المعارج هي عروج الملائكة بأعمال العباد وبأرواح المؤمنين

alarab
الصفحات المتخصصة 31 يوليو 2015 , 07:11ص
يوسف القرضاوي
كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام. ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.
تفسير سورة المعارج
أغراض السورة
هذه السورة مكية، كما هو مبيَّن من أسلوبها وآياتها وموضوعها وقوارعها. وهي تهتمُّ بما تهتمُّ به السور المكية عادة، من تقرير الأصول والقواعد العقيدية والأخلاقية، وخصوصًا عقيدة الإيمان بالآخرة، والجزاء بها حَسَب الإيمان والعمل، وكيف يودُّ المجرم يوم القيامة لو يفتدي من عذاب هذا اليوم بأعزِّ الناس عليه، وأحبِّ الناس إليه، {يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ * وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ* وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ} [المعارج:11-14].
ثمَّ بينت السورة طبيعة الإنسان الهلوع الذي يجزع عند الشرِّ، ويمنع عند الخير، إلَّا أصحاب الإيمان، من المداومين على الصلاة والإنفاق، والتصديق بالآخرة، والخوف من عذاب الله، والعِفَّة عن الحرام، ورعاية الأمانات والعهود، والقيام بالشهادة بالحقِّ، والمحافظة على الصلاة، فهذه هي صفات الذين يستحقُّون إكرام الله لهم في الجنة.
ثمَّ خُتمت السورة بمناقشة للكفرة المنكرين للآخرة، الطامعين في جنات النعيم، وهم لم يؤمنوا بها، ومن ثَمَّ لم يعملوا لها، فالأَوْلى أن يُتركوا في لهوهم ولعبهم حتى يأتيهم من الله ما كانوا يوعدون.

بداية التفسير:
{سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ * لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ * مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ}:
فعل السؤال عادة ما يتعدى بحرف (عن) فيقال: سأل عن. وهنا تعدى بحرف الباء {بِعَذَابٍ}، ولهذا قال المفسرون: إنَّ الفعل (سأل) ضُمِّن معنى (استعجل)، دلَّ عليه حرف الباء، فالمعنى: سأل سائل مستعجلًا بعذاب واقع.
{لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ} هو واقع بهم لا محالة، ولا يستطيع كائن من كان أن يدفعه أو يرده، وهو كقوله تعالى: {وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ} [الحج:47]. أي: وعذابه واقع لا محالة.
روى النسائي عن ابن عباس، أنَّ السائل هو النَّضر بن الحارث بن كِلْدة( ).
وروى العَوْفي عن ابن عباس- أيضًا- أنه قال: ذلك سؤال الكفار عن عذاب الله، وهو واقع بهم( ).
وقال بعضهم: إنَّ سأل هنا بمعنى دعا، ولهذا صحَّ أن يتعدَّى بالباء، أي: دعا داع بعذاب الآخرة، وهو شبيه قول الله على لسان كفار قريش: {اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [الأنفال:32].
وهذا العذاب المسئول عنه أو المدعُوُّ به: مُرْصدٌ للكافرين لا دافع له عنهم، إذا أراد الله وقوعه، وهو كائن لا محالة في الآخرة، ولهذا قال الله: {لِلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ}.
{مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ} هذا العذاب للكافرين واقع من الله العليِّ الكبير، صاحب المعارج. والمعارج: جمع مَعْرَج -بفتح الميم والراء بينهما عينٌ ساكنة- من عَرِجَ إذا صَعِد، فالمعارج هي عروج الملائكة بأعمال العباد وبأرواح المؤمنين وغيرها، أو المصاعد التي تصعد فيها الملائكة بهذه الأشياء.
 أو المراد من المعارج: ما يَعرُجُ فيها الكَـلِمُ الطيِّب والعمل الصالح إلى الله، كما قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10].
وفي سورة الزخرف قال تعالى: {وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً}أي: في الكفر {لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ} [الزخرف:33]. فالمعارج هي المصاعد والسلالم التي يرقون فيها للصعود إلى الأعلى.
والمعنى: طلب طالب عذابًا هو واقع لا محالة، سواءً طلب أم لم يطلب. وذلك لأنَّ ذلك العذاب نازل للكافرين في الآخرة، واقع بهم لا يدفعه عنهم أحد.
{تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ}:
الله سبحانه وتعالى موصوف بالفوقية والعلو، فهو سبحانه أعلى من كلِّ شيء، وهذا منطقي؛ لأنَّ كلَّ شيء إنَّما هو مِن خلقه، ولا يعقل أن يكون المخلوق فوق خالقه، ولهذا قال الله تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى} [الأعلى:1]. وقال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10]. وهنا قال: {تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ}، أي: تصعد وترقى الملائكة الكرام، وهم مخلوقات نورانية، فهم في عروج وصعود ورقي إلى الله تبارك وتعالى.
والروح هنا قد يكون المراد به جبريل عليه السلام، وهو الذي نزل بالقرآن على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وبالكتب المقدَّسة الأخرى، ولذا قال الله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء:193-195]، ويكون ذكر جبريل هنا بمثابة عطف الخاص على العام، للتذكير بما فيه من المزايا الخاصة، التي تجعله كأنه جنس وحده.
وقد ورد في أكثر من موضع من القرآن عطف الروح على الملائكة، كما في سورة القدر: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ} [القدر:4]. وفي سورة النبأ قال تعالى: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ:38]، وفي هذه الآية قدَّم الرُّوح على الملائكة، وهو من عطف العام على الخاص.
وقيل: الروح ملك آخر غير جبريل عليه السلام، فجبريل هو ملك الوحي، والروح غيره.
وقد يكون (الروح) هنا الروح التي بفقدها تنتهي الحياة، قال ابن كثير: (ويحتمل أن يكون اسم جنس لأرواح بني آدم، فإنَّها إذا قبضت يُصعد بها إلى السماء، كما دلَّ عليه حديث البراء( ). وهو حديث رواه أحمد وأصحاب السنن، عدا الترمذي، وهو حديث متكلَّم في بعض رواته)( ).
{فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ} هذا أطول زمن مقدَّر ذُكر في القرآن، فقد ذُكر في القرآن: ساعة من نهار (يعني: لحظة)، والفجر، والضحى، والظهيرة( )، والعصر والعشاء، والبُكْرة والأصيل، والغداة والعشي، والليل والنهار، والصباح والمساء، والشتاء والصيف، وذكرت الطفولة والصِّبَا والشباب والشيخوخة في غير آية، وكذا أرذل العمر، وذكر القرآن ثلاثة أيام، وسبعة، وعشرة كاملة، وشهرًا، وثلاثة أشهر، وأربعة أشهر، وأربعة أشهر وعشرًا، وحولًا، وحولين كاملين، واثني عشر شهرًا، وخمسين عامًا، ومائة عام، وثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، وألف سنة. أما الأزمنة غير المقدرة فقد ذكر القرآن حينًا من الدهر، وذكر الخلود والأمد والأبد.
فما هو هذا اليوم الذي بلغ هذا المقدار الطويل فيما يرى الناس؟
ذكر المفسِّرون فيه عدَّة أقوال، أرجحها أنَّه يوم القيامة، يوم الطامَّة الكبرى، ويوم الصاخَّة، ويوم الحاقَّة، ويوم القارعة، {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء:88-89].
ولماذا يعرج الملائكة والروح إلى الله تعالى في هذا اليوم الطويل بالنسبة لمقاييسنا ونظرنا نحن البشر؟
لا بدَّ أنَّ لهم مهام تشغلهم في هذا اليوم الهائل المخوف.
حال الناس في يوم القيامة:
هذا اليوم الذي يُبعث فيه الخلائق من قبورهم، {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ} [القمر:7]، يُحشرون حفاة عراة غُرلًا، كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالوا: وينظر الرجال إلى النساء يا رسول الله؟ قال: الأمر أشدُّ من ذلك( ). {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ *يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [المطففين:4-6]، زحام شديد، وعرقٌ أشد، وخوف أشدُّ وأشد، والسعيد من أظلَّه الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلَّا ظله، منْ أسعفه إيمانه بالله، وطاعته له، وإخلاصه العمل لوجهه، وخوفه من الوقوف بين يده؛ من: «إمام عادل، وشابٍ نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجل تصدَّق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجلين تحابا في الله عزَّ وجل، اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله تعالى، ورجل ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه»( ).
في هذا اليوم يقضي الله بين الناس، فمنهم من يحاسب حسابًا يسيرًا، ومنهم من يحاسب حسابًا عسيرًا، ومنهم من يدخل الجنَّة بغير حساب، وهناك تطايُر الصحف، ووضْعُ الموازين، والمرور على الصراط، {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا} [مريم:71-72]، ويُنهِي الله الفصل والميزان والحساب في هذا اليوم المقدَّر بخمسين ألف سنة بأيامنا ومقاييسنا البشرية.

«يتبع الجمعة القادمة
إن شاء الله».