الإثنين 30 صفر / 26 سبتمبر 2022
 / 
11:30 م بتوقيت الدوحة

الأمثال في القرآن لتوضيح المعاني وتقريب المفاهيم

تنفرد «» من خلال صفحاتها طوال شهر رمضان المبارك، بنشر دروس قرآنية في رمضان لفضيلة العلامة الدكتور يوسف القرضاوي، تحت عنوان: «في رحاب القرآن الكريم»، ويقول فضيلته:
الحكمة من ضرب الأمثال في القرآن
نقف أيها الإخوة الأحبة في هذه الليلة المباركة من ليالي شهر رمضان المبارك مع هذه السورة الكريمة سورة البقرة، مع قول الله تبارك وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}، [البقرة: 26-28].
كان أعداء الدعوة الإسلامية ينتهزون كل فرصة للتشويش على الإسلام، وعلى رسول الإسلام، وعلى كتاب الإسلام، فما إنْ ذكر القرآن بعضَ الأمثال التي يضربها لتوضيح المعاني، ولتقريب المفاهيم، ولإظهار المعقول في صورة المحسوس، حتى اتخذ هؤلاء من ذلك ذريعة للتشكيك والتشويش، وقالوا: كيف يقول الله تعالى مثل هذا الكلام؟! كيف يضرب المثل بالعنكبوت والبعوض والذباب وغير ذلك؟
وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ}، [الحج: 73]. وجاء في سورة العنكبوت -سماها الله تعالى باسم هذه الحشرة- قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ}، [العنكبوت: 41].
هؤلاء العُمي لم يفقهوا سر هذه الأمثال التي يضربها الله للناس، لأن الأمر كما قال الله تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ}، [العنكبوت: 43]، ويقول في آية أخرى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}، [الحشر: 21]، {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ}، [إبراهيم:25]، وهؤلاء ليسوا من أهل التفكر، وليسوا من أهل العقل والعلم، ولذلك لم ينظروا إلا إلى كلمة (عنكبوت) وكلمة (ذباب)، واستبشعوا أن يكون ذلك في كلام رب العالمين، ولم ينظروا إلى ما يؤديه المثل من بيان وإيضاح، ولهذا لما قالوا هذا الكلام السخيف الفارغ نزل الله تعالى من القرآن ما يرد عليهم ويبين تفاهتهم وسفاهتهم، يقول الله عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}.
ونسبة الحياء أو الاستحياء إلى الله عز وجل من هذه الأشياء التي نصف الله تعالى بها كما وصف بها نفسه، ولا ندخل في معنى كُنْهِها وتفصيلها، فالاستحياء معلوم والكيف مجهول، وننزه الله تعالى عن مشابهة خلقه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ}. إن الله تعالى لا يقول إلا الحق، وإذا ضرب مثلاً فإنما ليبيِّن به ويوضح: {وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً} يتخذون هذا مثاراً للسخرة والاستهزاء والتشكيك للمؤمنين.
{يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً} هذه الأمثال يُضل الله بها من يشاء، ويهدي بها من يشاء، يضل به كثيرين ويهدي به كثيرين. {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} ما يضل بهذه الأمثال التي يضربها وبإنزالها في كتابه المبين إلا الفاسقين، الذين فسقوا عن أمر الله، وخرجوا عن طاعته، هؤلاء هم الذين يستحقون الإضلال، لأنهم هم الذين أضلوا أنفسهم، لم يخلقهم الله تعالى ضالين، إنما خلق الله عباده حنفاء، خلقهم على الفطرة، وإنما أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم.

_
_
  • العشاء

    6:56 م
...