فلول القذافي يسيطرون على إعلام ليبيا الجديد

alarab
حول العالم 30 نوفمبر 2011 , 12:00ص
موفد العرب - ياسر مهني
لم يكن المنتمون لصاحبة الجلالة منعمين في بلاط ملك ملوك إفريقيا، بل عانوا الأمرين، إقصاء وتهميشاً، واعتقالاً وملاحقة، في ظل حكمه الممتد لـ42 عاما، ولذا راهنوا على ثورة 17 فبراير، ليقطفوا ثمار الحرية بعد أن أعلن حكام البلاد الجدد انفتاحهم على إعلام غير موجه، لكن هل تبدلت الحال؟. وبقدر ما تكون الإجابة بالنفي، بقدر ما يشعر هؤلاء بسيطرة ما وصفوهم بـ «فلول القذافي» على وسائل إعلام ليبيا الثورة. تقول سالمة أحمد الشعاب رئيسة رابطة الصحافيين والإعلاميين في طرابلس: كنا في زمن القذافي نحفر في الصخر حتى تكون هناك صحافة وحرية رأي، مشيرة إلى أن الصحافي كان موظفا عاديا بالدولة، وكل الصحف ووسائل الإعلام تتبع الدولة ما عدا القليل منها. وأضافت أن الصحافيين كانوا يتعرضون للقتل والتهميش، وأبسط عقاب هو استدعاؤهم أمام سلطات التحقيق كل أسبوع، حيث إن النيابة المختصة بالتحقيق مع الصحافي هي نفسها التي كانت مختصة بالتحقيق مع تجار ومتعاطي المخدرات، لافتة إلى أن رابطة الصحافيين والإعلاميين كان يتم تفكيكها عبر الاستخبارات والأمن. وتابعت: مع ذلك ناضل الصحافيون وثاروا مع المواطنين خلال انتفاضة 17 فبراير كمواطنين، لأنهم لم يكن لديهم مؤسسات تنشر ما يكتبونه، ليطبل الإعلام الرسمي للقذافي ونظامه، لكن كان لنا متنفس في الإعلام الخارجي، خاصة فضائية «الجزيرة». وأوضحت أن نظام القذافي استورد شركات متخصصة كي تقلب الحقائق، ولولا فضائية «الجزيرة» لاستطاع القذافي السيطرة على الثورة، بفضل هذا «الجيش الإلكتروني» من مرتزقة الإعلام الذين دخلوا ليبيا منذ يناير الماضي وقبل اندلاع الثورة. أما الوضع الآن بعد تحرير البلاد، فهو من تهميش إلى تهميش، حسب تعبيرها، تقول: تتصدر المشهد صحيفة «17 فبراير» وهي معبرة عن المجلس الانتقالي، لكن ظهرت صحف وإذاعات خاصة ممولة، ولا نعرف مصادر تمويلها، ولم نجد أية قناة ليبية متخصصة نحتفي بها وتناقش مشاكلنا. وتضيف: نحن نريد قناة وطنية تعبر عنا، وليس فضائيات وصحفا يسيطر عليها أزلام القذافي، لدينا الكثير مما نقوله عن الثورة، ولدينا انتقادات للوضع الحالي ولا نريد أن نعود لعهد التطبيل. وعما تريد هي شخصيا كشفه، تقول: لديّ مثلا مكالمات هاتفية مسجلة للبغدادي محمود رئيس الوزراء السابق وهو يأمر بدفن جثث الثوار في مقابر جماعية، وإعادة وضعها تحت ركام غارات الناتو. وتقول إن لديها شكاوى عديدة من صحافيين تعرضوا للاضطهاد والملاحقة حاليا مثل نعيمة المصراتي وأحمد مختار، جراء تعرضهم للاعتقال والضرب والملاحقة. وردا على سؤال حول إمكانية عقد انتخابات بعد التحرير، تقول، ساخرة، مشكلتنا أن مقر الرابطة هو ملك لأحد الأشخاص وبيننا وبينه نزاع قضائي، كان نظام القذافي يسهل له الحصول على مقره الذي نزعه منه عنوة، لأنه كان يخشى من تحويل هذه الرابطة لنقابة مستقلة، والآن تركنا له المقر ولا مكان نعقد فيه اجتماعاتنا. تضيف: قدمت طلبا رسميا للمجلس الانتقالي للحصول على مقر جديد للنقابة، لكنهم يهتمون بكل شيء إلا الصحافة. ببساطة أستطيع أن أقول إن الإعلام لم يتحرر والعقول التي كانت تسيطر عليه كما هي، لكن على الجانب الآخر أحذر من أن أي أحد يحاول أن يمس الحرية التي حصلنا عليها سيصبح بالنسبة لنا معمر القذافي الجديد. من جانبه، يقول عاطف الأطرش وهو صحافي مستقل يعمل ضمن هيئة دعم وتشجيع الصحافة التابعة للمجلس الانتقالي إن الصحف والقنوات الخاصة صارت وجهة جديدة لتبييض وجوه أزلام القذافي، وأعطى مثلا على كلامه بأن حسني شميس مدير مركز المدينة الثقافي السابق وأحد أركان نظام القذافي هو المؤسس الآن لثلاث صحف مستقلة، كما أن مريم العجيلي المعروفة بـ «جلادة الصحافيين» والتي كانت تشن حملات شخصية على المعارضين، هي الآن مقررة اتحاد الصحافيين في بني غازي. ويضيف: تظاهرنا في بني غازي وتحدثنا لوسائل الإعلام ولم يرد مسؤول واحد علينا، فالصحافيون الشرفاء يهمشون الآن ويمنعون من الظهور في الفضائيات الليبية. ويوضح: الإعلام الآن يعمل بنظرية المؤامرة والتأويل الأمني من المجلس الانتقالي، فإذا انتقدت مسؤولا حاليا تتهم بأنك «طابور خامس»، لتترسخ أكثر فكرة عبادة الفرد، وأعطى مثلا بأن هناك رسام كاريكاتير انتقد السيد عبدالحفيظ غوقة، ورسمه وهو يحتضن جميع الميكروفونات ليمنع الجميع من الكلام، فكانت النتيجة اعتقاله من جانب الأمن الوقائي. يقول: إذا سألت عن قضية السلاح المنتشر تتهم بأنك من العملاء، ولو انتقدت وسائل الإعلام تصنف كمتسلق، والغريب أننا انتقدنا معمر القذافي وأبناءه وتعرضنا للتهديد والتنكيل والتهميش، وتوقعنا أن ينتهي، لكنه مازال قائما. وأعرب عن أمله في أن ينتبه المسؤولون الجدد إلى أن ليبيا عانت على مدى 42 عاما من الدمار، وأن هناك دما دفع من أجل التحرر من هذه العبودية وعليهم أن يحترموه وأن يقدموا ما لديهم. من جهتها، تقول سمية سالم صحافية في صحيفة «17 فبراير»: في زمن القذافي اختزلوا دورنا كصحافيين في أن نكون مجرد أدوات لخدمة هذا النظام المستبد ومشروع التوريث، موضحة أن مشروع «ليبيا الغد» لإقامة صحف وقنوات جديدة كان يخدم بشكل أساسي على مشروع تسليم السلطة لسيف الإسلام، ونحن صدقناه في البداية، لكننا اكتشفنا أنه كان مختبرا لقياس قبول الليبيين لتوريث السلطة لسيف. وتضيف: أثبتنا كفاءتنا كمنتمين إلى مهنة صاحبة الجلالة بدليل أننا استطعنا إنجاز مستوى رفيع في صحف كـ «أويا» و «قورينا»، لدرجة أن أصدقاءنا لم يصدقوا أن تلك الصحف تصدر في ليبيا، وهذا يفسر شيئا واحدا أنه لو أدار النظام البائد الإعلام وأعطاه الحرية كان سينجح. وتتابع قائلة: اكتشفنا مبكرا أن نظام العقيد لم يرد إعطاءنا أية حرية، واكتفى بالصحف الحكومية التي تعد طبعة واحدة وتكاد تكون نسخة واحدة. وعن وضع الصحف حاليا، تقول: الصحافيون أسهموا في الثورة وضحوا بأنفسهم لكنهم صدموا بالواقع ولا يعرفون إن كان يتم تهميشهم عن قصد، ففي أول محاولة لإظهار أية حقيقة يتم قمعهم مثل قضية نعيمة مصراتي. تضيف: الإعلاميون يتظاهرون في كل مكان ولم يحتوهم أحد حتى هذه اللحظة، كما أن الردود غير واضحة أو مفهومة وأقصاها «هذا ليس وقته»، وعلى الجانب الآخر يتشدد المسؤولون في الاهتمام بالمراسلين الأجانب مع وعد يتم خلفه دائما بأن يكون للصحافيين الليبيين السبق، ولو كانوا غير مقتنعين بقدراتنا فليستوردوا صحافيين من الخارج ويريحونا. أما صاحبة القضية التي تفجرت مؤخراً في الوسط الإعلامي وهي نعيمة المصراتي والتي تعمل بـ «قورينا الجديدة»، تقول: لم أعد أفهم هل تغير النظام أم لا.. في شهر أكتوبر الماضي كنت في منطقة تاجوراء لتغطية الأفراح التي عمتها عقب ورود أخبار عن اعتقال المعتصم القذافي، فأثار انتباهي نشوب حريق في وحدة إدارية تابعة لمبنى الإسكان، فقمت بالتقاط الصور والسؤال عما حدث، لكن وجدت أفرادا من المجلس العسكري هناك يعتدون عليّ بالضرب لأنني كنت أصور ما حدث، وتم اتهامي بالضلوع فيما حدث. وكان الدكتور محمد الفيتوري رئيس المجلس المحلي بتاجوراء قد نفى أن تكون المصراتي تعرضت للاعتقال أو الضرب على يد عناصر المجلس العسكري، وقال إنه تم التحفظ عليها كمشتبه به وليس كصحافية. وتقول المصراتي: هذه الوحدة كانت تحوي عقودا تتعلق بالبنية التحتية تصل إلى مليارات الدولارات، أنا لا أتهم أحدا بإحراقها لهدف في نفس يعقوب، لكن كنت أتابع عملي كصحافية تريد إظهار الحقيقة للناس، أيكون جزاؤها العنف والاحتجاز؟! وتضيف: الصحافي الآن ينظر إليه على أنه «طابور خامس» إذا فكر أو حاول انتقاد أي عضو من أعضاء المجلس الانتقالي، وكان ينظر له قديما على أنه أداة من أدوات المعارضة، فلا نظام القذافي تركه دون مطاردة وتضييق وتنكيل، ولا النظام الجديد نظر له على أنه شريك في الحرية.