خبراء: مناهجنا التعليمية والدراما وراء تراجع مكانة «العربية»

alarab
تحقيقات 30 ديسمبر 2015 , 01:54ص
محمد سيد احمد
يمر اليوم العالمي للاحتفال باللغة العربية مرّ الكرام على الأمة العربية التي تجهل مكانة وأهمية لغتها التي تصنف واحدة من بين ست لغات الأكثر انتشارا في العالم، فعلى الرغم من اهتمام العالم ومراكز القوة فيه باللغة العربية والبحث عن كل السبل المؤدية إلى تعليمها لأكبر قدر من أبنائها –على الرغم من ذلك- ينظر العرب إلى لغتهم على أنها لغة للتخلف والرجعية، وعلى أن العارف والخبير بفنونها يوضع في ذيل القائمة بالنسبة للوظيفة العمومية والاهتمام المادي والمعنوي، ما جعل أولياء أمور الطلبة يرصدون جوائز ومكافئات لأبنائهم الذين يحصلون على علامات ونتائج مرتفعة في اللغات الجنبية، بينما لا يهتمون كثيرا بالنتائج التي يحصل عليها أبناؤهم في اللغة العربية، ومن المفارقات أن النخبة العربية لا تتحمل من يلحن في اللغة الأجنبية ولا من يكتبها بطريقة خاطئة في الوقت الذي لا تهتم للحن الفاحش الذي يلازمها عندما تريد ترجمة معاني اللغات الأجنبية إلى العربية، فالمفاهيم المقلوبة هذه هي التي أوصلت لغتنا الجميلة إلى ما وصلت إليه.

«العرب» استطلعت آراء طلاب جامعات والخبراء حول هذا الموضوع، حيث اتفق الجميع على أن مشكلة اللغة العربية ليست وليدة اليوم، بل هي نتاج لتراكمات ومفاهيم بدأت منذ دخول المستعمر إلى البلدان العربية وتكوينه نخبة تابعة له سخّرت كل طاقاتها للقضاء على مكانة اللغة العربية في نفوس أبنائها، مستخدمة أحدث وسائل الهجوم وأكثرها تأثيرا، بدءا بمناهج التعليم، وانتهاء بالدراما والأعمال السينمائية التي رسّخت في أذهان العامة أن اللغة العربية هي لغة رجعية ولغة تخلف لا يمكن لمن يتحدثها الحصول على عمل يأكل منه رغيف خبز، في الوقت الذي فُتحت أمام المتحدثين بلغة المستعمر كل فرص العمل وأغدقت عليهم المناصب والمكافآت المادية والمعنوية، وما زالت آثار هذه القرارات ماثلة أمامنا اليوم للأسف.

وأوضح خبراء في اللسانيات أن مشكلة اللغة العربية ليست في قوتها إعلاميا ولا أدبيا، ولا استراتيجيا، فهي تحتل مكانة رفيعة في وسائل الإعلام وفي الآداب، كما أنها قوية من الناحية الاستراتيجية نظرا، لأنها لغة إشعاع روحي لأكثر من مليار ونصف المليار، لكن مشكلتها هي ضعفها علميا ورقميا، وعدم اهتمام العالم العربي وصنّاع القرار بلغتهم، حيث دعوا إلى تعريب المناهج العلمية حتى يتاح للباحثين والطلبة العرب الوصول إلى المعلومات العلمية بلغتهم الأم، مؤكدين أن هذه الخطوة هي التي تحتاجها اللغة العربية لتحتل مكانتها اللائقة بها.

الاعتزاز بلغتنا واجب
يقول حسن عبدالكريم إنه آن الأوان لأمتنا أن تعتز بلغتها، فأمة لا تحافظ على لغتها ولا تعتز بها لا يمكن أن تستفيد من الماضي، ولن يكون المستقبل في صالحها حضاريا ومعرفيا، ذلك أنه من شبه المستحيل تحقيق أي أمة نهضة حضارية وفكرية ومعرفية بغير لغتها الأم، وأضاف: من المؤسف أن تمر ذكرى الاحتفال باللغة العربية علينا دون أن ننتبه لتلك الذكرى التي حاولت من خلالها الأمم المتحدة بعث رسالة للأمة العربية تؤكّد لها أن لغتها تحتل مكانة مرموقة بين لغات العالم، لكن يجب على العرب أنفسهم الاهتمام بلغتهم كما يهتم بها الآخرون، فبالإضافة إلى كونها لغة لـ22 دولة عربية، فإن جميع المسلمين المنتشرين في العالم يتكلمون بها عمليا، أو هم في طريق تعلمها، نتيجة لارتباط اللغة العربية بالدين، لأنها لغة القرآن الذي يتعبّد به حوالي مليار ونصف في شتى بقاع الأرض، لذا علينا أن نعترف أننا نحن العرب نحاول قتل لغتنا وطمس مكانتها الحضارية بعد أن جعلناها عمليا حبيسة لقضايا ثانوية بعيدة كل البعد عن متناول العامة.

وأوضح أن اللغة العربية أصبحت لغة لبعض وسائل الإعلام فقط، لكن استخدامها يتراجع يوما بعد يوم لدى العرب أنفسهم، فما دمنا لا نتلكم بها في بيوتنا ولا نوظفها لغة للتخاطب مع أبنائنا فلن نستطيع انتشالها من مكانتها لدى المجتمعات العربية التي ابتليت باللهجات العامية، حيث يحاول كل مجتمع عربي ترسيخ عاميته وجعلها تنتشر وتغزو بقية المجتمعات عن طريق أكثر الوسائل خطورة، «السينما» التي كان من المفترض استخدامها كوسيلة لإعادة مكانة اللغة العربية لدى الجميع، خصوصا الأطفال الذين يهتمون بما يقدم لهم على شاشة التلفزيون من مسلسلات وبرامج ترفيه.

حتى المساجد
بدوره، يرى حسن الخاجة أن آخر قلعة للغة العربية كانت المساجد التي يستخدم فيها الخطباء والوعاظ اللغة العربية لإيصال المادة الدعوية إلى رواد المساجد، لكن هذه القلعة بدت تتصدع كثيرا بعدما بات أغلب الخطباء والوعاظ يستخدمون اللهجات العامية في دروسهم الدينية، وحتى على المنبر يوم الجمعة، وأردف: في اعتقادي أننا نحن العرب من يحارب اللغة العربية حيث نسعى جاهدين للقضاء عليها في كل مكان، بعد ذلك نحاول ونطالب الآخرين باحترامنا كأمة أو باحترام ديننا، فعلى الصعيد السياسي يتسابق مسؤولونا إلى الحديث باللغات الأجنبية في المحافل الدولية، وأمام زوارهم من الضيوف، وحتى في مكاتبهم ومراسلاتهم، وهم بهذا يدقون مسمارا في نعش اللغة العربية، رأينا جميع القادة والسياسيين في الدول التي تحترم نفسها وثقافتها يستخدمون لغاتهم الوطنية في كل مكان ويفرضونها على الجميع، هذا بالإضافة إلى ما نطلق عليه مزاجا النخبة العربية، فهذه النخبة العربية هي أصل البلاء على الأمة، فبدلا من أن تنهض باللغة العربية جعلتها في ذيل سلم اهتماماتها، لأن النخبة العربية لا تشعر بنخبويتها إلا حينما تتحدث اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو ي لغة أخرى عدا اللغة العربية التي يرون المتحدث بها رجعيا يعيش في القرون الماضية.

وأشار إلى أن استعادة مكانة اللغة العربية أمر بسيط وسهل إذا ما توافرت الإرادة الجادة لذلك، منبها إلى خطوات ضرورية يجب أن نبدأ بها وهي: إلزام جميع المدرسين العرب في مدارسنا وجامعاتنا تقديم موادهم للطلبة باللغة العربية الفصحى، خصوصا في المراحل الابتدائية والإعدادية حتى ينشأ الجيل الجديد على معرفة تامة بلغته، ومنع البرامج والمسلسلات المقدمة للأطفال على الفضائيات العربية من استخدام لغات أجنبية أو لهجات محلية، وإلزام الخطباء والوعاظ باستخدام اللغة العربية في خطبهم ودروسهم الدينية، ووضع جوائز من قبل المدارس وأولياء الأمور لمن يتحدث اللغة العربية بطلاقة من الطلاب وتشجيعهم على ذلك، وإشعار المتفوقين في هذا المجال بأهميتهم وإعطائهم المكانة التي يستحقونها كما نفعل مع المجيدين للغات الأجنبية، غرس قيمة وأهمية اللغة العربية في نفوس الأطفال والأجيال الشابة، وأخيرا تعريب المناهج العلمية، خصوصا المجالات الهامة وعلى رأسها الطب والرياضيات، وقد كانت سوريا متفوقة في هذا المجال ونجحت فيه إلى أبعد الحدود، علما بأنها كانت متفوقة في مجال الطب على جميع الدول العربية، وهو ما يؤكد أن اللغة العربية يمكن أن تكون لغة للعلوم الحديثة.

تقصير الجميع
علينا أن نعترف بوجود تقصير من الجميع في مسؤولياتهم تجاه لغتهم التي تعبّر عن هويتهم وحضارتهم، بهذه الكلمات، عبّر محمد الهاجري عن رأيه فيما يتعلق بحالة اللغة العربية وازدرائها في عقر دارها وأردف: خذلان اللغة العربية يشترك فيه الجميع، حكومات، ونخبا وقاعدة مجتمعية، فعلى مستوى الحكومات يوجد تقصير كبير في المناهج الدراسية وعدم محاولتها تعريب ما يمكن تعريبه من علوم، علما بأن هذا الإجراء يتطلب عملا جادا ودؤوبا بحيث تشكل لجان من الخبراء والأكاديميين من أهل الاختصاص يقومون بتعريب المصطلحات العلمية بشكل يتماشى مع الحاجة والتطور المعرفي والتقني الهائل، والكف عن اشتراط اللغة الأجنبية كشرط رئيسي للحصول على وظيفة في بلد عربي ينبغي أن يكون الأجنبي فيه هو من يسعى لتعلم لغة البلد الذي يقيم فيه، لا أن نجبر أبناءنا على تعلم لغة يخاطبون بها الضيف، فهذا يتنافى مع مبدأ الضيافة واحترام الذات، أما تقصير النخب، فيكفي أن نأخذ جانب عجزهم أو تقصيرهم في كل ما يستطيعون عن طريقه خدمة أمتهم وبلدانهم، فقد كان من المفترض بالنخب العربية أن يهتموا باللغة العربية ويقوموا بعقد وتنظيم ندوات ودورات دائمة حول لغتهم وإتاحة المجال أمام الجميع لتعلمها وتقوية ملكة اللغة عندهم، وفيما يتعلق بالقاعدة المجتمعية فقصورها نابع من انبهارها بلغة الأجنبي، حيث تجد أولياء الأمور يوصون أبناءهم ويشجعونهم على الحصول على درجات عليا في اللغة الأجنبية في الوقت الذي لا يهتمون فيه بمستويات أبنائهم في اللغة العربية، وربما يشجعونهم على الابتعاد عنها أصلا، لأن المهتم بها ومن يجيدها لا مستقبل له في سوق العمل العربي، فنحن لا نعتز بلغتنا كباقي الشعوب في كثير من الدوائر والمؤسسات وبالذات القطاعات الخدمية والاقتصادية التي لا وجود للغة العربية فيها، فالقطاع المصرفي على سبيل المثال يكاد تتم المعاملات فيه باللغة الأجنبية، وقد كان من المفترض إلزام وإجبار الكل أن تكون اللغة العربية هي اللغة الأولى، بحيث تنظّم دورات مجانية لكل من يريد العمل في القطاعات الحساسة التي تعبّر عن سيادة الدولة وهيبتها، وأنا على يقين أن الأجانب العاملين في مؤسساتنا سيرحبون بهذه الفكرة وسيزداد احترامهم لنا، لأننا نحترم أنفسنا ونحاول نشر لغتنا كباقي الشعوب، لذا ما زال هناك قصور كبير في هذا الجانب وعلينا أن نفكّر في طريقة علمية وعملية نتغلب بها على تهميش اللغة العربية، وعدم الاكتفاء بتخليدها بشكل خافت في يوم من السنة، وقد كان يجدر بنا أن تكون أيام السنة كلها أياما للغة العربية.

استعادة الدور الحضاري
في هذا السياق، قال الباحث في الأدب العربي الدكتور والشاعر أدي ولد آدب، إن تراجع مكانة اللغة العربية لدى العرب يحتاج للتغلب عليه إلى استعادة الأمة دورها الحضاري والريادي، فتراجع اللغة ناتج عن تراجع الأمة بمفهومها الحضاري الشامل، فعندما كانت الأمة متقدمة حضاريا كانت لغتها متقدمة على جميع الأصعدة، وعندما تراجعت حضاريا تراجعت لغتها، وهذا يعود إلى كثير من العوامل، فعندما تكون اللغة سائدة ومفيدة في حقل العمل ولها رأسمال رمزي مغر ستصبح لدى الجميع رغبة في تعلم اللغة العربية، وهذا ما كان سائدا في العصور الأولى، فأكثر الذين خدموا اللغة العربية إنما فعلوا ذلك من هذا المنطلق، كما أن أكثر الذين دخلوا فيها من غير بيئاتها دخلوا من نفس المنطلق، ففي الأندلس كان الطلبة الأوروبيون عندما يعودون إلى بلادهم بعد التخرج من جامعات الأندلس كانوا يجدون التقدير والامتيازات، نظرا لأن اللغة العربية كانت في ذلك الوقت لغة العلم والمعرفة.

وأشار إلى أن العامل الأخطر الذي أسهم في تراجع مكانة اللغة العربية في العصر الحديث تمثّل في المستعمر الذي ترك ألغاما سرعان ما انفجرت بعد رحيله، وهذه الألغام هي تكوينه لنخبة كان لها تأثير كبير في تحطيم اللغة العربية، فقد ربط الامتيازات العملية والمغريات المادية والمعنوية في المناهج التعليمية التي وضعها هو، والتي كان من أهمها ربط وسائل الحياة بلغته هو، وترسيخ عدم أهمية اللغة العربية في النفوس، وهذا ما نجح فيه للأسف، فهذه الآلية المزدوجة كان لها تأثير كبير على لغتنا الجميلة، علما بأنه ترك نخبة حارسة لمفاهيمه التي أراد لها أن تبقى بعد رحيله.

تشجيع الفصاحة وتشنيع اللحن
لاستعادة اللغة العربية مكانتها وإصلاح هذا الخلل يرى الدكتور أدي ولد آدب أن هناك عدة آليات يمكن أن تساعد في استعادة اللغة مكانتها، أهمها تشجيع الفصاحة وتشنيع اللحن، مؤكداً أن الدور الأكبر في هذا يقع على عاتق الحكومات العربية التي يجب عليها هي أن تتعلم اللغة العربية وتهتم بها في مراسلاتها وفي خطابها اليومي وأدوات عملها حتى تستطيع إصلاح المناهج التعليمية وتعريبها، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، والاهتمام بالنخبة العربية المهتمة باللغة العربية، معربا عن قناعته باستحالة قدرة النخب العربية على خدمة لغتها في ظل غياب المغريات والامتيازات التي تمنحها الدول المتقدمة لسدنة لغاتها. وانتقد التقصير في هذا الجانب، فالنخبة العربية لا هي حصلت على امتيازات رمزية في ظل غياب المادية، ولا هي وجدت امتيازات أو حتى فرصا في سوق العمل داخل بلدانها، ولا حتى مكانة اعتبارية في المجتمع نظرا لانقلاب المفاهيم لدى المجتمعات.

وضعية جيدة
أستاذ اللسانيات في معهد الدوحة للدراسات الدكتور محمد بلبول يرى أن وضعية اللغة العربية اليوم تعتبر وضعية جيدة بالنظر إلى مجموعة من الاعتبارات، أولها الاعتبار الإعلامي، فهي الآن منتشرة بشكل جيد وتدخل جميع البيوت، بحيث ينصت جميع المواطنين العرب إلى لغة عربية إعلامية جميلة ومتينة، وهذا ينعكس بطبيعة الحال على استعمالاتهم ومعجمهم اليومي وعلى نظرتهم لهذه اللغة التي تبدو حية ومتطورة، لكن علينا أن نعي أن مشكلة اللغة العربية الأهم من وجهة نظري هي غياب اللغة العربية عن الثورة الرقمية والتكنولوجية التي رفعت لغات ووضعت أخرى، فضعف البيانات العلمية عبر فضاء المعرفة وشبكة الإنترنت يعد سببا هاما في عدم بلوغ اللغة العربية للمستوى الذي نطمح إليه جميعا، لذا نحن بحاجة إلى ثورة علمية عربية حقيقية حتى تترسّخ لغتنا وتنافس على المكانة اللائقة بها في عالم الثورة الرقمية.

واعتبر أن قصورا كبيرا في هذا الجانب تتقاسم المسؤولية عنه الجهات الرسمية في العالم العربي والنخب العربية، لذا علينا أن نعي أن مكانة اللغة العربية التي نسعى أو نتمنى أن تحتلها لا يمكن أن تصل إليها بالتمني أو عبر مخاطبة بعضنا لبعض بهذه اللغة، بل إن الآلية الأمثل لوصول لغتنا إلى مكانتها الطبيعية تتمثّل في تعزيزها علميا ورقميا، وقبل أن تتعزز مكانة اللغة العربية علميا بإدخالها في مناهج التعليم وتعريب المصطلحات العلمية لن تتقدم رقميا، فاللغة إعلاميا وأدبيا متطورة، لكننها متخلفة رقميا.