رائحة السويكة ودخان السجائر تزكم الأنوف بالمدارس
تحقيقات
30 أكتوبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - هناء الرحيم
يقف مجموعة من طلاب إحدى المدارس الثانوية المستقلة في إحدى الزوايا البعيدة عن الأعين خلال فسحة المدرسة، يتداولون فيما بينهم السويكة يضعونها في أفواههم، فجأة يقترب منهم أحد الأساتذة، يخبئونها تحت ألسنتهم منعا من الاشتباه بهم. «المدارس فيها كل شيء: سويكة ودخان وأم مدواخ»، يقول محمد، لافتا إلى أن «هناك شبابا تعودوا على تعاطيها وبمجرد أن يروا الأستاذ اقترب منهم يخبئونها تحت اللسان». ويبدو أن السويكة معروفة ومألوفة لدى عدد كبير من طلاب المدارس، حتى أولئك الذين لا يتعاطونها، حيث لا يجد محمد أي صعوبة في أن يشرح لنا ما تتضمنه من مواد، كالزجاج والتبغ ومخلفات الحيوانات، علما أنه لا يتعاطاها.
صحيح أن محمد لا يتعاطى السويكة إلا أنه تحدث لـ «العرب» عن تجربة أحد أصدقائه الذي تشاجر معه بسبب تعاطيه لها، ويؤكد محمد أنه حاول إقناع أصدقائه بالإقلاع عنها، لكن عبثا يحاول «فقد تعودوا على تعاطيها»، يقول محمد بأسى، ويصف شعورهم بعد أن يأخذوا السويكة، لافتا إلى أن «أحد أصدقائه قال لي إني أرتاح عندما أتعاطاها، فرددت عليه بالقول انظر إلي أنا مرتاح أيضاً مع العلم أني لا أدخن ولا أتعاطى السويكة».
ويشير محمد إلى أن صديقه «حين لا يأخذ السويكة يحس بالتعب ويشعر بالعصبية ولا يتكلم أي كلمة»، مضيفا أن الموضوع في مدرسته لا يقف عند حدود السويكة، بل أيضاً التدخين منتشر بين الطلاب بصورة كبيرة من عمر 15 سنة. ويقول إن «المدرسة اكتشفت عددا من الطلاب ممن يتعاطون السويكة، وتم استدعاء أولياء أمورهم وبعضهم فصل ثلاثة أيام وبعضهم الآخر صفح عنهم المدير بعد الوساطة، أو أنه يكون ابن عائلة معروفة».
في صف محمد 27 طالبا يقول إن قليلا منهم من لا يدخن أما متعاطي السويكة فلا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة.
%15 يتعاطون السويكة
تشير الإحصاءات والدراسات التي أجريت حول السويكة في المدارس، وآخرها كان دراسة أجراها مركز التأهيل الاجتماعي (العوين) بالتعاون مع المجلس الأعلى للتعليم والتي أظهرت أن 306 طلاب ممن شملتهم عينة الدراسة 2072 يتعاطون مادة السويكة، أي ما نسبته %15 من عينة طلاب المدارس، وهذا ما يؤشر إلى أنها منتشرة ولكن بشكل محدود حتى الآن، مما دفع بالاختصاصيين النفسيين ومديري المدارس لدق ناقوس الخطر لبذل الكثير من الجهود للتقليل من أخطار هذه الآفة.
وما يستدعي الدهشة في الدراسة أنها كشفت سهولة حصول الطالب على مادة السويكة، إذ تبين أن من بين المصادر التي يحصل منها الطالب على السويكة مصادر قريبة منه مثل الزملاء في المدرسة وأحد أفراد الأسرة أو السائق أو من شخص يعرفه، فهم أشخاص يتعامل معهم بصفة يومية.
ورخص تكلفة مادة السويكة وتوافرها وسهولة الحصول عليها أمر قد يزيد من اتجاه الطالب نحو التعاطي، كما ظهر وجود علاقة بين ارتفاع المستوى الاقتصادي للطالب وتعاطي مادة السويكة.
مادة إدمان
والسويكة مصنفة كمادة إدمان، يصعب التخلص منها بعد فترة بسبب مكوناتها التي تعتمد على النيكوتين شديد التركيز، الذي يخلط بمواد أخرى، كما أن طريقة تعاطيها عن طريق التخزين في تجويف الفم تساهم في سرعة الامتصاص، مما يؤدي إلى تقليص الفترة التي يصبح فيها الطالب مدمنا ولا يستطيع أن يتخلص منها ويزداد الطلب عليها تدريجيا، مما ينذر بعواقب وخيمة على الصحة في سن مبكرة. ومن العوامل الأساسية في استخدام الطلاب للسويكة هو تدخين أحد الأبوين وهي تعتبر كالسيجارة، ولكن من دون دخان ملفوفة بالسيليكون أو السلوفان وتوضع كالعلكة في الفم خلف الشفة وهي مضرة بالصحة والأخطر فيها أنه لا يعرف كنهها، لأنه لا يوجد سويكة شبيهة بالأخرى.
ضبط حالتين بمدرسة
ومما لا شك فيه أن لأولياء الأمور والمدارس والاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين دورا كبيرا في مكافحة هذه الظاهرة، والحد منها وفي هذا الإطار يعتبر
الأستاذ يوسف خليل إبراهيم اختصاصي اجتماعي نفسي في مدرسة حمزة بن عبدالمطلب الإعدادية المستقلة للبنين أن انتشار السويكة يختلف باختلاف البيئة والمدرسة والمنطقة. ويؤكد أنه لا تكاد توجد مدرسة في قطر لا توجد فيها هذه الظاهرة، لافتا إلى أن انتشارها محدود في مدرستهم، حيث تم ضبط حالتين بالمدرسة منذ بداية العام.
ويقول إن المدرسة تتخذ عددا من الإجراءات للحد من ظاهرة انتشار السويكة انطلاقا من سياسة التنظيم السلوكي، مشيراً إلى أن المدرسة تتعاون مع وزارة الداخلية بهذا الخصوص وتنشر الوعي بين الطلاب من خلال المنشورات والمحاضرات التوعوية والدينية والصحية. وينوه بأن المدرسة ستنظم محاضرة خلال الأسبوع المقبل عن السويكة من الناحية القانونية وآثارها الصحية السلبية. ويوضح أن المدرسة تعاونت العام الماضي مع وزارة الشؤون الاجتماعية من خلال حملة أرشدني للحد من الظاهرة ولاقت إقبالا وتفاعلا من قبل الطلاب.
ويؤكد أستاذ يوسف أن المشرفين بالمدرسة يقومون بحملات تفتيشية مفاجئة في الصفوف والباصات، كما أنهم يتعاونون مع بعض الطلاب للكشف عن متعاطي السويكة لمساعدتهم للإقلاع عنها.
آثار السويكة
ويشرح الاختصاصي الاجتماعي النفسي الآثار والتغيرات الصحية التي تظهر على متعاطي السويكة من الطلاب مثل قلة الطعام واصفرار الأسنان والإسهال وتغير الصوت، مضيفا أن الخبراء يحددون أضرار «السويكة» الصحية بتسببها في سرطان الفم ورائحته النتنة، وتصبغ الأسنان، وتراجع اللثة، وارتفاع الضغط الشرياني، وأمراض القلب، والقرحات الهضمية، والبصق المستمر. كما تتسبب «السويكة» في جملة من الأضرار النفسية حيث تعمل على جعل الجسم في حالة توتر نفسي دائم، مع اضطراب في النوم، كما يؤثر النيكوتين على الجهاز العصبي بما فيه المخ وأطراف الأعصاب، وهناك ردة فعل فيسيولوجية عصبية تتمثل بمشاعر اكتئاب خفيفة تؤدي إلى القلق والتوتر العصبي.
ويرى الأستاذ يوسف أن من يتعاطى السويكة من الطلاب يهدر ماله في اقتناء هذه المادة، موضحا أن تغير جمال الأسنان واصفرارها يجعل من تعاطي «السويكة» مظهرا غير حضاري وصورة غير مرضية للمجتمع.
عالم ثان
ويشير إلى أن السويكة عادة ما تترك أثرا على الطالب ورائحة فمه، مضيفا أنه في حال ضبط طالب يتم استدعاء ولي أمره، ويوقع تعهدا، وفي حال تكررت الحادثة مرة ثانية وثالثة يتم التعامل مع متعاطيها بطريقة أخرى كالفصل أو تحويله إلى مجلس الأمناء أو الأعلى للتعليم أو إلى حماية الطفل والمرأة. وعن أسباب إدمان الطلاب على السويكة، يشير الاختصاصي الاجتماعي بالمدرسة إلى أنها غالبا ما تكون بسبب مشاكل أسرية ويتم انتشارها خلال فترة الامتحانات للتهرب من الضغط والتوتر ويعتقد الطالب أن الحل يكمن في هذه المادة التي قد تريحه من أعبائه ومشاكله. ويقول إن المدرسة تحرص قبل كل شيء أن ترشد الطالب وتبين له أضرار الاعتياد على السويكة، لافتا إلى أن أغلب الطلاب خصوصا في المرحلة الإعدادية لديهم حب التجربة والاكتشاف.
ويتحدث يوسف عن آثار السويكة على متعاطيها كما رواها له أحد متعاطيها من الطلاب «الذي قال إنه يفقد الوعي لفترة معينة وإنه يصبح في عالم ثان، ويشعر بالراحة». ويذكر الاختصاصي الاجتماعي النفسي أنه من الملاحظ أن تعاطي السويكة له علاقة كبيرة بالعلاقات بين الطلاب وجماعات الأصدقاء، كما أنه يزداد مع ضغط المشكلات الشخصية وأثناء فترة الامتحانات، ظنا من متعاطيها بأن السويكة تحسن مزاجهم وتساعدهم على الاسترخاء، مشيراً إلى أنها تباع في بعض المحلات أو البقالات الصغيرة بالأحياء الشعبية خفية والفئة المستهدفة منها الطلاب على وجه الخصوص.
لا تجريم لتعاطي السويكة
ويشدد الاختصاصي الاجتماعي على ضرورة محاربة هذه الظاهرة والحد منها من خلال توجيه برامج توعية لأولياء الأمور لمراقبة وإرشاد الأبناء وسماع مشاكلهم الشخصية، وتحديد أوقات الخروج، ومراقبة المصروف الشخصي لهم، وجماعة الأصدقاء التي ينتمون لها. ويرى الأستاذ يوسف أن التجريم الاجتماعي لظاهرة تناول «السويكة» لم يرق بعد لمستوى تجريم بقية المواد الأخرى، كالمخدرات والتبغ وغيرها، وهو ما يشجع الشباب على الإقبال عليها كمدخل للبحث عن اللذة والمتعة والصحبة أحيانا كثيرة، لافتا إلى أن هناك أنواعا مختلفة من السويكة وأشهرها الباكستانية لأنها أرخصهم وتقدر بحدود 3 ريالات، أما السويكة السودانية فهي أغلاها.
وأكثر ما يثير الدهشة والاستغراب هو أنه كيف يتم تجريم تعاطي «السويكة» ومعاقبة مروجيها في غياب قانون وتشريع يحرم ويمنع ويعاقب استخدام السويكة، حيث لا يوجد قانون في قطر حول ذلك!
ورغم جهود وزارة الداخلية ممثلة بالشرطة المحلية في مكافحة السويكة، حيث إنها لا تتساهل مع من يصنع ويبيع السويكة، علما أنه لا يوجد مادة قانونية تمنعها لأنها ليست مخدرا بل هي شبيهة بالسيجارة، وتؤذي الصحة وتخدش اللثة وكثرة استخدامها يهدد بالإصابة بسرطان وتقرحات اللثة.