الحرب بين إسرائيل وحماس لا تزال قائمة

alarab
حول العالم 30 سبتمبر 2014 , 06:49ص
انتهاء حرب الخمسين يوما على غزة –الحرب الأطول لإسرائيل منذ قيامها سنة 1948– تتميز بنزعتين متناقضتين: من جهة، المجتمع الإسرائيلي مال بشكل ملحوظ إلى اليمين. الاستطلاعات تدل على أنه إن عقدت الانتخابات اليوم، فإن حزب الليكود وحلفاءه المركزيين (حزب البيت اليهودي الخاص بنفتالي بينيت، وحزب يسرائيل بيتينو الخاص بأفيجدور ليبرمان) سيتلقون دعما أوسع؛ بينما أحزاب المركز واليسار ستتقلص بشكل ملحوظ. لأول مرة منذ عشرين عاما لا يوجد في الدولة أغلبية داعمة لحل الدولتين.
من الجهة الأخرى، وعبر جميع الأطياف السياسية، فإن أغلب الإسرائيليين غير مقتنعين بأن الدولة انتصرت بهذه الحرب. إنهم يعيشون في خوف دائم من مواجهات مسلحة أخرى في المستقبل القريب، ويتوقون لإيجاد حل نهائي لدوائر العنف.
الرغبة المشتركة في التسوية تتناقض مع الميل لإقامة حكومة ذات رؤية رافضة بشكل منهجي لأي تسوية مع الدول المجاورة لإسرائيل. البعض قد يرى هذا الخلل البنيوي كمؤشر للمزيد من الجمود.. آخرون قد يرونه فرصة للتغيير. الكثير يتعلقون بالمسار الذي يختاره الإسرائيليون في نقطة التقاطع المفصلية هذه. منذ حرب 1967 لم تلحق أي حكومة إسرائيلية أي صراع مسلح بمبادرة سلام. هذا الطريق الذي لم يسلك قد يكون بالضبط الطريق الضروري للتغلب على التوترات التي تضرب بالمجتمع الإسرائيلي، والذي يمكن أن يقوده باتجاه مستقبل مقبول للعيش.
المدة القصيرة منذ ابتداء وقف إطلاق النار في 27 أغسطس قد أبرزت ميول الحكومة ليس فقط لتبرير العملية في غزة وكيفية التعامل معها، ولكن أيضا ميولها للانتقال لأمور مختلفة. هذا يساعد بتفسير السهولة التي تم بها انتقال التركيز من الواجهة الجنوبية إلى الشمالية. الدولة الإسلامية تستبدل حماس بسرعة متزايدة كمصدر القلق الأساسي، وبهذا تبعد الأنظار عن تأثيرات الحرب وعواقبها المحلية والخارجية. هذه الميول أيضا تساعد بتفسير استرضاء القسم اليميني من الائتلاف عن طريق تنفيذ -رغم الإدانات العالمية الشديدة– القرار لمصادرة ما يقارب 4000 دونم من الأراضي من الطرف الفلسطيني من الخط الأخضر في أعقاب اختطاف وقتل ثلاثة شبان إسرائيليين قبل حرب غزة.
إعادة إحياء النقاش حول الميزانية –خصوصا حول ميزانية الدفاع على حساب الميزانيات المدنية– هو وجه آخر لهذا النمط. وهكذا أيضا الانشغال المجدد بقضايا فساد مهترئة وصراعات قوة في المراتب الحكومية العليا. الرسالة المعلنة واضحة.. يبدو أن المناوشات قد انتهت (رغم عدم وجود أي اتفاق نهائي). يتوجب علينا العودة إلى مظاهر الروتين السابق. وكأن المألوف يولد نطاق راحة مماثلا للحياة الطبيعية. العودة للوضع القائم متساوية مع الثبات.
إنه من الجذاب –بل المغري– الاستسلام لهذه العقلية. الانتقال من صيف حقا مؤلم إلى تحديات قديمة وجديدة في الداخل والخارج يساهم كثيرا في الامتناع عن عملية تأمل ذاتي مؤلمة ترهبها الحكومة الحالية ترهبها بشدة. نظرة دقيقة لما أدت إليه حرب الخمسين يوما وكيفية قيادتها، تعني الاعتراف بأن أهدافها لم تكن واضحة. إنها لم تحقق انتصارا حربيا. ربما كان هناك فشل دبلوماسي خلال الحرب. إن إسرائيل باتت منعزلة أكثر عالميا في ظل الحرب، والحكومة أبدت خللا جديا بتصرفها خلال أكثر الأوقات حساسية. هذا أيضا يعني التعامل بشكل مباشر مع التأثيرات الاقتصادية لـ «الجرف الصامد» وتأثيراتها الاجتماعية (خصوصا الارتفاع المفزع للعنصرية والتعصب). مع آثار المواجهة المطولة مع جهة حربية غير رسمية، مع نتائج القتل والدمار في غزة، والأهم من كل هذا الوصول أخيرا إلى درجة من التفهم والتسوية مع القضية الفلسطينية.
الجمهور الإسرائيلي في حالة صدمة. الأحداث التي جرت في الصيف الماضي هزت أعدادا كبيرة من المواطنين. هؤلاء المقيمون بالقرب من غزة وكذلك جميع السكان في الدولة عانوا كثيرا. لم تتأثر مصادر رزقهم فحسب، بل نفسياتهم أرهقت وثقتهم بأنفسهم تحطمت. بدون علاقة لميولهم السياسية لديهم جميعا الإدراك المشترك بأن الحرب لم تحل شيئا، وأنه إن لم يتم التحرك الآن فلا يوجد لديهم ما يتطلعون إليه سوى المزيد من الشيء نفسه.
هذه النظرة شبه القدرية بالإضافة إلى الرغبة القوية في نتيجة مختلفة، هي مما يصنع التحولات الجذرية. يمكن توظيف هذه التيارات في خطة للتغيير التي يمكن أن توفر مستقبلا مختلفا. ولكن الالتزام بمسار بديل إجباري من أجل تحقيق ذلك. مراجعة جريئة للتصرفات السياسية والحربية خلال الحرب من لجنة تحقيق مستقلة وليس من لجنة حكومية أمر ضروري. هذا هو واجب الحكومة تجاه نفسها وتجاه مواطنيها. المشاكل التي ظهرت في نطاق الهجوم والدفاع خلال القتال تعدت حدود المقبول. الكارثة الإنسانية في غزة والدمار المادي الشامل هناك يتطلب تفسيرا. التجربة المربكة لأهل النقب أيضا تتوجب محاسبة. هذه خطوات مؤلمة؛ التأمل الذاتي الذي تتضمنه عادة طاحن. ولكنه أيضا إتمام الضرورة الديمقراطية لمراجعة الذات حتى في أصعب الأوقات. القول القائل بأن المجتمعات التي لا تتعلم من أخطائها محتم عليها أن تكررها ملائم بشكل خاص لإسرائيل، بعد ثلاث حملات في غزة لم تحقق حتى الحد الأدنى من الأمن.