عطاء الشباب في صدر الإسلام

alarab
باب الريان 31 يوليو 2013 , 12:00ص
هناء محمد وحيد الدين الغايش
كان لعطاء الشباب الأثر العظيم في نجاح الرسالة في صدر الإسلام، فكان أول من آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد زوجه خديجة علي بن أبي طالب، وكان صبيا صغيرا نام في فراش الرسول صلى الله عليه وسلم يوم الهجرة وهو يعلم أنه مقتول لا محالة، ثم أبو بكر الصديق الذي أسلم في عمر الثامنة والثلاثين وأنفق ماله كله في سبيل الدعوة الإسلامية، ?وعمر بن الخطاب الذي كانت قريش توفده إلى القبائل الأخرى للتباحث معها أسلم في السادسة والعشرين، وسعد بن أبي وقاص الذي رمى أول سهم في الإسلام ?أسلم وعمره سبعة عشر عاما، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم ?يقول له:{ارم فداك أبي وأمي، ارم أيها الغلام الحزور}، ثم الزبير بن العوام ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية ?الذي أسلم وعمره ستة عشر عاما ?الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم?: ?»إن لكل نبي حواريا وحواريي الزبير»، وطلحة بن عبيدالله أسلم في السابعة عشرة ?وكان من أشد المدافعين عن رسول الله في أحد، والذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلحة الفياض أو طلحة الخير، ?ثم عبدالرحمن بن عوف أسلم في الثلاثين، ?وأبوعبيدة بن الجراح أسلم في الثانية والثلاثين رضي الله عنهم أجمعين، ?وقد أسلم عبدالله بن عمر رضي الله عنه وهو فتى وهاجر صغيراً مع أبيه، كما أنه رضي الله عنه عرض للجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر وأحد وهو صغير لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره، وأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخندق وهو ابن خمس عشرة سنة، كما كان الفتى مصعب بن عمير رضي الله عنه يعيش قبل الإسلام بين أبوين يدللانه، ويصف لنا سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه شيئاً من ذلك، فيقول: كنا قوماً يصيبنا ظلف العيش بمكة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما أصابنا البلاء اعترفنا ومررنا عليه فصبرنا، وكان مصعب بن عمير أنعم غلام بمكة وأجوده حلة مع أبويه، ثم لقد رأيته جهد في الإسلام جهداً شديداً حتى رأيت جلده يتحشف كما يتحشف جلد الحية. ولقد قام الإسلام وانتشرت دعوته على يد هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم وزادهم هدى، حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائما ما يستشيرهم في الأمور المهمة وكان ينزل على رأيهم، كما أخذ بمشورة الحباب بن المنذر في غزوة بدر، ونزل على رأي الشباب في الخروج لملاقاة المشركين في غزوة أحد، حينما تحمس الشباب لملاقاة العدو خارج المدينة وليس انتظارهم على مداخلها كما أشار الشيوخ، وأسامة بن زيد رضي الله عنهما الذي خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في مرض الموت بعد أن أكثر المنافقون في الاعتراض على قيادته للجيش وهو دون العشرين. كما بلغ الشباب في صدر الإسلام من العلم مبلغاً عظيماً، فعن عطاء قال: كان ابن عباس يقال له البحر من كثرة علمه، وكان عطاء يقول: قال البحر وفعل البحر، وعنه قال: كان ناس يأتون ابن عباس للشعر وناس للأنساب، وناس لأيام العرب ووقائعها، فما منهم من صنف إلا يقبل عليه بما شاء. ولذا اهتم علماء السلف بالشباب، فيقول ابن شهاب الزهري للشباب: «لا تحتقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان، واستشارهم يبتغي حدة عقولهم». والخلاصة مما سابق: علمنا عناية القرآن الكريم والسنة النبوية المشرفة بالشباب، كما أدركنا أهمية دورهم في بداية الدعوة، لذا فقد عني الإسلام بهذه المرحلة من العمر عناية خاصة، ووجهها للبناء والخير، وجنبها الهدم والشر، فهو يهدف إلى جعل هذه المرحلة من العمر -مرحلة الشباب- مرحلة خير على مستوى الفرد والجماعة. المطلب الثاني الإسلام والسياسة عاشت السياسة في التاريخ الإسلامي عصور ازدهار وفاعلية، ثم تبعتها عصور من التراجع اتسمت بضعف الفاعلية السياسية، ثم أصبح الطُّغيان والاستبداد السياسي هما السمة البارزة، فما هي قواعد الحكم الرشيد من المنظور الإسلامي؟ وما هي العوامل التي أدت إلى ظهور الاستبداد السياسي؟ الفرع الأول: أسس الحكم الرشيد من المنظور الإسلامي يوجد للحكم الرشيد أسس مؤكدة في العقيدة والشريعة الإسلامية للحكام والمحكومين، وقد عرف المسلمون الأوائل مبادئ «الحكم الرشيد» الذي تتحدث عنه النصوص الأدبية والسياسية الحديثة ومارسوها حكاماً ومحكومين في الحقبة التي حكم فيها الرسول صلى الله عليه وسلم في مجتمع المدينة المنورة، وتبعه على سنته الخلفاء الراشدون: أبو بكر وعمر بن الخطاب وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين. أولا: النظام السياسي في الإسلام لا يمكن الادعاء أن هناك نظاما سياسيا إسلاميا واحداً محدد المعالم والخصائص والمكونات، بل هناك منظومة معرفية إسلامية تعالج الشأن السياسي وتحدد له الأسس والمنطلقات والمقومات والمقاصد، وعن هذه المنظومة ومنها تنبثق نظم سياسية عديدة مختلفة المكونات والأشكال والوسائل والصيغ، ولكنها جميعها يمكن إرجاعها إلى هذه المنظومة المعرفية الإسلامية، أي أن هناك نظماً سياسية إسلامية وليس نظاماً سياسيا إسلاميا واحداً، ليتسع أمر الاجتهاد على الناس، ولا يضيق عليهم في حال من الأحوال. ثانياً: السياسية في الفكر الإسلامي إن السياسة -في الفكر الإسلامي- هي حركة بما يوافق الشرع، أو هي حركة في إطار توافق القواعد الحاكمة للوجود -السنن الإلهية- في المجتمع الإنساني، وبالتالي فإن غايتها ضبط كافة الأنشطة والفعاليات السياسية، وتحقيق الامتثال للقواعد الشرعية من خلال توجيه سلوك الأفراد والجماعات، ويعني ذلك أن الرؤية الإسلامية تربط بين الشرع والسياسة معاً كأساس لشرعية الحكم، وقد بين الدكتور نصر محمد عارف أن مفهوم السياسة الشرعية مفهوماً مركباً؛ يعكس إحدى خصوصيات المفاهيم السياسية الإسلامية الجامعة على نحو يجمع بين الفكر والحركة وبين السياسة والشرع. ثالثاً: أصل التشريع في النظام السياسي الإسلامي يتقيد النظام السياسي بالشرع المنزل كتاباً وسنة لقوله تعالى:{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}. فالسيادة العليا في هذا النظام للشرع المطهر، فهو وحده الذي يملك تقرير الحق والإلزام به، وهو صاحب الكلمة العليا في أمر المجتمع والدولة، بحيث لا توجد سلطة أخرى تساوي سلطته أو تدانيها؛ ولذا يقرر الشيخ محمد بن شاكر الشريف أن التشريع الإسلامي دائم لا يُعطل بحال، ولا يُعلق مطلقاً، ولا يُنقلب عليه، ولا تملك قوة من قوى المجتمع أن تتفلت من الأحكام الشرعية أو لا تتقيد بها، وهذا النظام غايته العليا صلاح الدنيا وعمارتها وفلاح الآخرة وعمارتها. فالسياسة سياستان: سياسة الدين وسياسة الدنيا؛ فسياسة الدين ما أدى إلى قضاء الفرض، وسياسة الدنيا ما أدى إلى عمارة الأرض. وهذا النظام السياسي الإسلامي ليس مما يسمونه بالنظام الثيوقراطي في قليل أو كثير؛ لأن الثيوقراطية تقوم على دعامتين: 1- التفويض الإلهي للسلطة السياسية بمعنى أن يكون الحاكم نائباً عن الله لا عن الأمة، والأصل في النظام الإسلامي أن الحاكم بمثابة الأجير لدى الأمة في عقد الإمامة، ولا يتولى عليها إلا بإذنها واختيارها. 2- أن الحاكم في النظام الثيوقراطي يختص بحق التحليل والتحريم والتشريع، فكل ما يصدر عنه من أحكام واجب الاتباع لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه. كما أوضح الدكتور محمد عمارة في كتابه «الدولة الإسلامية بين العلمانية والسلطة الدينية» أن التشريع في النظام الإسلامي حق الله الخالص لا ينازعه فيه منازع، وليس في النظام الإسلامي استبداد بأي شكل من الأشكال، وإن الذين مارسوا الاستبداد في التاريخ الإسلامي لا يمكن النظر إليهم على أنهم يمثلون الأنموذج الإسلامي الرفيع الذي تقره الشريعة المطهرة.