بعض الكفار لهم حسنات يخفف الله بها عنهم العذاب يوم القيامة

alarab
باب الريان 31 يوليو 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و«عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. {كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ}: (كلا): ردع عن الاغترار بكرم الله تعالى، وجعله ذريعة إلى الكفر والمعاصي؛ مع كونه موجبا للشكر والطاعة. وقوله: {بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ} أي: إنما يحملكم على مواجهة الكريم، ومقابلته بالمعاصي، ومبارزته بالقبائح: تكذيب في قلوبكم بالمعاد والجزاء والحساب، فإنكار الآخرة وما فيها من سؤال وحساب، وجنة ونار، هو أساس المشكلة كلها. و(بَلْ) لنفي شيء تقدم وتحقيق غيره، وإنكارهم للبعث كان معلوما، وإن لم يجرِ له ذكر في هذه السورة. قال القاضي: معناه: أنكم لا تستقيمون على توجيه نعمي عليكم، وإرشادي لكم، بل تكذبون بيوم الدين. قال القفال: (كلا) أي: ليس الأمر كما تقولون، من أنه لا بعث ولا نشور؛ لأن ذلك يوجب أن الله تعالى خلق الخلق عبثا وسدى، وحاشاه من ذلك، ثم كأنه قال: وإنكم لا تنتفعون بهذا البيان بل تكذبون. {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ*كِرَامًا كَاتِبِينَ*يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} يؤكد الله تعالى هنا بحرف (إن) بأن على الناس حافظين ورقباء من جنود الله: الملائكة الذين يجندهم فيما يشاء من الأعمال المختلفة، فمنهم من يكلف بالنزول على الأنبياء، ومنهم الموكل بالنفخ في الصور، ومنهم الموكل بالموت، ومنهم الموكل بالجنة، ومنهم الموكل بالنار، وغير ذلك من الأعمال، التي ذكرها القرآن في سور متعددة، وآيات كثيرة. ومنهم هؤلاء الموكلون بالرقابة على الإنسان وكتابة أعماله، من حسنات وسيئات، ومعاصي وطاعات، كما قال في سورة أخرى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف:80]. ولهذا نرى أن الصحيح أن الجميع عليهم هؤلاء الرقباء، من مؤمنين وكافرين، لأن الجميع يسجل الله عليهم كل شيء، كما قال تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق:18]. وإذا قيل: إن الملَك يكتب الحسنات والسيئات، والكافر لا حسنة له، فلماذا يكتب؟ والجواب: أن من الكفار من له بعض الحسنات يخفف الله بها عنه من العذاب، فلماذا تضيع عليه ولا توضع في حسابه؟ والله تعالى أخبرنا أن كل إنسان له كتاب: يأخذه المؤمن بيمينه، ويأخذه الكافر بشماله، ومن وراء ظهره، كما ذكر في سورة الحاقة: {وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ} [الحاقة:25]. وفي سورة الكهف يقول الله تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا} [الكهف:49]. هؤلاء الحفظة الرقباء وصفهم الله بقوله: {كِرَامًا كَاتِبِينَ*يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}، أي: هم كرام على الله، لأنهم من ملائكته الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، كقوله عنهم: {كِرَامٍ بَرَرَةٍ} [عبس:16]. ومعنى قوله تعالى: {يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ}: أنهم لا يخفى عليهم شيء من أعمالنا الظاهرة والخفية، مما يريد الله أن يكتب علينا، ولذلك يطلعون على ما ظهر منا، دون ما حدثنا به أنفسنا، أما النية الجازمة التي يثاب الإنسان بها على فعل الخير، ويعاقب فيها على الشر، فهي مما يقدرهم على معرفته ليكتبوه. وتوكيل الله تعالى ملائكته الكرام لكتابة أعمال الإنسان دليل أنه عند الله تعالى من جلائل الأمور، ولولا ذلك ما وكل هؤلاء الكتاب الكرام بضبطه وتدقيقه. {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ*وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ}: ختم الله السورة ببيان ما أعده سبحانه للأبرار وللفجار، أو للمؤمنين والكفار، فأخبرنا بعبارتين موجزتين ما فصله في سور أخرى، خصوصا في هذا الجزء من سورة النبأ والنازعات وعبس، وما يأتي في السور الأخرى، وأعلمنا أن الأبرار في نعيم، هو نعيم الجنة، وأن الفجار في جحيم، وهو جحيم النار، وفي تنكير (النعيم) و (الجحيم) ما لا يخفى من التفخيم والتهويل، وهذا التقسيم للخلق كما في قوله تعالى: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ} [الشورى:7]. وقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ*فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ*وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ} [الروم:14-16]. {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ*وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}: أجمل القرآن هنا بالنسبة لفريق أهل السعادة، وهم الأبرار وأهل البر والتقوى، بأنهم في النعيم، ولكنه فصل في شأن أهل الشقاوة، فقال بعد ذكر أنهم في الجحيم: {يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ}، فهذا استئناف مبني على سؤال نشأ من تهويلها، كأنه قيل: ما حالهم فيها، فقيل: يصلونها أي يقاسون حرها وعذابها {يَوْمَ الدِّينِ} أي يوم الجزاء الذي كانوا يكذبون به. {وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ}: ليسوا بغائبين عن هذه الجحيم طرفة عين، ولا يخفف عنهم من عذابها، ولا يجابون إلى ما يسألون من الموت أو الراحة، ولو يوما واحدا. {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ*ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ*يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}: يخاطب الله رسوله معظما شأن يوم القيامة، فقال: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ}، لأنه هل الوحي لم يكن يعرف ماذا يحويه يوم القيامة من أهوال؟ ثم أكد هذا التعظيم بتكرار هذه الآية مع (ثم)، فقال: {ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ}، ثم فسره تعالى بقوله: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}، فهو اليوم الذي لا يقدر فيه أحد على نفع أحد، ولا تخليصه مما هو فيه، إلا أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى، وفي هذا جاء حديث النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لأقرب الناس إليه: «يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبدالمطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئا». ولهذا قال سبحانه: {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ}، كقوله في سورة غافر: {لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [غافر:16]. وقوله في سورة الفرقان: {الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا} [الفرقان:26]. وقوله الذي نتلوه في الفاتحة: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ}. وهو لا شك يملك الأمور كلها اليوم، كما كان يملك في الأزل، ولكن ربما نازعه من نازع بالباطل، ولكن غدا لا ينازعه فيه أحد. وهذا التعميم في هذه الآية خصصته آيات أخرى، مثل قوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [البقرة:255]. وقوله سبحانه عن الملائكة: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ} [الأنبياء:28]. وقوله تعالى: {وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى} [النجم:26]. قال الإمام الرازي: «إن أهل الدنيا كانوا يتغلبون على الملك، ويعين بعضهم بعضا في أمور، ويحمي بعضهم بعضا، فإذا كان يوم القيامة، بطل مُلك بني الدنيا وزالت رئاستهم، فلا يحمي أحدٌ أحدا، ولا يغني أحدٌ عن أحدٍ، ولا يتغلب أحد على ملك، ونظيره قوله تعالى: {وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} وقوله: {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} [الفاتحة: 4]، وهو وعيد عظيم من حيث إنه عرفهم أنه لا يغني عنهم إلا البر والطاعة يومئذ، دون سائر ما كان قد يغني عنهم في الدنيا من مال وولد وأعوان وشفعاء». قال الواحدي: والمعنى أن الله تعالى لم يُمَلّك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور، كما ملّكهم في دار الدنيا. {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ*وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [الجاثية:36-37]. سورة المطففين بسم الله الرحمن الرحيم {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (4) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (5) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (6) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ (7) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (8) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (9) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (10) الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (11) وَمَا يُكَذِّبُ بِهِ إِلَّا كُلُّ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (13) كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (16) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (17) كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (18) وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ (19) كِتَابٌ مَرْقُومٌ (20) يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ (21) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (22) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (23) تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24) يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ (25) خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (26) وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ (27) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ (28) إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36)}. سورة المطففين سورة مكية، وقال بعضهم: مدنية، وذكروا فيها أحاديث لم يصح سندها، والذي يظهر لي من أسلوبها: أنها مكية. ومن مقاصدها: المحافظة على أسواق المسلمين أن تفسدها تلاعبات أهل رأس المال والتجار وغيرهم من الذين يريدون العبث والنقص في المكاييل والموازين: ومثلها كل المقاييس العامة، فأنزل الله فيها هذه الآيات المنذرة بالويل والعذاب لهم، والمهددة لهم بيوم عظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، وبيان ما يجب أن يكون عليه الكيل والوزن في البيع والشراء. كما بينت الآيات مصير الفجار وحقيقتهم، وهم الذين يكذبون بيوم الدين، من كل معتدٍ أثيم، إذا تليت عليه آيات القرآن قال: أساطير الأولين، وما ينتظر هؤلاء من جحيم يصلونها. وفي مقابل هؤلاء الفجارِ الأبرارُ، فهؤلاء في عليين، وأولئك في سجين. ثم بين النعيم الذي يتمتع به الأبرار في جنات النعيم، وما هم فيه من رضا وسكينة، وعيش رغد، وشراب وقرة عين. وفي النهاية بينت السورة موقف المجرمين من المؤمنين الذين كانوا يضحكون منهم، ويستهزئون بهم، وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا رجعوا إلى منازلهم رجعوا يسخرون منهم ويتفكهون بما فعلوه بهم، واليوم قد انقلبت الموازين، وتغيرت العناوين، ونشرت الدواوين، {فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ*عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ}. {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ*الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ*وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}: بعد إنهاء سورة الانفطار بقوله تعالى بعد بيان مصير الأبرار من النعيم والفجار من الجحيم: {يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ} [الانفطار:19]، كان من المناسب أن تبدأ السورة التالية لها بهذا الإنذار للمطففين بالويل. الويل: هو الهلاك والعذاب، تقول العرب لمن يفعل الشر: ويل له، أو يخاطب فيقول ويل لك، وما قيل من أنه وادٍ في جهنم، ليس من معنى الويل لغة، ولم يصح به حديث. والإنذار بالويل والعذاب للمطففين يقتضي الزجر والتخويف من رذيلة التطفيف، وهو البخس في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية، وذلك لأن الكثير يظهر فيمتنع منه، وذلك القليل إن ظهر أيضا منع منه، فعلمنا أن التطفيف المذموم هنا هو: البخس في المكيال والميزان بالشيء القليل على سبيل الخفية والتمويه. والأولى أن نفسر التطفيف بما فسره الله تعالى به، فبعد أن هدد الله تعالى بالويل للمطففين عرفهم للناس فقال تعالى: {الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ*وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}، فالمراد بالذين إذا اكتالوا على الناس: الذين يشترون منهم، ويتناولون عنهم، أي منهم، فهم لذلك يستوفون، يأخذون منهم ما يحبون أن يأخذوا من الزيادة من الكيل والوزن، في حين أنهم إذا كالوا لهم أو وزنوا لهم، أي: في حالة البيع لهم، يخسرون، أي: ينقصون. والله تعالى يريد عكس ذلك، وقد جعل ذلك من الوصايا العشر التي وصى بها في سورة الأنعام حين قال: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام:152]. وقال سبحانه في وصايا الحكمة في سورة الإسراء: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [الإسراء:35]. وقال تعالى: {وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ*أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ*وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} [الرحمن:7-9]. فربط هذا بالميزان الكوني الذي وضعه لتوازن هذا العالم واعتداله، فكل شيء فيه ميزان ومقدار. وقد علمنا القرآن أهمية هذا الأمر حين ذكر ما فعله من بعث الله إليهم نبيه شعيبا، وهم مدين وأصحاب الأيكة، الذين أمرهم بعد توحيد الله: أن يوفوا الكيل والميزان ولا يبخسوا الناس أشياءهم ولا يعثوا في الأرض مفسدين، ولكنهم خالفوا شعيبا، وأصروا على حيفهم وبغيهم وتجاوزهم، حتى نزل بهم عذاب الله، فبعدا للقوم الظالمين. وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال -يخاطب الأعاجم-: إنكم معشر الأعاجم وليتم أمرين بهما هلك من كان قبلكم: المكيال والميزان، وخص الأعاجم لأنهم يجمعون الكيل والوزن جميعاً وكانا مفرّقين في الحرمين، كان أهل مكة يزنون وأهل المدينة يكيلون. وذلك أن أهل مكة كانوا تجارا، لأنهم بوادٍ غير ذي زرع، فكان الوزن أعدل عليهم في تجارتهم، من الدراهم والدنانير والأواقي وغيرها، أما أهل المدينة فكانوا زراعا وأهل نخيل، وكان الكيل هو المستعمل في تقدير مقادير الزروع والثمار والتمور والأعناب وأمثالها في ذلك الوقت. وروى الإمام أحمد أن أبا هريرة قدم المدينة وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، فقال أبوهريرة: فوجدناه في صلاة الصبح فقرأ في الركعة الأولى (كهيعص) وقرأ في الركعة الثانية (ويل للمطففين)، قال أبوهريرة: فأقول في صلاتي (أي يقول في نفسه): ويل لأبي فلان، كان له مكيالان، إذا اكتال (أي: اشترى) اكتال بالوافي، وإذا كال (أي: باع) كال بالناقص. وفي الحديث الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال أقبل علينا رسول الله فقال: «يا معشر المهاجرين خمس خصال إذا ابتليتم بهن، وأعوذ بالله أن تدركوهن» وذكر من هذه الخمسة: «ولم ينقصوا الكيل والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم». و (السنين): جمع سنة، ويراد بها القحط، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} [الأعراف:130]، و (ونقص المؤونة): قيل: الموارد والثمرات، و (جور السلطان عليهم): زيادة في النقمة والعقوبة عليهم. {أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ*لِيَوْمٍ عَظِيمٍ*يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ}: إنكار وتعجيب عظيم من حالهم في الاجتراء على التطفيف، كأنه لا يخطر في بالهم، ولا يخمنون مجرد تخمين: أنهم مبعوثون من قبورهم يوما، ومسؤولون عما يفعلون، أي: أما يخاف أولئك من البعث والقيام بين يدي من يعلم السرائر والضمائر، في يوم عظيم الهول، كثير الفزع، جليل الخطب، من خسر فيه أُدخل نارا حامية. و (الظن) هنا، قال بعض المفسرين: إنه بمعنى اليقين، أي: ألا يوقن أولئك أنهم مبعوثون، ولو أيقنوا ما نقصوا في الكيل والوزن. وقال آخرون -وأنا معهم-: الظن على حاله، بمعنى: الغالب على الفكر أو التردد، أي: إن كانوا لا يستيقنون بالبعث، فهلا ظنّوه ظنا، حتى يتدبروا لأنفسهم، ويبحثوا عنه، ويأخذوا بالأحوط لهذا اليوم العظيم. وكثيرا ما يستخدم القرآن الظن في مثل هذه المواقف، باعتبار أنه كان كافيا لأصحابه في هذا الموقف، كقوله تعالى في سورة البقرة: {الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ} [البقرة:46]. وقوله: {قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة:249]. وفي هذا الإنكار والتعجيب، وكلمة الظن، ووصف اليوم بالعظيم، وقيام الناس فيه لله خاضعين، ووصف ذاته عز وجل بـ (رب العالمين): بيان بليغ لهول الموقف، وعظم الذنب، وتفاقم الإثم في التطفيف، وفيما كان في مثل حاله من الحيف، وترك القيام بالقسط، والعمل على التسوية والعدل في كل أخذ وعطاء، وفي كل قول وعمل. روى مالك والشيخان وغيرهما عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يوم يقوم الناس لربّ العالمين حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه». وصحت أحاديث كثيرة عن شدة العرق ومقداره في هذا اليوم الطويل. هذا والمطففون من أهل الإيمان، لأنهم كانوا في مكة، أو في المدينة كما جاءت بعض الروايات من الأوس والخزرج، فهم مسلمون، وأصابهم ما أصابهم من أجل القليل الذي يأخذونه بطريق التطفيف والبخس في المكيال والميزان، فما بالكم بالذين ينتهبون الأموال انتهاباً بلا كيل ولا وزن، ولا بيع ولا شراء، وإنما يظلمون الناس ويبغون في الأرض. وقد رووا أن أعرابيًّا قال لعبدالملك بن مروان: قد سمعت ما قال الله تعالى في المطففين. أراد بذلك أن المطففين قد توجه عليهم هذا الوعيد العظيم الذي سمعت به، فما ظنك بنفسك، وأنت تأخذ أموال المسلمين بلا كيل ولا وزن؟! يتبع غداً إن شاء الله...