العنابي.. يحتاج إلى «غربلة شجاعة»

alarab
رياضة 30 يونيو 2026 , 01:23ص
علي حسين

من مراجعة الإخفاق إلى صناعة الإنجاز مشروع جديد لعودة العنابي 

 العنابي يحتاج إلى ثورة فنية لا مجرد تغيير أسماء والوقت لا ينتظر

رؤية فنية وخريطة طريق جديدة للمستقبل تبدأ من الأولمبي والشباب

 الجيل الحالي ذهبي وسيبقى محفورًا في ذاكرة الرياضة القطرية

 

لكل منتخب كبير محطات يتوقف عندها ليعيد قراءة نفسه، ولكل مشروع رياضي لحظات تتطلب قرارات جريئة تتجاوز ردود الفعل المؤقتة إلى صناعة مستقبل أكثر استقرارًا. وما حدث للمنتخب القطري في كأس العالم، رغم مرارته، يجب ألا يكون نهاية الحكاية، بل بداية مرحلة جديدة تقوم على الشفافية والمصارحة والعمل العلمي، لأن المنتخبات الكبيرة لا تقاس بعدد انتصاراتها فقط، وإنما بقدرتها على النهوض بعد الإخفاق.
الحديث عن إعادة بناء العنابي لا يعني التقليل من قيمة الجيل الذي حمل راية الكرة القطرية خلال السنوات الماضية، بل على العكس تمامًا. فهذا الجيل سيبقى محفورًا في ذاكرة الرياضة القطرية بعدما حقق إنجازًا تاريخيًا بالفوز بكأس آسيا مرتين، وقدم صورة مشرقة للكرة القطرية في مختلف المحافل القارية، وكتب أسماءه بأحرف من ذهب في سجل الإنجازات. وكل لاعب ارتدى شعار المنتخب خلال تلك المرحلة يستحق الشكر والامتنان والتقدير، لأن ما تحقق لم يكن وليد الصدفة، وإنما جاء ثمرة سنوات من العمل والاجتهاد.

 وقت صناعة المستقبل 
لكن كرة القدم لا تعرف العواطف، ولا تعترف بتاريخ اللاعب عندما يحين وقت صناعة المستقبل. فالمنتخبات التي بقيت في القمة لعقود طويلة هي التي امتلكت شجاعة اتخاذ القرار في الوقت المناسب، بعيدًا عن المجاملات أو الحسابات الشخصية. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تستوجب إعادة تقييم شاملة لكل عناصر المنتخب، وفق معايير فنية وبدنية وذهنية واضحة، بعيدًا عن الأسماء أو التاريخ أو الشعبية.
المنتخب القطري اليوم بحاجة إلى غربلة مدروسة، لا تعني الإقصاء الجماعي، وإنما تعني اختيار اللاعب الأكثر جاهزية وقدرة على خدمة المشروع الجديد. فمن الطبيعي أن تستمر بعض الخبرات التي لا تزال قادرة على العطاء، لكن من الضروري أيضًا منح الفرصة لجيل جديد ينتظر منذ سنوات إثبات نفسه. فلا يمكن أن نبني منتخبًا للمستقبل إذا ظل الباب موصدًا أمام المواهب الصاعدة.

الشباب المخزون الحقيقي 
وهنا تبرز أهمية المنتخب الأولمبي ومنتخبات الشباب باعتبارها الخزان الحقيقي للعنابي خلال السنوات المقبلة. فهذه المنتخبات تضم عناصر واعدة تمتلك الجودة والمهارة والطموح، لكنها تحتاج إلى الثقة وإلى فرصة حقيقية للمشاركة، لا مجرد استدعاءات شكلية في المعسكرات. فاللاعب الشاب لا يكتسب شخصية المنافسة إلا عندما يشعر بأن الطريق إلى المنتخب الأول مفتوح أمامه وفق معايير عادلة.

 استثمار حقيقي للمواهب 
كما أن أكاديمية أسباير، إلى جانب الأندية القطرية، قدمت خلال السنوات الماضية عشرات المواهب التي تستحق المتابعة الدقيقة. والاستثمار الحقيقي في هذه المواهب لا يكون بالحديث عنها في المؤتمرات الصحفية، وإنما بإشراكها تدريجيًا في المباريات الدولية، حتى تتكون نواة قوية لمنتخب قادر على المنافسة خلال السنوات المقبلة، وليس فقط المشاركة.
ولا يقتصر مشروع إعادة البناء على اللاعبين وحدهم، بل يبدأ من الجهاز الفني أيضًا. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى مدرب يملك مشروعًا واضحًا، لا مجرد اسم كبير في عالم التدريب. المطلوب شخصية تؤمن بتطوير اللاعبين، وتجيد صناعة الهوية الفنية، وتملك الجرأة في اتخاذ القرار، ولا تخشى الدفع بالشباب إذا كانوا يستحقون الفرصة.

 رؤية طويلة المدى 
المدرب القادم يجب أن يكون صاحب رؤية طويلة المدى، يعرف كيف يبني فريقًا متجانسًا، ويضع أسلوب لعب ثابتًا يعكس شخصية الكرة القطرية. كما ينبغي أن يكون قادرًا على التعامل مع الضغوط الجماهيرية والإعلامية، وأن يعمل بالتنسيق الكامل مع الاتحاد والأندية ومنتخبات الفئات السنية، حتى يصبح الجميع جزءًا من مشروع واحد، لا مشاريع متفرقة.
 معايير اختيار اللاعبين 
ولا يمكن أن ينجح أي مشروع جديد دون وجود معايير واضحة لاختيار اللاعبين. فالقميص الوطني يجب أن يكون للأكثر عطاءً وانضباطًا وجاهزية، لا للأكثر شهرة أو أقدمية. فالمنافسة العادلة هي التي ترفع مستوى الجميع، وتجعل كل لاعب يدرك أن مكانه في المنتخب مرتبط بما يقدمه داخل الملعب، وليس بما حققه في الماضي.
كما أن المرحلة المقبلة تتطلب تطويرًا أكبر في الجوانب البدنية والذهنية، لأن كرة القدم الحديثة أصبحت تعتمد على الإيقاع العالي والجاهزية الكاملة طوال تسعين دقيقة. ولم يعد التفوق المهاري وحده كافيًا لتحقيق الانتصارات، بل أصبح الانضباط التكتيكي واللياقة الذهنية والقدرة على التعامل مع الضغوط عناصر لا تقل أهمية عن المهارة الفنية.
 الوقت لا يزال متاحا 
ومن حسن الحظ أن الوقت لا يزال متاحًا لبناء هذا المشروع، فالعنابي تنتظره استحقاقات عديدة، وفي مقدمتها كأس الخليج السابعة والعشرون، ثم كأس آسيا، إضافة إلى الاستحقاقات الدولية المقبلة، وهي بطولات يجب استثمارها في صناعة منتخب المستقبل، لا الاكتفاء بالبحث عن نتائج وقتية قد تؤجل المشكلة دون أن تعالجها.
هذه المشاركات ينبغي أن تتحول إلى مختبر حقيقي لتجربة العناصر الجديدة، ومنحها دقائق اللعب الكافية، حتى تتراكم خبراتها تدريجيًا، ويصل المنتخب إلى الاستحقاقات الكبرى وهو يمتلك فريقًا متجانسًا، يعرف كل لاعب فيه دوره ومسؤوليته.

 إضافة دماء جديدة 
إن إعادة البناء لا تعني هدم كل ما سبق، بل تعني البناء على الأساس القوي الذي صنعه الجيل الذهبي، مع إضافة دماء جديدة تمنح المنتخب الحيوية والاستمرارية. فالنجاحات الحقيقية لا تتحقق بالاعتماد على جيل واحد، وإنما بتجدد الأجيال واستمرار المنافسة.
وفي النهاية، فإن الجماهير القطرية لا تبحث عن حلول سريعة أو وعود إعلامية، بل تريد رؤية مشروع واضح المعالم، يقوم على التخطيط والعمل والعدالة في الاختيار. فالعنابي يمثل طموحات وطن بأكمله، ودولة أثبتت للعالم قدرتها على تنظيم أكبر الأحداث الرياضية، وهي قادرة أيضًا على صناعة منتخب ينافس بقوة على أعلى المستويات.
إنها لحظة اتخاذ القرار، ولحظة الانتقال من مرحلة ردود الأفعال إلى مرحلة صناعة المستقبل. فإذا أحسن الجميع استثمار دروس المونديال، فإن العنابي سيعود أقوى، وسيولد جيل جديد يحمل الراية بكل فخر، ويواصل كتابة تاريخ الكرة القطرية، مستندًا إلى إرث جيل يستحق كل الاحترام، وطموح جيل يتطلع إلى صناعة أمجاد جديدة.