الصفحات المتخصصة
31 أكتوبر 2014 , 07:14ص
جعفر الطلحاوي
لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء، فسئلوا عن ذلك، فقالوا: هذا اليوم الذي أظفر الله فيه موسى وبني إسرائيل على فرعون، ونحن نصومه تعظيماً له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «نحن أولى بموسى منكم، ثم أمر بصومه»، ومن حكمة صيامه صلى الله عليه وسلم للعاشر من المحرم مراعاة لحقوق الأخوة بينه وبين موسى عليه السلام.
??ومراعاته صلى الله عليه وسلم لحقوق الأخوة النبوية هنا لها أخوات منها، يوم أن أمكنه الله تعالى من عفريت ليلا وأراد أن يربطه بعمود من أعمدة المسجد فتذكر دعوة أخيه سليمان عليه السلام «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ» فلهذا أطلق سراحه، في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام فصلى صلاة الصبح، وهو خلفه، فقرأ، فالتبست عليه القراءة، فلما فرغ من صلاته قال: «لو رأيتموني وإبليس، فأهويت بيدي، فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين -الإبهام والتي تليها- ولولا دعوة أخي سليمان، لأصبح مربوطاً بسارية من سواري المسجد، يتلاعب به صبيان المدينة» من هذين النموذجين يتعلم المسلم في حياته مراعاة حقوق أخوة الإيمان -ومنها شكر الله على نعمه على أخيك وإن تباعد بينكما الزمان والمكان والفضل، ومراعاة الخصوصية وعدم تمنى ما فضل الله به بعضكم على بعض- فكم بين محمد وموسى وسليمان عليهم الصلاة والسلام من الزمان والمكان والدرجات، وهو درس بليغ، من معلم البشرية الأول الذي بعث ليتمم مكارم الأخلاق، ولهذا يشكر المسلم ربه صباح مساء على نعمه عليه وعلى إخوانه» في الحديث: «من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة، أو بأحد من خلقك، فإنها منك وحدك، لا شريك لك، لك الحمد، ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه، ومن قال مثل ذلك حين يمسي، فقد أدى شكر ليلته».
??وما يستحق التوقف عنده مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم اليهود في صيام عاشوراء بصيام اليومين قبله وبعده مع العاشر أو أحد اليومين معه، قصد النبي صلى الله عليه وسلم مخالفة اليهود والمشركين وغيرهم قصداً ودليله: (خالفوا المشركين) لأسباب كثيرة، وحكم عظيمة منها:
??- حتى لا تكون الموافقة الدائمة مدخلاً لإثارة اليهود -وغيرهم- الشبهات، فإنهم قد يقولون: إن المسلمين إنما فعلوا ذلك موافقة لنا، ومتابعة لنا، وليس عندهم شيء، وما جاءوا به إنما هو من آثار ديننا وكتابنا، بلبلةً للعقول والأفكار، وترويجا للشبهات، فذلك ديدنهم كما حدث في تحويل القبلة.
??- منها: منع تسرب الأثر السيئ للموافقة، لأن طبيعة النفوس إذا وافقت في أمر وآخر وثالث فإنها تميل بعد ذلك إلى موافقة عامة فقطع النبي صلى الله عليه وسلم دابر ذلك، فكانت الدعوة إلى المخالفة بصيام اليومين قبله وبعده -أو أحدهما- معه.
??- منها كذلك: بيان زيادة الفضل والمثوبة والأجر لأمة الإسلام بزيادة العمل الصالح، فهذا العمل الصالح تتحقق فيه أكثر من نية صالحة فضلا عن الاقتداء والتأسي بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، شكرا لله تعالى على إغراق عدو الله، فما يصيب العدو من مضرة يدخل على القلب المسرة، ونجاة نبيه موسي عليه السلام، وكفارة لذنوبنا، أضف إلى ذلك التباعد عن النار سبعين خريفا. أو مئة عام، أو كما بين السماء والأرض ودلائل ذلك في الصحيح، وسائر فضائل ومنافع الصيام. هذا وبالله التوفيق ومنه وحده العصمة من الزلل والخطأ والخلل في القول والعمل.