السوداني وطاهر زيادة من صعيد مصر استمعت إلى قصص وصولهم إلى قطر وأحلامهم التي سبقت الوصول إلى هنا، كل واحد فيهم دفع مبالغ من المال في حدها الأدنى 13 ألف ريال والأعلى 30 ألف ريال.
يقول المنياوي: كنت أعمل منتجا في أحد القرى السياحية بمصر، لم تكن لدي أي رغبة في السفر إلى الخارج لعدة أسباب أهمها استقراري الوظيفي وقربي من أسرتي، لكن بعد أن تغيرت الأوضاع السياسية وتراجعت السياحة، تم فصلنا من العمل وجلسنا على الرصيف ننتظر عملا آخر، ومن خلال بحثي المستمر داخل مصر والاتصال بالأصدقاء المتواجدين في الخارج عرض علي أحدهم القدوم إلى قطر وحدثني عن فرص العمل المتوفرة وسهولة الحصول على وظيفة، لم أتردد بل كدت أن أطير من الفرح وزال الهم عني وأفراد أسرتي وبدأت رحلة تجهيز المطلوبات وهي عبارة عن صورة جواز ومبلغ 13 ألف ريال قطري ما يعادل 26 ألف جنيه مصري، سألته بتعجب كم؟! ضحك وأضاف يا عم أخبروني بإمكانية استرداد المبلغ بمجرد مرور شهر أو اثنين من حصولي على وظيفة، وهو ما لم أفكر فيه لأن قطر سمعتها طيبة ورواتبها عالية، يصمت برهة وكأنه يسترجع شريطا من الأحلام التي تشابكت الآن، ويعود يسترسل الأمر لم يكن بالبساطة التي حدثوني عنها كنت على علم بأنني لن أعمل لدى كفيلي، ولن ألتقي به، لكن يمكنني أن انتقل إلى أي جهة عمل ترغب في خدماتي، والآن أنا عاطل للعام الثاني، لا تختلف قصة (محمود) القادم من السودان كثيرا فضيق الأوضاع المعيشية والهرب من أجل تحسينها ورعاية أسرته كان دافع الوصول إلى هنا بأي طريقة والعمل في أي وظيفة ليدفع مبلغ 30 ألف ريال مقابل تأشيرة عمل حر كما أخبروه تكفل له الوصول إلى قطر والبحث عن عمل بعيدا عن الجهة المستقدمة، يضيف محمود منذ عامين وأنا أعاني قلق ومخاوف الإبعاد بعد أن علمت أن وضعي يعتبر غير قانوني ولا توجد تأشيرة عمل حرة، كما أخبروني بجانب فشلي في الحصول على عمل وتراكم الديون بغرض السكن والإعاشة وفشلي في سداد المبلغ الذي استلفته لتكملة مبلغ التأشيرة على وعد سداده بعد مرور ثلاث أو أربع شهور من وصولي إلى هنا.
من أين يعيشون؟
قبل أن نلتقي المنياوي وأصدقاءه لا يمر يوم والثاني دون أن يستوقفك شاب ممتلئ حيوية ونشاطا يطلب منك مساعدته ببعض المال، لعدم قدرته على الحصول على عمل، كثيرا ما نساعد لكن علامات الدهشة تظل في الوجوه وعديد التساؤلات تزاحمك، وتعاليم الدين الحنيف تلجمك عن تقصي الأسباب، فالسائل لا ينهر، والتقاليد والعادات العربية التي يتحلى بها المجتمع القطري تمنعه عن إحراج طالب المساعدة، لكن الظاهرة بدأت في تزايد مخيف، وأبلغ عدد من المواطنين والمقيمين عنها، وفي حديثي مع نائب رئيس المجلس البلدي جاسم بن عبدالله المالكي أخبرني عن مصادفته لعدد من الشباب المتسول.
وأضاف: مثل هذه الحالات تواجهنا بشكل متكرر وهو أمر محير لأن جميعهم من الدول التي تحتاج إلى تأشيرة دخول وليس دول مجلس التعاون، والقانون واضح وصريح ينص على أن الشخص يدخل بغرض العمل لكن هؤلاء بمجرد وصولهم إلى مطار الدوحة يصبحون أحرارا يتحركون بحثا عن العمل والتسول لمجابهة منصرفات الحياة، وجهت الاتهامات إلى المنياوي ومن معه وسألتهم من أين تدبرون مصروفات معاشكم؟ لم يتردد أي منهم وبصوت واحد نعمل في أي شيء ونعرض خدماتنا لمن يريد، وفي الوقت نفسه نبحث عن عمل وفقا لمؤهلاتنا وخبراتنا كلما سمعنا عن جهات ترغب في موظفين، إجابتهم رغم عموميتها لكنها تكشف عن جوانب مهمة ومخاطر حذرت منها الدكتورة منيرة الرميحي التي اعتبرت أن التجمعات التي يعيش فيها الوافدون بلا عمل تشكل خطرا على المجتمع لأنهم في حاجة للصرف على أنفسهم والمساعدة في معاش أسرهم التي قدموا من أجلها بأحلام اصطدمت بما هو في أرض الواقع، ولفتت إلى ضرورة التوقف عند الحديث عن وجود بعض السرقات التي ظهرت مؤخرا وربطها مع أعداد العاطلين وعدم التهاون في التستر عليهم وعلى الجهات التي استقدمتهم خوفا من انحرافات أخطر مثل الاتجار في الممنوعات وبيع السويكة للطلاب المراهقين الذين يتم إغراؤهم من قبل هؤلاء.
اختلفت الروايات
والطريق واحد
للإجابة على الأسئلة من شاكلة كيف تباع؟ ومن هم المستفيدون؟ وهل صاحب الشركة متورط وعلى علم بهذه التجاوزات؟ نمتلك روايتين كل واحدة فيهم أقرب للدقة بل نرجح أنهم الاثنان يعمل بهما. يقول (ن، ع) وافد من دولة عربية منذ ست سنوات: وأنا أقوم بزيارة الدوحة بحثا عن العمل مرات كثيرة لاحت الفرصة لكنها لم تكتمل، ويضيف في كل هذه المحاولات لم أفكر في الدفع لشراء إقامة رغم العروض التي عرضت علي من قبل الكثير من الأصدقاء والمعارف، ويشير محدثي الذي توفق بعمل قبل أشهر مع أحد الشركات هناك موظفون في بعض الشركات يقومون ببيع التأشيرات من خلف ظهر صاحب العمل، وهذه الطريقة منتشرة ويكون السبب فيها غالبا لعدم المتابعة والمراجعة والعدد الضخم من العمال مما يصعب عملية كشفها، لكن هناك آخرون يتخذونها مصدرا للدخل وتتم بعلم الكفيل نفسه، ويقول المنياوي الذي يكمل بحلول مارس القادم سنتين بالبلاد بحثا عن عمل بسبب قدومه بتأشيرة: الاتفاق لا يتضمن توفير عمل فقط بمجرد الوصول إلى البلاد، لكنه لا يزال يتحدث بثقة أكثر من رفاقه ويأمل في الالتحاق بعمل متواصل ومنتظم لدى أي من الجهات التي تعمل في مجال الإنتاج الفني، لكن خلال السنتين كيف سارت الأمور؟ يقول: ليس هناك مفر عليك أن تبحث عن العمل في كل صباح ولا تفقد الثقة أو يصيبك اليأس، لأن رزقك سيأتي لا محال، ويضيف يمكنك أن تتعامل مع المكتب الذي استقدمك فهو أسهل طريق لتوفير بعض المال عن طريق توفير تأشيرة لقادم جديد، ويتابع لأن الأمر يحتاج إلى ثقة وأنت لن تمثل تهديدا علي لأنك أتيت بذات الطريق ومن مصلحتك أن لا ينكشف، من هنا أقوم بعرض التأشيرة إلى أي من الراغبين في القدوم إلى هنا والبحث عن العمل واضعا (مصلحتي) أي العمولة على السعر المطلوب من قبل المكتب، إذا هذا واحد من الطرق لتسويق تأشيرات الدخول، الأمر الذي يكشف صعوبة الوصول للإيقاع بهم، ويعتبر آخرون أن بعض الشركات استقدمت عمالا لكنها فشلت في تحقيق نجاحات وأصابتها خسائر، الأمر الذي دفع بصاحبها ترك العمال في البلاد للعمل في أي مكان بدلا عن ترحليهم وإضافة تكاليف على خسائره.
مدخل للاحتيال
هل ترغب في عمل؟ حقق حلم حياتك الآن مئات الوظائف بشركات قطرية كبرى.. بمجرد أن تكتب اسم قطر على محرك البحث (جوجل) تفتح أمامك عشرات المواقع التي تحمل مثل هذا الإعلان، المغري بقوالب مختلفة وأكثر جاذبية، في المقابل وزارة الداخلية عبر مواقعها التفاعلية أطلقت تحذيرات وطالبت الجميع بالتحري والدقة وعدم الانجراف خلف هذه الإعلانات قبل التحري والتدقيق من صحتها وعدم.
قصة (ع،ب) سوداني الجنسية قدم إلى الدوحة عبر زيارة عائلية تحكي عن طريق احتيال بدأت القصة خلال بحثه عن العمل لكن شرط وجود إقامة كان هو الحائل بينه ووظيفة العمر كما أخبرني، وتابع مع كل صباح تقترب الفترة المحددة للزيارة من الانتهاء وتضيق معها فرصة الحصول على عمل مما دفعني للبحث عن حل آخر ونصحني أكثر من شخص بشراء إقامة، وهو ما بدأت فيه فعلا ووصلت عن طريق أحد الأشخاص تعرفت على مندوب قال: إنه يعمل في أحد الشركات ويمكنه مساعدتي للحصول على إقامة وعدم ممانعة من الكفيل إلى أي جهة ترغب في تشغيل مقابل 22 ألف ريال لا تنقص درهم، أطلعته على ظروفي وعدم مقدرتي على توفير هذا المبلغ لكنه لم يتنازل وأضاف (يا سيد الإقامة للسودانيين اليوم بثلاثين ألف ريال) تركته وبدأت البحث عن آخر وبالفعل تعرفت على شخص وعرض علي إقامة بمبلغ 12 ألف ريال لم أصدق وبدأت في تجميع المبلغ من الأهل والأصدقاء وسلمته جواز السفر والمبلغ لكنه أعاد لي الجواز وقال: في هذه المرحلة نكتفي بصورة فقط وأطلعني على أوراق مكتوب فيها اسمي وكل بياناتي، مؤكداً علي أن الأمر لن يستغرق أكثر من أسبوع، وبحسرة يضيف ليتني دفعت للأول وخلصت الموضوع أو عدت إلى بلدي راضيا بالمحاولة وعدم التوفيق في العمل هنا، ويتابع مر الأسبوع الأول والثاني وتليفون الشخص مغلق وحتى هذا اليوم لم أترك مكانا ولم أطرقه بحثا عنه، سألته لماذا لم تذهب إلى الشرطة؟ رد سريعا فكرت في الأمر لكن تراجعت لأني أيضا مذنب فمثل هذه التجارة ممنوعة والآن سأغادر خلال الأسبوع المقبل وأنا خاسر كل شيء.
قوانين رادعة
المنسق الوطني للمكتب الوطني لمكافحة الاتجار بالبشر الأستاذة مريم المالكي تشدد على أن بيع التأشيرات جريمة واضحة ومخالفة صريحة يعاقب عليها القانون، قبل أن تضيف جرائم بيع التأشيرات في قطر لم تصل إلى حد "الظاهرة" إلا أنها تمثل استغلالا للعمالة نتيجة الالتفاف على القوانين والإجراءات، حيث تحصل بعض الشركات على تأشيرات لاستقدام عمال للعمل لديها، في حين يكون نشاطها وهمي وعلى الورق فقط، وتستهدف استقدام تلك العمالة التي لا تمارس عملا على أرض الواقع، من أجل الحصول على مقابل استقدامها، فضلا عن مبلغ شهري من تلك العمالة مقابل كفالتهم. وأكدت مريم المالكي- في تصريح صحافي سابق أن تلك الجرائم تقوم على التلاعب والخداع القانوني وتمثل شكلا من أشكال الاستغلال غير القانوني للبشر مما يتطلب ضرورة التصدي لهذه الحالات وكشف مرتكبيها وتقديمهم للعدالة.
بيد أن عدد من المواطنين يرى أن عدم تفعيل قانون مكافحة الاتجار بالبشر في مواجهة ظاهرة الاتجار في التأشيرات واستغلال العمال، يمكن أن يسبب مخاطر يصعب تلافيها وأكدوا لـ "العرب" أن التجارة في التأشيرات واحدة من بوابة الاتجار بالبشر، واستغرب عبدالرحمن الشمري من نشاط بعض الشركات الوهمية، التي لا تملك غير سجل تجاري وتراخيص بمزاولة المهنة باستقدام عمالة مقابل مبالغ تتراوح ما بين 10 إلى 30 ألف ريال من كل عامل، دون أية مسؤولية فعلية عليها، وتركه ليكون عبئا على الدولة في العلاج والمرافق بجانب عدم قدرته على مجارات الحياة مما يضعه عرضة للانتهاك والاستغلال من قبل آخرين أو الانزلاق في أعمال مخالفة للقانون، وأشاروا إلى وجود الكثير من الشركات الوهمية وسماسرة التأشيرات يقومون بتحميل العامل عند قدومه أي مصروفات إدارية، وإلحاقه بعمل لدى جهات عمل أخرى، أو الحصول على مبلغ شهري أو سنوي من العامل مقابل استمرار كفالته وتركه يبحث عن أي عمل، مطالبين الجهات المعنية بمراجعة نشاط الشركات المتهمة بالاتجار في التأشيرات، وتغليظ العقوبة لتصل إلى إلغاء النشاط وحظر منح المتورطين في تلك الجرائم تراخيص جديدة بمزاولة النشاط عدة سنوات إذا ثبت اتجاره بالتأشيرات.
سبل الحل
أجمع أعضاء بالمجلس البلدي وأكاديميون ومراقبون على ضرورة مراجعة قانون الاستقدام وسد الثغرات، بجانب تطبيق الجهات المخالفة وردعها، دفعوا بعدد من المقترحات، ويقول عضو المجلس البلدي المركزي عن دائر أسلطة عبدالله بن سعيد السليطي لـ "العرب": إن المجلس البلدي المركزي دفع بعدد من التوصيات إلى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ينتظر العمل بها في القريب العاجل، وأشار السليطي إلى ضرورة تشديد العقوبات وردع الشركات المخالفة بجانب تكثيف برامج التوعية بالمخاطر والأضرار التي تعود على المجتمع قبل أن يشيد بالدور الذي تقوم به لجنة الاستقدام وتمسكها بالشروط قبل الموافقة على الطلبات، معتبرا أن الحد من الظاهرة يحتاج إلى تضافر الجهود من قبل كل شرائح المجتمع لأن الشخص الذي يقوم ببيع التأشيرة يعود له مكسب مادي لكنه يضر ما يقارب عشر أشخاص آخرين، واقترح أن يكون هناك خط ساخن لتلقي شكاوى وبلاغات المواطنين عن العمالة السائبة والعاطلين عن العمل، والشركات التي تقوم باستجلابهم.
من جانبها نادت دكتورة علم الاجتماع بجامعة قطر منيرة الرميحي بمساهمة قطاعات المجتمع من أجل الكشف عن الذين يتاجرون في التأشيرات والتوقف عند التغيرات التي حدثت في المجتمع، لافتة إلى أن نمط الحياة تغير وأصبحت كل أسرة تمتلك أكثر من عاملة في البيت مما أثر علي ترابط الأسر، وانعكس في أضرار على الأطفال وهو أمر يدعو لتقنين القانون وعدم السماح بأكثر من خادم وسائق، بعيدا وأن لا يكون الوضع المادي سببا في تفكك الأسر، فيما قال نائب رئيس المجلس البلدي المهندس جاسم بن عبدالله الملكي: إن المجلس لم يناقش أمر العمالة السائبة لكنه فتح ملف العمالة الهاربة، وثمن الدور الذي تقوم به لجنة الاستقدام في وزارة الداخلية التي قال: إنها تقوم بعمل غير بسيط لكن للأسف هناك ظاهرة مثل بيع التأشيرات كما يشاع والحلول من وجهة نظري للحد منها يبدأ بالتشدد ووضع كل من يتم كشفه في قائمة تمنعه من استقدام أي عامل، وضرورة تطبيق القانون على الطرفين ومحاسبتهم وعدم التهاون، ودعا إلى مراجعة قانون الاستقدام كأول خطوة ومعرفة الثغرات والتي تتيح للمتلاعبين.
ويرى المالكي أن السفارات القطرية في الدول يمكن أن تلعب دورا ويجب أن يمر أي عقد استقدام عبر السفارة لكي تتحقق من وجود عمل قائم على الأرض، ولفت إلى توفير استمارة تعهد توضح القوانين والشروط يوقع عليها الوافد بمجرد وصوله البلاد.
مع كل ما سبق لن نجد للمنياوي وأصدقائه رغم نبرات الحزن التي تطغى على صوتهم، بسبب أحلامهم المبعثرة مؤازرا فهم ومن باعهم التأشيرات جميعهم مخالفون للقانون والنظم وإن تمسكوا بجهلهم فالقاعدة القانونية الشائعة تقول: (القانون لا يحمي المغفلين) نتوقف هنا، لكن تبقى الصرخات والتحذيرات التي تطلقها الجهات المعنية ويتفاعل معها المواطنون والمقيمون في حاجة عمل مستمر وجهد عال.