مفتي القدس في «مصابيح الدجى»
ثقافة وفنون
30 سبتمبر 2011 , 12:00ص
الدوحة - العرب
نتابع عند التاسعة من صباح اليوم الجمعة بتوقيت الدوحة عبر أثير البرنامج العام لإذاعة قطر، الحلقة الأخيرة من سلسلة البرنامج الوثائقي التسجيلي «مصابيح الدجى» الذي يعده ويكتب حلقاته الإعلامي عبدالعزيز السيد ويخرجها علي البحر على مدى ثمانين حلقة تقريبا قام بتوثيقها إذاعيا فريق العمل، ومن خلال لقاءات وتسجيلات حصرية لمعد البرنامج مع عدد كبير من العلماء الأجلاء في قطر والعالمين العربي والإسلامي.
وقال معد البرنامج إنه سعيد جدا لكونه نجح في تأدية جانب من رسالته الإعلامية في إعداد وتقديم سلسلة حلقات وثائقية متميزة كان المستمعون على مدى سنتين على موعد أسبوعي معها صباح كل جمعة في قالب إذاعي متميز اجتهد قدر الإمكان أن يكون مختلفا عن نوعيات البرامج التقليدية التي تناولت حياة العلماء في المحطات المختلفة، وهذا إنجاز يحسب للمؤسسة القطرية للإعلام خاصة إذاعة قطر؛ حيث إن نجاح أي برنامج لا بد أن يقترن بتجاوب المستمعين وثقة المسؤولين في إذاعة قطر وحرصهم على أهمية تقديم المعلومة الثرية لمسيرة حياة عدد كبير من الشخصيات الإسلامية والعلماء والدعاة وغيرهم ممن أسهموا في إثراء مسيرة الدعوة الإسلامية بفكرهم ونهجهم الذي استمدوه من مآثر السلف الصالح.
وقال عبدالعزيز السيد إن برنامج «ورثة الأنبياء» حظيت حلقاته التلفزيونية من قبل بمتابعة ثرية من المشاهدين عبر شاشة الفضائية القطرية، وهناك حلقات مميزة وجديدة لم تبث حتى الآن ويأمل أن ترى النور قريبا، أما عن الحلقات الإذاعية فقد أكسبتها إذاعة قطر ثوبا جديدا ومساحة كبيرة لبرنامج «مصابيح الدجى» في نسخته الإذاعية وضمن الخارطة البرامجية أسبوعيا في قطر والعالم العربي، وقد أسهم كل ذلك في تحقيق رصيد من المستمعين الذين وجدوا في هذه النوعية من البرامج الإذاعية ما كانوا يتطلعون إليه، وقد أعربوا عبر اتصالاتهم بفريق البرنامج عن شكرهم لهذا العمل، وأضاف أنه تمكن مع زميله المخرج علي البحر على مدى ثمانين حلقة من تقديم رؤية برامجية وإخراجية متميزة للبرامج الوثائقية الإذاعية التي ستبقى رصيدا من المعرفة ومرجعا للباحثين والدارسين في أرشيف إذاعة قطر استعان به عدد من الباحثين، لكون البرنامج لا يعتمد على السرد ونقل المعلومة فحسب بقدر اعتماده على تقديم الشخوص والتحدث معها والبحث في جذورها، ولعل سر نجاح هذه النوعية من البرامج أنها تستمد المعلومة الصحيحة من مصادرها والأحداث من شخوصها والمقربين إليها على امتداد العالم الإسلامي؛ حيث تمت معالجة النصوص وكتابتها وإعدادها اعتمادا على المواد الوثائقية التي قدمها البرنامج، وكذلك المراجع الخاصة المستمدة من مصادرها الأصلية والصحيحة.
وأشاد معد البرنامج بتجاوب المؤسسات الدعوية والثقافية في قطر والعالم العربي والشخصيات الدعوية والثقافية ومشاركتهم والتحدث في البرنامج، مشيراً إلى أن البرنامج تناول حياة أهم الشخصيات الإسلامية على مدى سنتين تقريبا، وفي مقدمتهم الشيخ عبدالله بن زيد آل محمد والشيخ عبدالله الأنصاري والشيخ القرضاوي والشيخ الشعراوي والشيخ عبدالحليم محمود والشيخ عجيل النشمي والشيخ زهير الشاويش والشيخ الأرناؤوطي، والشيخ عبدالله الخياط والشيخ السديس والشيخ آل شريم، والشيخ مقبل الوادعي والشيخ عبدالله النوري والشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ ابن جبرين والشيخ حسن خالد، ومجموعة كبيرة من أئمة الحرم المكي الشريف وأئمة الأزهر، وشخصيات إسلامية أخرى من اليمن والعراق ولبنان وفلسطين ومصر والمغرب العربي والسودان وتركيا والهند وباكستان والبوسنة والكويت وغيرها.
كما أن البرنامج حاز على جائزتين في مهرجان القاهرة ومهرجان الخليج بالبحرين، وندعو الله أن يوفقنا دائما في تقديم ما هو مفيد وجديد ومميز، والشكر والتقدير لإذاعة قطر وعلى رأسها مديرها الأخ الفاضل علي ناصر الكبيسي ومراقب البرامج محمد ناصر المهندي؛ فقد كان لتشجيعهما الأثر البالغ في نجاح هذا الجهد المبارك، كما أن الشكر موصول لكل من أسهم في إثراء هذه الحلقات سواء بالمشاركة المباشرة أو غير المباشرة، وقد أسهموا بلا شك في دعم حلقات البرنامج بروافد مضيئة من المعلومات وغيرها، ونأمل أن نحظى في الدورة البرامجية القادمة بنوعية مميزة من البرامج تضاف إلى جهود الزملاء والزميلات بإذاعة قطر.
أما في حلقة اليوم فإن فريق البرنامج سوف يشد الرحال إلى أرض الإسراء والمعراج في القدس لنتعرف على سيرة شخصية دعوية وجهادية حملت راية الدعوة بيد وراية الجهاد في سبيل الله بالأخرى؛ لنتعرف على جوانب مضيئة من حياة مفتي القدس فضيلة الشيخ سعد الدين بن جلال الدين العلمي الذي ولد في مدينة القدس الشريف في عام 1911 لسيد من أسياد القدس وأشرافها هو المرحوم جلال الدين العلمي الذي تزوج من ابنة عمه، وأنجبت له خمسة أبناء وبنات، ويتناول البرنامج جذور آل العلمي من المغرب التي ينتسب إليها شيخنا سعد الدين قبل أن تستقر العائلة في القدس فيها ومنهم جماعة أقامت في اللد وغزة وخرّجت كثيراً من العلماء والفقهاء والمفتين.
ويتناول البرنامج في المحطة الأولى نشأة الشيخ العلمي الذي نشأ في بيت علم، وأصبح فيما بعد من كبار علماء الدين الفلسطينيين، وكان يشغل منصبي مفتي القدس ورئيس الهيئة الإسلامية العليا حين وفاته، وقد تشكلت الهيئة الإسلامية العليا بعد الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية.
ونبدأ الحكاية من وفاة والده وهو في العاشرة من عمره حين خطفت يد الدهر والده الذي كان يحبه ويفضله على سائر أبنائه، ثم أدخلته والدته مدرسة (الفرير) التي كانت تعتبر في تلك الفترة مخصصة لأبناء الطليعة، فدرس فيها اللغة الفرنسية والإنجليزية إضافة إلى العربية، وكان طوال فترة دراسته يحرز الترتيب الأول في دفعته؛ حيث كانت أمنية الشيخ سعد العلمي وهو صغير أن يدرس العلوم السياسية، وقد شجعه على ذلك أحد أساتذته ورشحه لنيل منحة دراسية في باريس، لكن والدته -رحمها الله- رفضت وبكل إصرار وعناد، وأصرّت أن ترسله إلى الأزهر الشريف كوالدها وأجدادها. ثم ينتقل البرنامج إلى المحطات العلمية بعد تخرجه من الأزهر وتعيينه مدرساً في المسجد الأقصى في عام 1932، لكنه انتقل بعد عامين للتدريب في دار العلوم الإسلامية في يافا، ومن ثم انتقل للتدريب بمدرسة دار الأيتام الإسلامية في القدس في عام 1935 حتى عام 1948م؛ حيث كانت فلسطين تشهد تحولات جذرية كبيرة بدأت رحلة العمل الميداني للشيخ سعد الدين العلمي، وتدرج في المناصب؛ حيث عمل قاضياً لمحكمة الناصرة الشرعية وبقي فيها إلى نهاية زمن الانتداب البريطاني ومكث تحت الاحتلال الإسرائيلي مدة ثلاثة أسابيع ثم التجأ إلى الأردن، كما شغل بين عامي 1948 و1967 مناصب عدة؛ إذ كان قاضياً في رام الله ثم في نابلس وبعدئذ في القدس.
وفي محطة أخرى يتناول الدور الدعوي للشيخ سعد العلمي والدور النضالي والجهاد بالكلمة ضد المحتل الصهيوني للقدس وكيف ملأت المرارة نفسه في العاشرة والنصف من صباح الثلاثاء 28 صفر سنة 1387 هـ الموافق 6 يونيو سنة 1967 عندما دخل الجيش الإسرائيلي إلى ساحات المسجد الأقصى، وفتح جنوده أبواب مسجد قبة الصخرة ورفعوا علم إسرائيل فوق القبة، وتوجهوا إلى المسجد الأقصى، وحينما تعذر عليهم فتح أبوابه أطلقوا قنبلة مدفع على الباب الرئيسي فتهشم إرباً إرباً، ودخلت شظايا القنبلة إلى المحراب، واحتلوا المسجدين، ومنعوا المسلمين من الدخول إلى الحرم أو الصلاة فيه، ولأول مرة منذ فتح صلاح الدين الأيوبي لم تقم صلاة الجمعة في المسجد الأقصى يوم الجمعة 2 ربيع الأول سنة 1387 هـ، الموافق 9 يونيو 1967 لأن جيش إسرائيل كان يحتله.
وفي محطات أخرى تتوالى الأحداث التي يتناولها البرنامج وشهدها الشيخ العلمي لاسيَّما حريق الأقصى ومحاولات اقتحام الأقصى وهدم قبة الصخرة والمسجد الأقصى، وقصة الرشوة حتى يرضخ للأمر الواقع ويسمح للتهويد، ولم يرضخ للتهديد والإغراءات الصهيونية لأن الشيخ سعد الدين العلمي -رحمه الله- يمثل الحقيقة الإسلامية للقدس، وفي الوقت نفسه كان متصلاً بالحضارة المعاصرة، يتقن أكثر من لغة استغلها لخدمة قضية المسلمين، فاتصل برجالات العالم وأسهم في المؤتمرات. كانت سمعته الطيبة وشخصيته المحببة وصلاته الجيدة بالمجتمع إلى أن تعرض في أبريل من عام 1988م لاعتداء آثم على يد جنود الاحتلال الصهيوني، لم يكن هذا السلوك الوحشي غريبا على المحتلين فالشيخ الثمانيني من عمره حاربهم بالكلمة ومنطق التاريخ فحاربوه بالاعتداء والضرب أثناء خروجه من أداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى المبارك وقيادته تظاهرة احتجاجية على الممارسات الصهيونية في المدينة المقدسة، وعلى تزايد الاعتداءات على المقدسات الإسلامية فيها، وإغلاقها بدعوى امتداد الانتفاضة الشعبية الفلسطينية إليها، وظل متصديا لكل محاولات اليهود إلى أن فارق الشيخ العلمي هذه الحياة بعد سنوات طويلة من العطاء والتفاني في خدمة دين الله والدفاع عن أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين.