مواطنون: «القرنقعوه» جزء من تاريخنا وموروثنا الثقافي والاجتماعي
تحقيقات
30 يونيو 2015 , 04:36ص
الدوحة - العرب
حركة دؤوبة في عز الظهيرة يشهدها سوق واقف هذه الأيام، خصوصا محلات الحلويات والمكسرات وملابس الأطفال التراثية الخاصة بليلة «القرنقعوه» التي يرفض المجتمع القطري التخلي عن الاحتفال بها، ويبدو أن العائلات القطرية استغلت إجازة الأسبوع وما بعد صلاة الظهر الذي تقل فيه حركة المرور من أجل الاستعداد لهذه الليلة.
فعربات الحمالين في حركة دؤوبة ما بين محلات الحلوى والمكسرات ومواقف السيارات، والتجار تعلو وجوههم الفرحة بقوة الإقبال على بضاعتهم، حتى إن أحدهم ذكر أن المحل التجاري الخاص به نفذت منه كمية الحلوى والمكسرات الخاصة بهذه الليلة مما اضطره لإعادة شحنه مرات.
وأثناء تجوال كاميرا «العرب» داخل سوق واقف تبين أن الجميع يحمل هم توفير الهدايا للأطفال الذين يحتفلون غداً بليلة «القرنقعوه» مجسدين تمسكهم بالتراث والأصالة والموروث الشعبي، حيث يتجمع الأطفال ويخرجون في جماعات يجوبون الأحياء، ويطرقون أبواب الجيران، حاملين في أيديهم أكياساً فارغة من القماش، ويعودون إلى منازلهم محملين بكافة أنواع المكسرات والحلوى. ويرتدي الأطفال في هذه الليلة الملابس التقليدية الزاهية، فالفتيات يرتدين «الثوب الزري» ويضعن «البخنق»، بالإضافة إلى التقلد بالحلي التقليدية، أما الأولاد فيرتدون عادة الأثواب الجديدة، ويضعون على رؤوسهم «القحفية»، وقد يرتدون كذلك «السديري» المطرز. وتهتف حناجر الأطفال خلال احتفالهم بأهزوجة خاصة بهذه المناسبة، فيقولون: «قرنقعوه.. كركاعوه عطونا الله يعطيكم.. بيت مكة يوديكم.. يا مكة يا المعمورة.. يا أم السلاسل والذهب يا نورة.. عطونا من مال الله.. يسلم لكم عبد الله.. عطونا دحبة ميزان.. يسلم لكم عزيزان.. يا بنية يا الحبابة.. أبوج مشرع بابه.. باب الكرم ما صكه.. ولا حط له بوابة».
يقول صلاح سرور: إن ليلة القرنقعوه تعتبر جزءا من الماضي المجيد والتراث العريق لشعب قطر ولشعوب منطقة الخليج بشكل عام، وأضاف: مناسبات دينية واجتماعية وثقافية وتراثية تتكرر في كل سنة ويستغرب البعض من اهتمام الجميع بها والكتابة عنها ما دامت هي هي، لكن فات على من يستغرب ذلك أن الأمم والشعوب تقاس بماضيها وتراثها الذي يعتبر جزءا من ثقافتها وحاضرها ومستقبل أجيالها، وليلة «القرنقعوه» تعتبر ليلة تراثية بامتياز عند شعوب منطقة الخليج العربي التي سخّرت وسائل التكنولوجيا الحديثة لخدمة تراثها والتعريف به، لذا نشاهد استعداد الجميع لها، فالأسواق بدأت الاستعدادات لهذه الليلة، حيث رتب التجار ملابس الأطفال المزركشة التي تعبر عن التراث الجميل –رتبوها- على أرفف محلاتهم التجارية، وتزينت محلات الحلويات بوشاح القرنقعوه وعرضت العديد من الحلويات والمكسّرات المميزة الخاصة بهذه الليلة التي تعتبر ليلة الطفولة البريئة بامتياز، ففي كل عام يخرج الأطفال ليلة النصف من شهر رمضان المبارك إلى الساحات للتعبير عن فرحهم ويطوفون على البيوت حاملين معهم أكياسا يضعون فيها هدايا الأهل والأقارب الذين يحرصون على تجهيز هدايا الأطفال في هذه المناسبة التي تعبّر عن تمسك سكان هذا الجزء من العالم بتاريخهم واعتزازهم بتراثهم، وقد جئت هنا اليوم كغيري من أبناء هذا البلد لأشتري للأطفال ملابسهم الخاصة بهذه الليلة.
اشتقاق الكلمة
ويرى عبدالله مهنا أن الروايات تختلف حول اشتقاق كلمة « قرنقعوه» بين من يرى أنها مشتقة من القرع على الأواني التي كان الأطفال يحملونها ليضعوا فيها الهدايا، وبين من يذهب بعيدا بهذه المناسبة، وأيا ما يكون، فإن الذي يهمنا هنا هو دخولها في تراث «هل قطر» والشعوب الخليجية عامة، وينبغي التمسك بعاداتنا وتقاليدنا ونقلها من جيل إلى آخر، وبالتالي أفقنا على هذه الليلة وأدركنا الآباء والأمهات يولونها اهتماما كبيرا، حيث يحرص الكبار على تجهيز هدايا الأطفال مما هو موجود في ذلك الوقت، فقد كنا نتلقى حلوى تصنعها الأمهات، وبعض علية القوم كان يوزع نقودا، في ذلك الوقت، لكن الهدايا الأكثر انتشارا في تلك الحقبة الجميلة هي الحلوى وجزء من موائد الإفطار، لكنها كانت تلامس نفوس الأطفال، وكانت الأمهات بالذات يعبرن عن فرحهن وسرورهن بطواف أطفال الحي على البيوت يرددون أهازيجهم، فقد كنت أرى علامات السعادة الغامرة على وجوه أمهاتنا وجداتنا.
ودعا جميع الأسر القطرية إلى الاهتمام بهذه الليلة وتشجيع الأطفال على الخروج فيها والاحتفال وممارسة نفس الطقوس التي كانت سائدة فيما مضى، حتى يتعود أطفالنا على الاهتمام بتراث آبائهم وأجدادهم.
مناسبة فرح وليست بدعة
من جانبها تقول هيا عبدالله: إنها أكملت استعدادها لليلة القرنقعوه، حيث اشترت ملابس أطفالها المزركشة، بالإضافة إلى جولتها على محلات المكسرات والحلوى الخاصة بهذه المناسبة، لتي تعتبرها مناسبة سعيدة لكل المجتمع، حيث إن أي أم أو أب سيكونون سعداء فيما لو رأوا أطفالهم فرحين بأي مناسبة، فما بالكم بمناسبة تعتبر جزءا من تراثنا العريق وعاداتنا وتقاليدنا التي ينبغي أن نحييها، ونشجع الأجيال الجديدة على التمسك بها ومعرفتها.
ولفتت هيا إلى أن الآباء والأمهات يتوافدون على الأسواق من أجل اقتناء كل ما يدخل ضمن فعاليات هذه المناسبة، بالإضافة إلى توافدهم على أفرع البنوك لتغيير مبالغ وتحويلها إلى فئات 10 ريالات، و5 ريالات، و50 ريالا، و100 ريال، لأن تعودوا على أن أطفال الحي يطرقون أبوابهم طوال وقت الاحتفال بهذه الليلة، وبالتالي يستحي الكبار من أن يردوا طفلا دون أن يعطونه الحلوى والمكسرات والنقود المعدة لهذه الغاية، فهؤلاء فلذات أكبادنا، وفرحهم جزء من حياتنا، فنحن نسعى ونعمل من أجل أن تظل البسمة تعلو شفاه هؤلاء البراعم الذين هم كل شيء في حياتنا، من هنا تظهر أهمية هذه الليلة التي تعتبر من أهم ظواهر التراث القطري خلال الشهر الفضيل، فهي مناسبة ينتظرها الأطفال والكبار ويتذكر فيها الجميع ماضي الآباء والأجداد، ممزوجاً بعبق التراث.
مناسبة ثقافية خليجية
بدوره شرح علي ناصر المهندي أبعاد وأهمية المناسبات التراثية، خصوصا ليلة القرنقعوه التي هي مناسبة خليجية، موضحا أن الاحتفالات الخاصة بهذه الليلة كانت في الماضي تبدأ بعد الإفطار وتستمر حتى منتصف الليل، الأمر الذي يعكس أن هذه ليلة تعكس التراث القديم والعادات الشعبية، حيث يخرج الأطفال في مجموعات إلى الفرجان والأحياء، حاملين معهم أكياسا من القماش ويطوفون على المنازل القريبة مرددين أغنيتهم الخاصة بالمناسبة، ويطرقون الأبواب ليحصلوا على الحلوى والمكسرات، ورغم التطور الحاصل في مناحي الحياة تزداد أهمية هذه الليلة وتترسخ أكثر بفضل الجهود الخيرة لحكومتنا الرشيدة، كما أن التقدم في صناعة الأطعمة والحلويات أسهم هو الآخر في تشبث الجميع بهذه الليلة وأعطاها مكانة خاصة نتيجة لتطور صناعة أنواع جديدة من الحلوى والمكسرات، وهو ما يعكس جماليات هذه المناسبة الشعبية التي تشجع أفراد المجتمع على التكافل الاجتماعي ومساعدة بعضهم البعض، وهنا لا بد أن أشيد بجهود مختلف الجهات والهيئات الثقافية ومنظمات المجتمع المدني والأندية الثقافية والرياضية في دولة قطر التي تتسابق إلى إحياء هذه المناسبة وإبقائها حية في نفوس الأجيال الجديدة، مما يعكس عمق ومفهم كل تلك الجهات لأهمية الثقافة والتراث.
أسعار الملابس مبالغ فيها
أم علي لم ترغب في أن تفوت فرصة هذه المناسبة، فقد جاءت لاقتناء ملابس لأطفالها الذين تعودوا على مشاركة أقرانهم الاحتفال بليلة القرنقعوه، لكنها أشارت إلى أن التجار يبالغون في أسعار الملابس، إذ لا يوجد ثوب لطفل أو عباية لبنت بسعر أقل من 90 ريالا، وهناك أنواع تزيد أسعارها عن المئة ريال، لكن يهون هذا كله أمام فرحة أطفالنا الذين لا يمكن للحياة أن تأخذ مسارها الطبيعي دون فرحتهم، وأردفت: مناسبة ليلة القرنقعوه من أجمل المناسبات الثقافية لهذا البلد، وهي جزء من تاريخ المنطقة، وهناك شعوب إسلامية كثيرة تهتم بهذه المناسبة بشكل كبير، وهنا لا بد للجميع أن يدركوا أن حضارات الشعوب والأمم وتراثهم يعتبر جزءا من حياتهم، وبالتالي لا يمكن التخلي عنه مهما كانت المبررات، فالأمم القوية هي التي تواصل العمل ليل نهار لاكتشاف كنوز ومعارف وثقافات القرون البائدة التي كانت تعيش على حيزهم الجغرافي، ونحن مطالبون أكثر بالمشاركة في ذلك، ناهيكم عن ضرورة محافظتنا على عادات وتقاليد ما زالت حية لله الحمد.
وتحدثت أم علي عن الماضي الجميل الذي كانت تطبعه البساطة والحب والإخاء، فأطفال القرية أو الفريج كانوا يعرفون بعضهم بعضا، ويعرفون الأهالي ويميزون بين البيوت، بحيث يعرفون أن هذا بيت آل فلان، وذاك بيت فلان، ويعرفون مسبقا ما الذي سيجدونه عند هذا لبيت، وما الذي سيجدونه عند أهل البيت الآخر، لذا كانوا يعودون بهدايا متنوعة، وأطعمة وحلويات مختلفة، نظرا لاختلاف قدرات الجميع وتفاوت حالهم، أما اليوم فقد صار الأطفال يعودون بنفس العينات من الحلوى والمكسرات، لكن يبقى الاحتفال بالمناسبة هو الأهم وتبقى المحافظة عليها جزء من التراث والثقافة ضروري في عصر تكاد الحياة المدنية الحديثة تقضي فيه على مظاهر التراث الجميل.
موسم هام للتجار
أما التاجر غلام رضا فيؤكد أن الإقبال على سوق الحلويات والمكسرات بدأ منذ اليوم السابع لشهر رمضان، استعدادا فيما يبدو لليلة القرنقعوه التي تعتبر موسما هاما من مواسم سوق الحلويات والمكسرات، لافتا إلى أن المحلات عرضت هذا العام نماذج جديدة من الحلويات والمكسرات المميزة الخاصة بهذه الليلة، وبأسعار مقبولة، مشيراً إلى أن أسعار المكسرات والحلويات تختلف بحسب نوعية المادة، فهناك أنواع يبدأ سعرها من 20 ريالا، وبعض المكسرات يبلغ سعر الكيلو جرام منها 75 ريالا، ولكل جمهوره، فالعائلات الميسورة تشتري أفخم الأنواع وبكميات كبيرة، أما العائلات المتوسطة فهي تشتري الأنواع الأخرى، كل حسب قدرته الشرائية، والمهم أننا نفر للجمهور عرضا متنوعا يتناسب مع دخل الجميع.
أما المسؤول عن أحد محلات الحلوى ناصر فيؤكد على أن الإقبال كبير جدا، وقد بلغ ذروته ابتداء من يوم الجمعة، حيث اضطر إلى إبقاء بعض عماله عند المخزن ليستجيبوا لطلب المحل وإرسال مختلف أنواع الحلوى والمكسرات، لأن الكمية الموجودة في المحل سرعان ما تنفذ مما يجعله بحاجة إلى إرسال شحن المحل من جديد، وهذه فرصة ومناسبة من المناسبات السعيدة التي تنتعش فيها الحركة التجارية في محلات الحلوى والمكسرات.
الأسعار مقبولة
أثناء حديثنا مع تجار الملابس ونقلنا لهم شكوى بعض الزبناء من ارتفاع الأسعار قال رؤوف الدين: إن الأسعار طبيعية، نظرا لما تأخذه صناعة الثوب التراثي المزركش من جهد مادي ووقت، فتفصيل هذا الثوب وخياطته تختلف عن الثوب العادي، لذا لا يمكن أن نقارن سعر الثوب العادي بسعر الثوب المزركش والمطرز الذي يتطلب تفصيله وخياطه الكثير من المهارة والجهد، وشراء واستخدام كميات كبيرة من الأسلاك الفضية والذهبية التي تدخل في عملية صناعة هذه الأثواب، لكن هناك أنواع تناسب الجميع، نظرا لقماشها منخفض التكلفة، وسعرها لا يتجاوز 90 ريالا، بينما توجد أنواع أخرى أغلى من ذلك، لأسباب لا يمكن أن يدركها إلا من لديه إلمام بأسعار الأقمشة التي تفصل منها هذه الثياب الملونة.