أوبرا الإسكندرية تحفة معمارية فريدة عمرها 95 عاماً
منوعات
30 نوفمبر 2013 , 12:00ص
القاهرة - داليا عاصم
في شارع فؤاد أقدم شوارع الإسكندرية تقبع تحفة معمارية تخطف الأبصار يعود تاريخها إلى عام 1918، وهو التاريخ الذي شيدت فيه دار أوبرا الإسكندرية (مسرح سيد درويش سابقا) الذي يعد أحد المسارح العتيقة في تاريخ مصر والعالم. وكان يطلق عليه (تياترو محمد علي)، وما زال ذلك مدونا على اللوحة التأسيسية أعلى الواجهة الرئيسية. وقد تم تغيير اسمه إلى مسرح سيد درويش عام 1962.
أنشئ هذا المسرح في الفترة الأولى من حكم السلطان فؤاد الأول وكان يطلق عليه اسم تياترو محمد علي، وقد كان المسرح عبارة عن وقف خيري ملك للسيد بدر الدين قرداحي بكح وهو لبناني الجنسية وكان من أثرياء الإسكندرية، وقد استعان السيد قرداحي في تصميمه بالمهندس جورج بارك. وهو ما يتضح من اللوحة التي وجدت بأحد بناوير الطابق الثاني. وقد زينه بمجموعة من العناصر الزخرفية الفريدة ذات الطابع الكلاسيكي الأوروبي الذي كان سائدا في بداية القرن العشرين بمصر.. وقدمت عليه عروض مسرحية عديدة، منها مصرية وأجنبية. ولعل ما يميز هذا المبنى طرازه الإيطالي، وهو المبنى الوحيد الذي تنفرد به الإسكندرية ومصر بأكملها. ويوجد نسخة لهذا المسرح بفرنسا المعروف (بقصر أوديون) وتم افتتاحه عام 1921. يقع المسرح العتيق بمنطقه محطة الرمل بالإسكندرية وتم بناؤه على مساحة فدان تقريبا 4200 متر والمساحة الفعلية التي شيد عليها 2568 مترا. وأعلى واجهته فرنتون مشيد على أعمدة كورنيشه، أما من الداخل فيتخلله بهو يفضي إلى الصالة والبناوير والأدوار العليا ويتكون المسرح من ثلاثة طوابق من اللوجات والبناوير المنفصلة عن بعضها البعض. ويعلو صالة العرض قبة مستديرة ويحيط بها شريط زخرفي عريض قوامه ثماني جامات كتب عليها أسماء لاتينية لفنانين أوروبيين أشهرهم موتسارت وفيردي.
وإذا ما قمنا بالدخول إلى المسرح فسنجد المدخل الرئيسي والواجهة الغنية بالزخارف النباتية والآدمية والتكوينات الهندسية ذات الطابع الكلاسيكي الذي اشتهر في عصر النهضة الأوروبية، وسنجد المسرح مليئا بزخارف على هيئة وجوه عابسة وأخرى باسمة وهي تمثل المسرحيات التراجيدية والكوميدية.
أما بهو المسرح من الداخل فهو عبارة عن صالة مستطيلة الشكل بها مدخلان متقابلان يؤديان إلى قاعتين متسعتين كما يوجد بهذه الصالة مجموعة كبيرة من الأعمدة وأنصاف الأعمدة. أما أركان سقف البهو فزينت بزخارف قوامها الآلات الموسيقية المتداخلة وهي (عود– مزمار– رق– نوتة موسيقية) مع وجود بعض العناصر النباتية، كما يوجد أعلى مدخل القاعتين الشرقية والغربية ورقة نباتية ذات شكل هندسي محدود جدا وملفوفة من أسفل تحمل زخارف الإفريز على اليمين واليسار زخارف تمثل سائر المسرح، كما تحمل كوشه بداخله إناء تخرج منها باقة ورد، جانبي الإناء ورقة نباتية ملفوفة، كما يلاحظ أن زخرفة الشرفة والإفريز تحتوي على ورقة نباتية محورة على شكل وجه آدمي ذي لحية.
وقد تم تسجيله ضمن الآثار الإسلامية بالإسكندرية، لما يحتويه من عناصر معمارية ومجموعة فريدة من الزخارف التي ترجع إلى عصر النهضة الأوروبية، ثم آل إلى دار الأوبرا المصرية بعد إعادة ترميمه وتطويره التي استغرقت عاما ونصفا بتكلفة 25 مليون جنيه.
وقد عثر على مجموعة من المقتنيات في أثناء ترميمه ومنها ورقة تمثل تذكرة دخول حفل خاص بجمعية أصدقاء مرضى مستشفيات جامعة الإسكندرية، وعليها كتابات نصها «تقيم الجمعية حفلها السنوي الخيري حيث تقدم فرقة ثلاثي أضواء المسرح الكوميدية مساء الجمعة 22 مارس 1974، سعر التذكرة 100 جنيه وتخصص إيرادات هذا الحفل لصالح قسم لجراحة الأطفال رقم التذكرة 1865». كما عثر على ورقة قديمة عليها كتابات بكل اللغات العربية والفرنسية والإنجليزية واليونانية ومؤرخة يوم الجمعة 10 نوفمبر 1922 وتحتوي على إعلان عن عرض سينمائي باللغات الأربع، وقد عثر على العديد من طوابع البريد والقطع والعملات المعدنية الأثرية.
وقد لعب المسرح دورا كبيرا في الحياة الثقافية والفنية في الإسكندرية منذ بدايات القرن العشرين، فلم يقتصر دوره على العروض المسرحية فقط وإنما قدم أيضا العروض السينمائية العالمية، وبعد قيام نهضة المسرح على يد يوسف بك وهبي ويعقوب صنوع وجورج أبيض، بدأ في عرض ما تم ترجمته من أعمال مسرحية أجنبية في بداية الستينيات كما قدمت عليه عروض أعمال فرقة التلفزيون المسرحية.
وقد ساعد إحياء هذا المسرح في عودة الروح الفنية للمدينة بعد أن أغلق الكثير من مسارحها وتحولت إلى مقاه وبنايات ومراكز تجارية.
فقد تأسست فرقة أوبرا الإسكندرية للموسيقى والغناء العربي، أوركسترا وتريات أوبرا الإسكندرية إلى جانب عدد من الفرق الموسيقية السكندرية التي قدمت عروضها لأول مرة على هذا المسرح.
كما يستضيف المسرح أربعة مهرجانات عربية وعالمية ثابتة في أجندة المسرح الثانوية، وهي مهرجان أغنية البحر المتوسط ومهرجان الموسيقى العربية ومهرجان الإسكندرية السينمائي والمهرجان الثقافي والفني لدول حوض البحر المتوسط (إيكوم).