

انطلقت صباح أمس السبت فعاليات اليوم الأول من المؤتمر العلمي الدولي «الإعلام الدولي والحرب على غزة: موجهات الخطاب وصراع السرديات»، الذي ينظمه مركز الجزيرة للدراسات وقسم اللغة والثقافة والاتصال بكلية العلوم الإنسانية والعلوم الاجتماعية، بجامعة حمد بن خليفة، بمشاركة واسعة من أكاديميين وباحثين من دول عربية وأجنبية. وشهد المؤتمر، الذي يستمر يومين، جلسات نقاشية مكثفة ركزت على الخطاب الإعلامي الغربي المهيمن، وكشف آليات الدعاية الإسرائيلية، واستعراض سبل بناء سرديات بديلة تكرس العدالة والحق الفلسطيني.
افتتح المؤتمر بكلمة للدكتور محمد المختار الخليل – مدير مركز الجزيرة للدراسات قال فيها: «المؤتمر يأتي بمشاركة نخبة من الباحثين المتمرسين الذين خبروا ميادين العمل البحثي، خاصةً فيما يتعلق بالخطاب وصراع السرديات في الإعلام الدولي، فما نسميه إبادة إعلامية مقصودة ومدروسة ومنظمة تستدعي أن نُشَرِّح الخطاب والسرديات وأن نضمن لاخوتنا من الشهداء ومن الإنسانية عامةً أن يصل الخطاب بشكل صحيح وأن يُقيم بصورة صحيحة، وان نواصل حمل الرسالة، لكن هذه المرة بالشكل العلمي والبحثي المطلوب.»
وأضاف: «من المزايا العلمية للمؤتمر أنه يأتي وكأنه ختاماً لحرب الإبادة التي كانت على غزة، وتقييم مباشر لها، فنحاول خلاله تتبع حالة الإعلام الدولي ورصد تغطيته لتداعيات حرب الإبادة، ويُمكن هذا المؤتمر الباحثين من دراسة المراحل التي تشكلت فيها أنواع الخطاب في سياقات إعلامية وسياسية متعددة.
وأكد أن الجزيرة، مؤسسةً ومركزًا آلت على نفسها أن تكون إضافة نوعية في صرح تخصصها ومسارها العملي، وألا تكرر الاخرين، بل تقف وقفة نقدية، لا تحمل خطاباً أيديولوجيا، لكنها لا تتعامى عن الدوافع، وتستقرئ الوقائع وفقاً لمنظومة واضحةً جداً تقوم على أنها صوت من لا صوت له وعلى أنها صوت الجنوب، وأنها الجهة التي تكرس للآخر أن يُعرف، فلا يُطمس أبداً.
وتابع د. الخليل: «ما لمسته شخصيا في عناوين عدد من البحوث والدراسات التي سيقدمها الباحثون المشاركون في الجلسات النقاشية للمؤتمر تؤكد على أهمية المنظور الذي يؤسس لأعمال المؤتمر، من خلال تركيزه على دراسة موجهات الخطاب واستراتيجياته اللغوية في تشكيل المعاني، وتوجيه الفهم تجاه مجريات الإبادة الجماعية في قطاع غزة.»
وأشار إلى أن الممارسات الخطابية ليست حيادية، بل توظف بشكل مقصود في توجيه معاني الخطاب وتكييفه مع سياقاته السياسية والجيوستراتيجية بهدف التأثير في الرأي العام وتبني مواقف معينة أو دعم سياسات محددة.
ونوه إلى أن معظم الإعلام الدولي، خصوصا الغربي، لم يكن معنيا بنقل مجريات الإبادة في قطاع غزة، وإنما كان مشغولاً بمعركة السرد، ومعركة المعاني والصراع الرمزي على المفاهيم والمقولات والسياسات، بل امتد هذا الصراع للمصطلحات والبنية المعجمية والكلمات والصور، من أجل السيطرة على الخطاب العام، ومن ثم الرأي العام العالمي.
ومن جانبه أكد الدكتور محمود محمد الحرثاني، أستاذ مساعد في الترجمة والتواصل بين الثقافات بقسم اللغة والثقافة والاتصال، بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة حمد بن خليفة، أن «اللغة الإعلامية لا تكتفي بوصف الواقع الاجتماعي، بل تُكوّنه وتختار أبعاده وتوظّفه لأهداف ليست بريئة على الإطلاق».
وأوضح الحرثاني أن التغطية الإعلامية الواسعة للحرب على غزة أنتجت «المزيد من الادعاءات والمعلومات المؤثرة في المستقبل»، مشيراً إلى أن أخطر ما في صراع السرديات أن «الضحايا يُصوَّرون كمعتدين».
وخلص إلى القول: «الحروب لم تعد تُشن بالأسلحة فقط، بل بالقصص والسرديات التي تُصنع الواقع وتُشوّه الحقيقة».

تفكيك الرؤية الاستعمارية في علوم الاتصال
تحدث الدكتور هايرو لوجو أوكاندو، عميد كلية الاتصال بجامعة الشارقة في الإمارات العربية المتحدة، خلال محاضرة رئيسية في افتتاح المؤتمر عن «دور شبكات التواصل الاجتماعي في أدلجة الخطاب ونشر المعلومات المضللة».
واستذكر لوجو أوكاندو تجربته الشخصية قائلاً: «عندما كنت شاباً صغيراً في فنزويلا، كنت أحتج ضد إسرائيل.. إن فنزويلا صديقة للعرب، وكانت أول من اعترف رسمياً بوفد منظمة التحرير الفلسطينية عام 1973».
ومن جانبه دعا الدكتور نصر الدين لعياضي، أستاذ التعليم العالي بكلية علوم الإعلام والاتصال في جامعة الجزائر، خلال الجلسة الأولى للمؤتمر إلى «تفكيك الرؤية الاستعمارية في دراسات الاتصال والإعلام»، مؤكداً ضرورة «مراجعة البحوث التي تناولت التغطية الإعلامية عن الحرب على غزة، ومحاولة نقد المفاهيم التي ترتكز عليها علوم الإعلام والاتصال».
وكشف لعياضي أنه درس 21 بحثاً عن التغطية الإعلامية للحرب على غزة والانتفاضتين الفلسطينيتين، مشيراً إلى أن العينة التي ارتكزت عليها هذه البحوث هي الصحافة المكتوبة والتلفزيون والإذاعة.
من جهته، تناول الدكتور نادر داغر، أستاذ مساعد في الاتصال بجامعة أوستن بي الحكومية بولاية تينيسي الأمريكية، موضوع «خلخلة السردية الاستعمارية: تحليل نقدي مقارن لخطاب التغطية الإخبارية لأحداث السابع من أكتوبر في الإعلام الأمريكي»، موضحاً أنه «منذ بداية الحرب على غزة هناك صدام بين سرديتين: بين من يعد 7 أكتوبر خروجاً من حالة السجن وآخرين يرون أنه عمل إرهابي، وتجلى ذلك بوضوح في السرديات الإعلامية». وأضاف أن «قصص الأطفال والنساء في غزة تعطينا صورة عن المعاناة التي يعيشها الفلسطينيون وتضفي طابعاً مشككاً على السرديات التي تأتي من إسرائيل».
وفي السياق نفسه، شدد الدكتور نور الدين الميلادي، أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة السلطان قابوس في سلطنة عمان، على الحاجة إلى «براديغم ديكولونيالي لتحرير إبستيمولوجيا الإعلام والاتصال من هيمنة الأطر الفكرية الاستعمارية»، لافتاً إلى أن «الهيمنة الغربية على الإعلام مترسخة ولها جذور.. وفي العقود الأخيرة ظهرت فكرة التحرر من هذه الهيمنة».
أما الدكتورة منية عبيدي، أستاذة بكلية الآداب والفنون والإنسانيات بجامعة منوبة في تونس، فتناولت «البنية المعجمية والدلالية لخطاب المواقع الإخبارية الأجنبية باللغة العربية في تغطيتها للحرب على غزة»، موضحة أن «تغطية الإعلام الأجنبي لعبت دوراً محورياً في تشكيل الوعي والنظرة للأحداث»، وأنها درست البنية المعجمية في أربعة مواقع إخبارية، وخلصت إلى أن «كل وسيلة إعلامية تبني واقعاً لغوياً خاصاً بها لتوجيه إدراك المتلقي للصراع وفق خلفيتها الجيوسياسية، واللغة ليست أداة محايدة في الإعلام».
وفي ورقة مشتركة، استعرض عبد الكريم حداد، محاضر في اللغة الإنجليزية ودراسات الترجمة بجامعة الخليل في فلسطين، وسجى بكري، باحثة ومترجمة، «التركيب المعجمي في تشكيل سرديات الخطاب الإعلامي في موقعي الجزيرة ونيويورك تايمز حول وقف إطلاق النار في غزة بين عامي 2023-2025».
وأكد حداد أن «لغة الإعلام تلعب دوراً أساسياً في تشكيل المفاهيم»، مشيراً إلى أن «نيويورك تايمز تستخدم المبني للمجهول وتركز على اللغة التلطيفية وتجعل المسؤولية غامضة، فيما تستخدم الجزيرة الإنجليزية التعبير الجلي الواضح الذي يشير إلى الفاعل مباشرة ويحمّل الشخص المسؤول مسؤولية أفعاله».
الأخلاقيات الصحفية أمر بديهي
قدمت الدكتورة هالة قوتة، رئيسة قسم الإعلام بكلية الآداب والعلوم بجامعة قطر، ورقة حول «التأطير البصري ودوره في تعزيز السرديات أو طمسها» خلال الجلسة الثانية، موضحة أن «الاختيارات البصرية تؤدي إلى بناء سرديات معينة وتطمس سرديات أخرى»، وأن «وجود أشخاص في الصور يجعل البعد الإنساني أقرب إلى المتلقي».
وقارن الدكتور لحسن الحسناوي، أستاذ مشارك في العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض في المغرب، بين تغطية الإعلام الغربي للحرب على غزة والحرب الروسية الأوكرانية، مؤكداً أن «الصراعات الدولية أصبحت معقدة وتتجاوز الأبعاد العسكرية لتشمل حروباً سردية»، وأن «تحليل الخطاب الإعلامي يكشف عن نزعة مشتركة إلى تغييب السياق التاريخي للحربين».
من جهتها، شددت الباحثة سانه كريستين بريمر على أن «وسائل الإعلام الرقمية يجب أن تتمتع بالشفافية وتلتزم بالمهنية، وأن تكون الأخلاقيات الصحفية أمراً بديهياً».
وفي سياق الإعلام الإسرائيلي، أشار الدكتور فريد أبو ضهير من جامعة النجاح الوطنية في فلسطين إلى أن «الإعلام الإسرائيلي يشكل أداة قوية لترسيخ الخطاب السياسي والشعبي الإسرائيلي الذي ازداد تطرفاً». كما أكدت الدكتورة منال المزاهرة من جامعة البترا في الأردن أن «لا يمكن الفصل بين الإعلام والدعاية الإسرائيلية»، مشيرة إلى أن قناتي 12 و14 الإسرائيليتين «دعمتا الرواية الأمنية الرسمية وعززتا فكرة الصمود ودعم الجيش».
«أبو عبيدة» استطاع بناء لغة تلتصق بالناس
في ورقة لافتة، خلال الجلسة الثالثة أشادت الدكتورة فاطمة الصمادي، باحث أول بمركز الجزيرة للدراسات، بخطاب المقاومة الفلسطينية، معتبرة أن «أبو عبيدة استطاع بناء لغة مبصرة قادرة على أن تلتصق بالناس»، وأن الوسوم المرتبطة باسمه «كانت تتصدر منصات مثل X وتيك توك، وتسجيلاته تشاهد ملايين المرات».
وختم محمد توم بشير، باحث وأستاذ لغات ومترجم محترف، بقراءة في «الخطاب المضلل: نماذج الدعاية الإسرائيلية في الإعلام الغربي»، مؤكداً أن «الإعلام الغربي يعيد تأطير الحدث داخل منظومات فكرية وأمنية تعمل على تبرير العنف الإسرائيلي وتجريد الفلسطيني من إنسانيته السياسية».
وأجمع المشاركون على أن المؤتمر يشكل خطوة أكاديمية مهمة لتفكيك الهيمنة الإعلامية الغربية وبناء خطاب إعلامي عربي وإسلامي قادر على مواجهة سرديات الاحتلال واستعادة الحق الفلسطيني في الرواية والصورة والكلمة. وتتواصل أعمال المؤتمر اليوم الأحد بجلسات إضافية وتوصيات ختامية.