إذا نادى الرب العظيم فعلى الإنسان أن يستمع ويلبي ويعلم ما يجب أن يفعله وما يتركه

alarab
باب الريان 30 يوليو 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين. التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر. وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط. ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و»عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب. {فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ} أين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن مع ظهوره ووضوحه، وبيان كونه حقا من عند الله تعالى. كما قال الصديق رضي الله عنه لوفد بني حنيفة -قوم مسيلمة الكذاب بعد قتله- حين قدموا مسلمين وأمرهم فتلوا عليه من قرآن مسيلمة الذي هو في غاية الهذيان والركاكة. فقال لهم: ويحكم! أين يذهب بعقولكم؟! والله إن هذا الكلام لم يخرج من إلْ. أي: من إله. وقال قتادة: فأين تذهبون؟ أي: عن كتاب الله وطاعته. والمعنى: أي طريق تسلكون أبين وأقوم من هذا الطريق المستقيمة التي بينت لكم. وهذا استقلال لهم. كما يقال لتارك الجادة اعتسافاً: أين تذهب؟! مثلت حالهم بحاله في تركهم الحق، وعدولهم عنه إلى الباطل. {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} إن هذا القرآن ذكر لجميع الناس. ليس لقوم دون قوم، ولا لإقليم دون إقليم، ولا أهل لغة دون أهل لغة أخرى، ولا طبقة دون طبقة. بل هو ذكر للناس جميعا. يتذكرون به ويتعظون. وهذه السورة من أوائل السور في القرآن المكي. وقد أكد القرآن عالميته، وعالمية رسوله، وعالمية الإسلام، كما قال في سورة القلم: {وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [القلم: 52]. وفي سورة ص: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ} [ص: 87-88]. وفي سورة الأنعام: {إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ} [الأنعام: 104]. وفي سورة الأنبياء قال تعالى يخاطب رسوله محمدا: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. وفي سورة سبأ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]. وفي سورة الأعراف خاطب الله محمدا فقال: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا} [الأعراف: 158]. وكل هذه الآيات في القرآن المكي. فإعلان العالمية أصيل وقديم في هذا الدين. لم يأت نتيجة التفوق المادي أو الانتصار على المشركين. بل جاء وتكرر وانتشر والمسلمون قليل مستضعفون في الأرض يخافون أن يتخطفهم الناس فآواهم الله وأيدهم بنصره. فهكذا يجب أن نفهم ما قرره الله هنا في هذه السورة من قديم من عالمية هذه الدعوة بعالمية قرآنها، وعالمية رسولها، وعالمية مضمونها، وعالمية أمتها. وقد زعم بعضهم أنه لم يدعُ إلى العالمية إلا بعد صلح الحديبية، حين أرسل رسائله إلى كسرى وقيصر وإلى ملوك العالم الغربيين يدعوهم إلى الإسلام. وأنه قبل ذلك كان مشغولا بالعرب وحدهم. كما قال القرآن {لِتُنْذِرَ أم الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا} [الشورى:7]. وهذا سوء فهم كما قرره القرآن في هذا الأمر الكبير. فالرسول لا شك رحمة الله للعالمين. ورسوله إلى الناس جميعا. ولكنه مرسل لإنذار العرب في أم القرى ومن حولها بصفة خاصة. والخصوص هنا لا ينافي العموم لأنه يجب أن يبدأ أول ما يبدأ بمن حوله وأقرب الناس إليه. ثم يمضي في دعوته إلى النهاية. كما قال أيضا في هذا الوقت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: 214]. فهل ينذر عشيرته الأقربين من بني هاشم أو بني عبدمناف أو قريش، ويعرض عن سائر العرب؟ لم يفهم أحد ذلك من هذه الآية. ولا يمكن أن يفهم ذلك. ولكن الذي جعله يؤخر الأكاسرة والقياصرة والملوك والأمراء إلى الدخول في الإسلام، وأن يسلموا ليسلموا إلى ما بعد الحديبية: أنه لم يفرغ لدعوة هؤلاء قبل ذلك؛ لأنه في العهد المكي كان محصورا في قلب بلده يؤذى ويضطهد، ويحرم هو وأصحابه من كل حقوق الآدميين، حتى اضطر إلى الخروج من أحب بلاد الله إلى الله، ومن أحب بلاد الله إليه، إلى المدينة، ليقيم فيها للإسلام دارا جديدة ودولة جديدة. فرموه عن قوس واحدة، واجتمعوا على حربه وتجمعوا على إبادته في المدينة. ولكن الله نصره عليهم ورد كيدهم وأبطل مكرهم، حتى أجبروا على أن يعقدوا معه هذا الصلح. فتنفس صلى الله عليه وسلم الصعداء، وارتفع الخناق عن عنقه، وشعر بأنه أمسى قادرا على أن يكتب لزعماء العالم بعالمية الرسالة. { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ } ومع أن هذه الدعوة العالمية تدعوهم وتنذرهم وتذكرهم, إلا أن الذي يُهدى بنورها, ويتذكر بذكرها, ويسترشد بهديها إنما هو من شاء من المدعوين جميعا أن يستقيم, صاحب المشيئة الحرة, والإرادة المستقلة, التي لا يدخل عليها الناس, فيعوقونها, أو ينفرونها, أو يحرفونها, أو يخرجونها عن طبيعتها فتموت أو تضعف أو تذبل, ولا تقوم بدورها, بل تقوم بدور مضاد لدورها الأساسي, فتفسد حين يجب الإصلاح, وتؤخر حين يجب التقديم. فالمستفيد من المدعوين في العالم, وهم اليوم فوق السبعة بلايين، هو من شاء أن يستقيم, والاستقامة هنا تعبير عن الاهتداء إلى الإسلام, كما قال تعالى لرسوله: { فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [هود: 112]. وقد وهب الخالق سبحانه كل إنسان هذه المشيئة المستقلة, ليستخدمها في العمل لما يريده من خير أو شرن ومن حق أو باطل, ومن رشد أو غي. ولا يمنعه مانع من نفسه أو غيره, من إنس أو جن أن يهتدي ويستقيم فالباب مفتوح, والطريق مسلوك, { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ} [المدثر: 37], فمن شاء الاستقامة استقام, ومن شاء الانحراف انحرف, هكذا أعطى الله سبحانه الإنسان هذا الإمكان, إن شاء اهتدى, وإن شاء ضل, وإن شاء آمن, وإن شاء كفر, وإن شاء أحسن, وإن شاء أساء. { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } ولكن مشيئة الإنسان ليست مفروضة على النظام الذي وضعه الله لهذا الكون بما فيه ومن فيه, ولكنها جزء من مشيئة الله الذي نظم هذا العالم أفضل تنظيم, ورتبه أكمل ترتيب, فكل شيء فيه في موضعه, وكل مخلوق في مكانه, والله وحده هو الذي منح الإنسان- وهو أحد مخلوقاته المكرمة عنده- هذه المشيئة الحرة, فلا يظن أحد أنه هو صانع نفسه, أو أنه إله صغير, بل هو مخلوق لم يكن شيئا مذكورا, ربه العظيم هو الذي أوجده من عدم, وأحياه من موات, وأعطاه العقل والمواهب والقدرة والإرادة, فنحن نشاء ونريد, وننفذ ما نشاء وما نريد, لأن الله خالقنا جل جلاله, هو الذي شاء لنا هذا وامتن علينا بهذا, لأنه ربنا ورب العالمين. سورة الانفطار بسم الله الرحمن الرحيم {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ (3) وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (4) عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5) يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (8) كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (9) وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (12) إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ (16) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (17) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (18) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا وَالأمر يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ(19)} مقاصد السورة السورة مكية بالإجماع، وهي نظيرة سورة التكوير، وجاءت على طريقتها مبدوءة بكلمة (إذا) الشرطية، وإن كانت أهدأ نفسا، وأكثر رقة من الأولى. وكل من السورتين يذكّر بعلامات فارقة ومهمة قبل القيامة، ثم هنا نداء من الله تعالى للإنسان: ما الذي غره بربه الكريم خالقه ومسويه ومصوره وصاحب الفضل عليه، والإحسان إليه. ثم ندد بالمكذبين بالآخرة، وما فيها من الجزاء والحساب، مع أن كل شيء مسجل عليهم، ومدون في صحفهم، التي كتبها الملائكة الذين يحفظونهم، ويكتبون ما يفعلون، ثم بين –كما هو شأن كثير من سور هذا الجزء، كما مر في (عمّ) و(النازعات) و(عبس)- انقسام الناس في يوم الدين، يوم الجزاء إلى سعداء وأشقياء، أو إلى أبرار وفجار، عاقبة الأبرار النعيم، ونهاية الفجار الجحيم، سيصلونها في اليوم الآخر، الذي لا تملك فيه نفس لنفس شيئا، والأمر يومئذ لله. روى الإمام النسائي بسنده عن جابر قال: «قام معاذ فصلى العشاء الآخرة، فطوّل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أفتان أنت يا معاذ؟! أين كنت من: (سبح اسم ربك الأعلى)، (والضحى)، و(إذا السماء انفطرت)». وأصل الحديث مخرج في الصحيحين، ولكن ذكر (إذا السماء انفطرت) في أفراد النسائي. وتقدم من حديث عبدالله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من سره أن ينظر إلى القيامة رأي العين، فليقرأ (إذا الشمس كورت)، و(إذا السماء انفطرت)، و(إذا السماء انشقت). تتحدث السورة عن أشراط الساعة الهائلة، التي تقع قبل قيام الساعة، وهذه الأشراط أربعة، اثنتان منها تتعلق بعالم العلويات، واثنتان تتعلق بعالم السفليات. أولها قوله تعالى: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ}: والفطر: الشق، يقال: فطرته فانفطر، ومنه: فطر ناب البعير إذا طلع. أي: انشقت، كما قال في سورة قادمة: {إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ} [الانشقاق:1]، وقوله تعالى: {وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ} [الفرقان:25]، وقوله: {فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ} [الرحمن:37]، وقوله سبحانه: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا} [النبأ:19]. وقوله: {السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ} [المزمّل:18]. قال الخليل: لم يأت هذا على الفعل، بل هو كقولهم: مرضع وحائض، ولو كان على الفعل، لقال: السماء منفطرة به! {وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ}: أي: تساقطت وتناثرت، يقال: نثرت الشيء أنثره نثرا، فانتثر، والمعنى ظاهر؛ لأن عند انتقاض تركيب السماء، لابد من انتثار الكواكب على الأرض. هذان هما الأمران العلويان، وأما الأمران السفليان، فهما في قوله تعالى: {وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ}: ذكر العلماء في معنى تفجير البحار هنا: أنه ينفذ بعض البحار في البعض الآخر؛ لارتفاع الحاجز، الذي جعله الله برزخا بينهما، كما قال تعالى: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ} [الرحمن:19-20]. وحينئذ يصير الكل بحرا واحدا، وإنما يرتفع ذلك الحاجز، لتزلزل الأرض وتصدُّعها، حتى إن الجبال ينسفها ربنا نسفا. والمراد أن البحار هنا تتغير عن صورتها الأصلية وصفتها، وهو كما ذكر تغير الأرض والسماوات عن صفتهما، في قوله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ} [إبراهيم:48]. كما تتغير الجبال، حتى تصبح هباء منثورا، أو كالعهن المنفوش. {وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ}: أي: قلبت، وقلب ترابها، وأثيرت ونُثرت، كما يُبعثر الشيء المصفوف في صحن أو إناء فيقع على الأرض ويتبعثر، وينتشر على الأرض غير مرتب، فهكذا يُفعل بالقبور التي يدفن فيها الناس موتى، لينقلب أسفلها أعلاها، وباطنها ظاهرها، ويخرج ما فيها من الموتى أحياء، كما قال تعالى: {وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا} [الزلزلة:2]. أما ما يذكر من إخراج الذهب والفضة وأفلاذ كبد الأرض، فهو مما لا يكون في القبور. ذكر الإمام الرازي فائدة هذا الترتيب، فقال: «واعلم أن المراد من هذه الآيات بيان تخريب العالم، وفناء الدنيا، وانقطاع التكاليف. والسماء كالسقف، والأرض كالبناء، ومن أراد تخريب دار، فإنه يبدأ أولا بتخريب السقف، وذلك هو قوله: {إذا السماء انفطرت}، ثم يلزم من تخريب السماء انتثار الكواكب، وذلك هو قوله: {وإذا الكواكب انتثرت}، ثم إنه تعالى بعد تخريب السماء والكواكب، يخرب كل ما على وجه الأرض، وهو قوله: {وإذا البِحَار فُجّرتْ}، ثم إنه تعالى يخرب آخر الأمر الأرض التي هي البناء، وذلك هو قوله: {وإذا القبُور بعثرتْ} فإنّه إشارة إلى قلب الأرض ظهراً لبطن، وبطناً لظهر». {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ}: هذا هو جواب {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ}، كما كان الجواب في سورة التكوير: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ} [التكوير:14]. أي: إنه إذا انشقت السماء، وتساقطت النجوم، وانزاحت الحواجز بين البحار، فصارت بحرا واحدا، وأخرج ما في القبور من موتى أحياء إلى ربهم ينسلون، هناك تعلم كل نفس ما قدمت وما أخرت، ما عملت من حسن، أو سيئ، من طاعة أو معصية، من خير أو شر، فلم يعد هناك أحد قادر على أن يخبئ شيئا، أو يدخره لغد، فما عاد بعد ذلك غد. والمقصود من هذا: الزجر عن معصية الله تعالى، والترغيب في الطاعة، أي: يعلم كل واحد في هذا الحين ما قدم فلم يقصر فيه، وما قصر فأخر فيه. أو ما قدمه من عمل أنجزه في حياته، وما أخره منه فيستمر من بعده، كالصدقة الجارية، والعلم المنتفع به، والولد الصالح الذي يدعو له. أو ما قدم من أعمال صالحة قضاها وأنجزها، وما أخر من أعمال ضيعها ولم يؤدها كما أمر الله، كترك الصلوات وتأخير الزكوات. أو ما قدمه في أول عمره، وما أخره في أواخره. أو ما قدمه في حياته مما يستوعبه في عمره، وما يتأخر من بعده من أعمال آخرين، تكتب عليه، لأنه كان سببا فيها. كما قال تعالى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [القيامة:13]. {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}: خاطب الله جل جلاله في القرآن الإنسان المخلوق خطابا مباشرا له مرتين كلتاهما في هذا الجزء، مرة في هذه السورة، والأخرى في سورة الانشقاق حين قال: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إنّكَ كَادِحٌ إلى ربّكَ كدْحًا فَمُلاقِيه} [الانشقاق:6]. وهنا خاطب الرب الأعلى، الأحد الصمد، الإنسان المخلوق، {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ} إنه خطاب لجنس الإنسان، لا لشخص واحد، ولا لشعب واحد، ولا للون واحد، بل هو لهذا النوع كله: أبيضه وأصفره وأسوده، رجاله ونسائه. وإذا نادى الرب العظيم، فعلى الإنسان أن يستمع ويلبي، ويعلم ماذا يريد الله منه، وما يجب أن يعلمه الإنسان، وما يجب أن يعرفه، وما يجب أن يفعله، وما يجب أن يتركه. ينادي الله جل ثناؤه الإنسان: {مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}، أي: ما خدعك عنه، وأبعدك عن طريقه أو اتباع مرضاته، مع ما أعطاك من العقل الذي به تفكر، والإرادة التي بها ترجح، والقدرة التي بها تنفذ، وما يسر لك من معينات كثيرة تسدد خطاك، وترشد قواك، بعث لك خير نبي أرسل، وهيأ إليك خير كتاب أنزل، وأسبغ عليك نعمه ظاهرة وباطنة، فما الذي يجعلك تطرح هذا كله وراء ظهرك، وتمضي في طريق الشيطان الذي هو عدوك، وقد حذرك الله منه، وقال: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر:6]. فكيف تخدع وتطيع وترضي الشيطان، وتعصي وتغضب الرحمن؟! لقد تحدث الكثير من المفسرين عن الأمور التي خُدع بها الإنسان، ويمكنه أن يجيب بها، فكان بعضها حقا، وبعضها لا شك باطلا. فمما قاله بعضهم: قوله: (غرني كرمك). وقال بعضهم: غره حمقه وجهله، كما قال تعالى: {إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [الأحزاب:72]. وقال إبراهيم بن الأشعث: قيل للفضيل بن عياض: لو أقامك الله يوم القيامة، فقال: ما غرك بربك الكريم؟ ماذا كنت تقول؟ قال: كنت أقول: غرني ستورك المرخاة. فنظمه محمد ابن السماك، فقال: يا كاتم الذنب أما تسحتي *** والله في الخلوة ثانيكا غرك من ربك إمهاله *** وستره طول مساويكا وقال ذو النون المصري: كم من مغرور تحت الستر وهو لا يشعر. وأنشد أبو بكر بن طاهر الأبهري في هذا المعنى: يا من غلا في الغي والتيه... وغره طول تماديه أملـى لك الله فبارزته... ولم تخف غب معاصيه وناس يقولون: ما غرك؟ أي ما خدعك وسوّل لك حتى أضعت ما وجب عليك؟ وقال ابن مسعود: ما منكم من أحد إلا سيخلو الله به يوم القيامة، فيقول: يا بن آدم ما غرك بي؟ يا بن آدم ماذا عملت فيما علمت؟ يا بن آدم ماذا أجبت المرسلين؟ وزعم بعضهم: أنه إنما قال: {بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}، دون سائر أسمائه وصفاته الأخرى، كأنه لقّنه الإجابة، أي: ليقول: غرني كرمك، قال ابن كثير: وهذا الذي تخيله هذا القائل ليس بطائل؛ لأنه إنما أتى باسمه {الكريم} ؛ لينبه على أنه لا ينبغي أن يقابل الكريم بالأفعال القبيحة، وأعمال السوء.أهـ. وهذا كلام مقبول موزون. {الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}: أي الذي جعلك سويا معتدل القامة منتصبها، في أحسن الهيئات والأشكال. كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين:4]. {وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ} [التغابن:3]. وهنا جمع للإنسان بعد الخلق التسوية: فالعدل والتسوية: هي جعل الأعضاء سليمة سوية معدة لمنافعها، وعدلها: أي عدل بعضها ببعض بحيث اعتدلت ولم تتفاوت أو تتضارب، وصرفها عن خلقة غير مناسبة لها. ومن قرأ (فعدّلك)، فمعناها: صيرك معتدلا متناسب الخلق، من غير تفاوت فيه، وبهذا ميز الله الإنسان عن البهائم. {فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ}: أي: ركبك ربك في أي سورة شاءها واختارها لك من الصور المختلفة العجيبة الحسنة، ومن أسمائه تعالى «المصور». و(ما) قالوا: إنها مزيدة، وما معنى مزيدة؟ إن كان ذلك في الإعراب، فلا بأس بذلك، أما الزيادة بمعنى أنها لا فائدة لها، فهذا ما لا نوافق عليه في القرآن، فكل حرف فيه يقال: إنه مزيد، له معنى، وله ثمرة من غير شك، وزيادتها تدل على تفخيم ما اتصلت به. وإنما لم يعطف الجملة على ما قبلها، لأنها بيان لـ(عدلك). ويجوز أن تكون (ما) شرطية، أي: إن شاء ركبك في غير سورة الإنسان، من صورة قرد أو حمار أو كلب أو خنزير، و(ما) بمعنى الشرط والجزاء، أي: ما شاء أن يركبك فيها ركبك.