الصفحات المتخصصة
30 ديسمبر 2016 , 05:12ص
احمد خضر
الإيمان اعتقاد يسكن الضمير الإنساني، ويستوطن القلوب الصادقة ليتخذ منها محلا، لكنه -يأبى متى ما كان صاحبه مكتملا إيمانه صادقا في دعوته- أن يرى الشر قائما ولا ينكره، أو يرى المعروف مهدرا ولا يأمر به، ويبقى الجميع قبل الامتحان متفاوتي الاعتقاد، لكن بعد الابتلاء وحين تمتحن الأجساد بالسياط أو الأموال بالسلب أو العقول باللامعقول، حين يمتحن الإنسان ليقول عن الحق باطلا وعن الخبيث طيبا ساعتها يعرف المؤمن القوي من المؤمن الضعيف، كما يعرف المؤمن بالله حقا من المؤمن بالأموال والبنين والشهوات والجاه.
إن الإيمان -كما قال أهل العلم- ليست كلمة تقال باللسان ولا بيانا يشار إليه بالبنان، كما أنه ليس شعارا يتبع أو ضياء يبرق ساعة ليختفي أعواما! لا.. إنه حقيقة ذات تكاليف؛ وأمانة ذات أعباء؛ وجهاد يحتاج إلى صبر، وجهد يحتاج إلى تحمل. فلا يكفي الناس أن يقولوا: آمنا؛ وهم لا يؤيدون هذه الدعوى ببرهان جلي يدللون بها على دعواهم، إن الإيمان طريقه ليس مفروشا بالورود بل بالأشواك حتى يتبين الخبيث من الطيب وحتى يخرج منه أتباعه صافية عناصرهم خالصة قلوبهم. كما تفتن النار الذهب لتفصل بينه وبين العناصر الرخيصة العالقة به، وكذلك تصنع الفتنة بالقلوب المؤمنة كما قال تعالى: «وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ».
لذا استحق أهل الإيمان الحق: رحمة الله عز وجل، فهي ثمرة من ثمار الاعتصام متى صح الإيمان، ومتى عرفت النفس حقيقة الله وعرفت حقيقة عبودية الكل له. فلا يبقى أمامها إلا أن تعتصم بالله وحده، «فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً» فهو وحده صاحب السلطان والقدرة والخلق إليه مفتقر.
إن الإيمان الذي به يستمطر رحمة الله هو الإيمان الذي به تنتظم حياة الإنسان انتظاما لحياة المجتمع، فالمؤمن الحق يؤمن بحقيقة أكيده أنه عبد مذلل لسيده وفقط، هو عبد لا لحجر ولا شجر ولا بشر ولا بقر فلا يهاب البشر مهما اختلفت درجاتهم لأنه ليس عبدا لأي منهم، بذا يجعله الإسلام سيد نفسه كلمته حرة ورأيه مصون، وليس هذا في أي نظام آخر غير نظام الإيمان -كما جاء به الإسلام- هذا النظام الذي يخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده.
إنه الإيمان الذي تتجلى فيه حقيقة القدرة الإلهية فتجعل من صاحبها ملكا وإن لم يعرف الملكية ولا أبوابها، إنه يميت في صاحبه الضعف الإنساني والخور الفطري ليجعل منه واحدا لا يرهب في ذات الله أحد ولا يعظم مع أعداء دينه بشر.