المسلمون كالجسد الواحد ينصرون بعضهم
محليات
31 مارس 2012 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
قال فضيلة الدكتور أحمد الريسوني: إن المسلمين أمة كالجسد الواحد، يتأثرون ويتفاعلون إذا أصاب جزءا منهم خطب، ودعا إلى نصرة الشعوب المظلومة حتى تحقق النصر، ونوه بخطبة الجمعة بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أمس إلى أن من مقاصد الدين الإسلامي وأسسه «تعظيم الحق والشفقة على الخلق». وتناول فضيلة الداعية الإسلامي الشيخ الدكتور أحمد الريسوني في خطبته بالشرح قوله تعالى في سورة النساء: «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا»، وبين أن هذه الآية مثل كثير من آيات القرآن الكريم من جوامع الكلم، ومن جوامع أركان الدين وأسسه، مشيراً إلى أنها جمعت ما قاله عدد من العلماء حين لخصوا الشريعة ومقاصدها وأحكامها في قولهم: «تعظيم الحق والشفقة على الخلق»، مضيفا أن هذا هو الدين، وهذا هو التدين، وأن هذه هي رسالات الأنبياء جميعا، وأن غرضها وملخصها هو تعظيم الحق والشفقة على الخلق.
وفي معرض تأملاته حول تلك الآية الكريمة قال الشيخ الريسوني إنها بدأت بالعنصر الأول وهو تعظيم الحق سبحانه وتعالى، ثم بعد ذلك أوصت وأمرت بالإحسان إلى الوالدين وذي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وهذه هي الشفقة على الخلق، وأوضح أن العنصر الأول وهو قوله تعالى: «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا» هو أساس كل دعوة وكل رسالة وكل كتاب مما أنزله الله تبارك وتعالى، ومما بعث به أنبياءه، وقال إن عبادة الله هي أشرف وأسمى عمل يمكن أن يقوم به مخلوق؛ لأن المخلوقات كلها تعبد وتسبح، ومعلوم أن الكائن البشري «هو المخلوق الوحيد الذي يعبد الله عن طواعية وإرادة ورغبة منه، فعبادته تتميز عن عبادة سائر المخلوقات بأنها عبادة إرادية هو الذي يقررها وهو الذي يفعلها أو يتركها، فلذلك هي أرقى العبادات لأنها بإرادة, وهي أنبل العبادات والأعمال لأنها تجسد تكريم الله للإنسان «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ»، والله تبارك وتعالى كرم الإنسان حين خلقه، حين سواه ونفخ فيه من روحه، وهذا هو التكريم الإرادي الذي يقبل عليه الإنسان برغبته وإرادته هو عبادة الله.
وبين الريسوني أن عدم الشرك إنما هو تكميل للعبادة لأن الشرك يحبطها ويبطلها, موضحا أن الشرك هو أن يعطي الإنسان لأي مخلوق أيا كان مرتبةً لا تليق إلا لله، وصفة لا تليق إلا لله، وأن كل من أعطى أحدا من الخلق مرتبة أو صفة هي من خصائص الله وأعطاه درجة هي من خصائص الله فهو يعد مشركا.
الشفقة على الخلق
وتابع الريسوني تأملاته حول هذه الآية الكريمة قائلا: أوردت الآية عددا من الأوامر، كلها تجمع ما قاله العلماء وهو: الشفقة على الخلق، مشيراً إلى اقتران بر الوالدين بعبادة الله وذكره «وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا», «وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا» وقد ورد في القرآن مرات عديدة، وأضاف أن «ذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ» كلها فئات مما يحتاج إلى الشفقة وإلى الإحسان والعون والرعاية، وأشار إلى أنه فيما يتعلق بقوله تعالى: «وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ» فإنه عز وجل بعد أن ذكر ذوي القربى مع الوالدين عاد فذكر «وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى» حيث وضع له وصية خاصة بالإحسان إليه و «الجار» كما أوضح العلماء إما أن يكون له حق واحد، أو أن يكون له حقان أو يكون له ثلاثة حقوق؛ فالجار غير المسلم له حق الجوار، والجار المسلم له حق الجوار وحق الإسلام، والجار المسلم الذي تربطنا به قرابة له ثلاثة حقوق، حق الجوار, وحق الإسلام, وحق القرابة.
ولذلك قال الله تعالى بعد أن ذكر «ذَوِي الْقُرْبَى» قال «وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى» وبعده «وَالْجَارِ الْجُنُبِ»، وقد قيل إن الجار الجنب هو الجار الذي لا تربطك به قرابة, وقال عدد من العلماء إن «الجار ذي القربى» هو الجار المسلم لأن ذوي القربى تم ذكرهم قبل ذلك «وَالْجَارِ الْجُنُبِ» هو الجار غير المسلم، يهوديا كان أو نصرانيا، وأما «الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ» فقيل فيه عدة تفسيرات لا تعارض بينها, بل هي متكاملة, فقد قيل إن «الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ» هو الزوجة, وقيل هو الذي يصحبك في السفر وقيل هو مساعدك وخادمك.
وأشار الشيخ الريسوني إلى أن عبارة القرآن الكريم «الصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ» تحتمل كل هذا, وتحتمل غيره لأنها عبرت بالصحبة, فالذي يصحبك ويكون بجانبك على الدوام أو بشكل متكرر هذا أيضا داخل في الوصية بالإحسان إليه ويدخل في ذلك الصديق في العمل والشريك والخادم والعامل الذي يعمل لديك وكل من له صحبة من دون قرابة.
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالخدم, فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن جعل الله أخاه تحت يديه فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه», متفق عليه.
وأضاف الريسوني: إذا كان هذا يقال في العبيد والأرقاء فكيف بمن سواهم من الأحرار ومن المسلمين الذين قدر الله لهم أن يكونوا تحت أيدينا وفي خدمتنا وفي بيوتنا وفي إدارتنا، فهؤلاء أحوج الناس في هذا العصر وفي هذه الأيام وفي هذه البلاد الكريمة الطيبة, خاصة في دول الجزيرة العربية التي تعج بملايين من هؤلاء الخدم والعمال, ونحن نعرف الشكوى المتكررة والمريرة من أوضاع هؤلاء سواء في البيوت أو في غيرها, فإسلامنا لا يرضى لنا أن يكون هؤلاء سواء كانوا من المسلمين -وهم أولى- أو كانوا من غير المسلمين, لا يرضى لنا أن يكون أحد من هؤلاء مظلوما أو محتقرا أو مهضوم الجانب أو مهضوم الحق.
ولا يليق بنا ولا ينبغي لنا أن ننتظر أن تأتي دول الغرب والمنظمات الحقوقية والإعلام الغربي أن يأتوا هؤلاء جميعا ليضغطوا علينا لكي ننصف هؤلاء الخدم, وهؤلاء العمال, ولكي نكرمهم ونحترم كرامتهم، وقال: نحن أولى بذلك، بديننا الذي يوصينا بالصاحب الجنب, ويوصينا بما ملكت أيماننا, ويوصينا بكل ضعيف وكل محتاج, أن نحسن إلى كل هؤلاء.
العدل والإحسان
والإحسان أن نعطي كل إنسان حقه ونزيده, لأن معنى أن تعطيه حقه فقط فهذا هو العدل، أما أن تعطيه حقه وتزيده فهذا هو الإحسان، والله تبارك وتعالى يأمر بالعدل والإحسان, وفي هذا الآية الكريمة أمر الله تعالى بالإحسان, ومن أمر بالإحسان فقد أمر بالعدل, لأن كل إحسان يتضمن العدل ويزيد عليه، وأضاف الشيخ الريسوني: نحن بمقتضى ديننا يجب علينا أن نبادر في دولنا وبيوتنا ومعاملنا وفي كل مرافق حياتنا, أن نبادر بالإحسان.
ترشيد التدين
ودعا الريسوني إلى ترشيد التدين وترقيته، مشيراً إلى أن الكثير من تديننا لا يغني ولا يسمن من جوع, ضاربا المثل بقول النبي صلى الله عليه وسلم «رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، ورب قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب» (رواه النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة، ورواه عنه أحمد والحاكم والبيهقي والحاكم والحديث لا شك في ثبوته)، ومعناه أن الإنسان قد يكون متدينا ولا ينفعه تدينه.
تواد المسلمين وتراحمهم
وفي خطبته الثانية تناول الشيخ الريسوني بالشرح حديث الرسول الكريم «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم مثل الجسد إذا اشتكى منه شيء تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» رواه البخاري ومسلم، مشيراً إلى أن هذا الحديث هو من جوامع كلام النبي صلى الله عليه وسلم, وقد أوتي صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وأضاف أننا علينا أن نفرح قلبيا وبدنيا بكيفية تفاعل أعضاء الجسم بعضها مع بعض, وكيف يتأثر بعضها ببعض, وكيف يسهر بعضها مع بعض, وكيف يتألم بعضها لألم بعض, وكيف يتعطل بعضها بسبب داء أصاب بعضها.
مشيراً إلى أن هذا الحديث يحتاج إلى شروح لا تنتهي لكي نفهم الصورة التي يجب أن نكون عليها لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يريدنا ويصورنا أننا كمؤمنين رجالا ونساء وحكاما ومحكومين وأغنياء وفقراء يصورنا تماما كالجسد الواحد، إذا أصيب الإنسان في قدمه أو أذنه أو أصبعه أو في أي جزء من أجزاء جسده, فإن الجسد كله مشمول بالآلام والتأثر والسهر والحمى والشكوى ولا يرتاح الجسد إلا إذا ارتاح ذلك العضو, ولو كان جزءا صغيرا، وقال إن العضو في الأمة الإسلامية هو أي فرد فيها, فكيف إذا اشتكى شعب بأكمله من شعوبنا, أو اشتكت قبيلة من قبائلنا, واشتكت طائفة من طوائفنا.