ثورات الربيع العربي بشارة بانتصار الإسلام
محليات
30 يونيو 2012 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
قال فضيلة الشيخ الدكتور محمد بن عبدالله الهبدان التميمي إن تجمعاً كبيراً من قوى مختلفة تحتشد في العالم لتمزيق شمل المسلمين، ولكن الله تعالى يبطل مؤامراتهم ويرد كيدهم في نحورهم، ويظهر كلمة الحق ويزهق الباطل وأهله، وبين بخطبة الجمعة بجامع الإمام محمد بن عبدالوهاب أمس أن الله تعالى قهر قوى الظلم والطغيان في كل بلاد المسلمين، وحقق الفوز بمصر لرجل يحمل هم الإسلام والمسلمين صدقاً لا كذباً.
ونوه الهبدان الداعية السعودي وعضو رابطة علماء المسلمين بالثورات التي تجتاح العالم العربي والإسلامي. مبيناً أنها تحمل نصر الإسلام والمسلمين وتوحد الصفوف وتجمع الكلمة وتعيد الشعوب إلى ربها ودينها وخلقها الكريم. موضحاً أن الشدائد التي تمر به أمة الإسلام اليوم كشفت أهل الحق والخير، كما كشفت أهل النفاق والضلال. مشيراً إلى أن أهل الشام الذين يخوضون معركة الحرية والكرامة وتحرير الإنسان يقولون بهتافاتهم: «لن نركع إلا لله»، ويقولون «يا الله يا الله ما لنا غيرك يا الله»، وقد غدت المساجد تمتلئ بالشباب في سوريا بعد أن كانت شبه مهجورة، وتجتمع كلمة المسلمين وتتوحد صفوفهم كلما تجمع أهل الشرك واحتشدوا لتدمير أمة الإسلام وحرفها عن دينها الحق. وتساءل الشيخ الهبدان في بداية خطبته قائلاً: هل هناك أحد من البشر خير من الرسول محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهل هناك جيل أكرم وأفضل من جيل الصحابة (رضي الله عنهم وأرضاهم). مبيناً أنه ورغم أن الرسول عليه السلام أذكى البشرية وأصحابه خير القرون، إلا أن الله -تعالى- قد ابتلاهم ببلاء جسيم، وقد زلزلوا زلزالاً شديداً. فقد ابتلاهم الله ببلاء الحرب وزوال الأمن، بلاء الأحزاب الذين تجمعوا واحتشدوا عن قوس واحدة للقضاء على المدينة وأهلها، فقد قام عصبة من يهود بتحريك قبائل من العرب وغيرهم للنيل من الرسول -عليه السلام- وصحابته ودولته الوليدة، وهكذا هم يهود على مر الزمان يعيشون كالطفيليات على حساب غيرهم.
ثقافة أخرى
وبين الدكتور الهبدان أن الأحزاب كونوا جيشاً عرمرماً ليبيد خضراء المدينة، وبدأت الحشود بالتجمع ونقلت الاستخبارات على النبي الكريم الأنباء عن تحركات جيش الأحزاب، فاستشار النبي -عليه السلام- أصحابه، فأشار سلمان الفارسي -رضي الله عنه وأرضاه- بفكرة رائعة لم تكن العرب تعرفها من قبل؛ وذلك بحفر خندق من الجهة الشمالية للمدينة ذلك الوقت، وهنا تبرز أهمية أن تكون مجالس الشورى مقصورة على أهل ثقافة معينة، فأهل الثقافات الأخرى يمدون أهل الرأي وصناع القرار بأفكار جديدة وتجارب مختلفة، وهذا فقد بدأ الصحابة الكرام بحفر الخندق يشاركهم الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالحفر والجوع والتعب، يسهر معهم ويجوع معهم لم يتميز عنهم بشيء، بل كان يعيش معهم نفس الحدث ونفس الظروف.
تمايز الصفوف
وأوضح الدكتور الهبدان أن ساعة الصفر حانت وأقبل الأحزاب بعشرة آلاف مقاتل للقضاء على مهد الرسالة، وحاصروا المسلمين بالمدينة حصاراً خانقاً، وهنا تتمايز الصفوف بين أهل الإيمان وأهل النفاق، فأهل الإيمان قالوا هذا وعد الله ورسوله، قال تعالى: «وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا»، أما أهل النفاق فقد خارت قواهم وأرجفوا وأثاروا الإشاعات بين الناس، قال تعالى: «وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا»، حتى أن أحد المنافقين كان يقول: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وقالوا تنصلاً من الجهاد وهرباً منه يستأذنون بالخروج من المدينة: «وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا». وبدأ الحصار على المسلمين شديداً قوياً مؤلماً، وحاول الكفار اختراق الخندق ولكن لا جدوى، وقد تضايق الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه ليس من الرباط، ولا من قتال هؤلاء الأوباش، ولكن من انشغالهم عن الصلاة وتأخرهم عنها. عَنْ جَابِرِ بْنِ عبداللَّهِ، قَالَ: «جَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَيَقُولُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا صَلَّيْتُ الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَغْرُبَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا صَلَّيْتُهَا، فَنَزَلْتُ مَعَهُ إِلَى بَطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ، وَتَوَضَّأْنَا مَعَهُ، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَمَا غَرُبَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ بَعْدَهَا»، فهؤلاء العظماء ضاقت نفوسهم لما أخروا الصلاة من أجل الجهاد في سبيل الله، وبعضنا اليوم يؤخر الصلاة من أجل مباراة للكرة، أو لمتابعة البورصة والأسواق المالية أو غير ذلك ولا يجد حرجاً في ذلك.
المبادرات الفردية
وأكد الهبدان أن المسلمين أيام معركة الخندق ثبتوا ثبات الأبطال برغم الحصار وإشاعات المنافقين ونقض يهود بني قريضة لعهودهم، حتى جاء نعيم بن مسعود الأشجعي -رضي الله عنه- إلى الرسول -صلى الله عليه وسلم- فقال: إنه قد أسلم ولا يعلم أحد من قومه عن ذلك واستأذن أن يقوم بخدعة الأحزاب، فقال عليه السلام: «إنما أنت رجل واحد.. فأخذل عنا ما استطعت.. فإن الحرب خدعة»، فراح يفرق صفوفهم ووحدتهم بالخدعة فدبة الفرقة والخلاف بينهم، وهنا تأتي أهمية المبادرات الفردية، فقد قامت مبادرة نعيم بن مسعود بقلب الموازين بفضل الله لصالح المسلمين، فنعيم لم يقل من أنا؟ وماذا أفعل؟ بل عرض نفسه على الرسول الكريم، وقام بعمل رائع في التخفيف عن المسلمين، وتفريق كلمة واجتماع المشركين، ولم ينس المسلمون وهم بأحلك الظروف أن يعتصموا بربهم والالتجاء إليه، فكانوا يدعون الله بالليل والنهار ويقولون: ربنا استر عوراتنا وآمن روعاتنا وانصرنا على أعدائنا اللهم اهزم الأحزاب وانصرنا عليهم.. فسمع الله تعالى دعاء النبي وأصحابه فأرسل الريح على الأحزاب حتى لم يقر لهم قرار، وأرسل الملائكة يدبون الرعب بقلوب المشركين، حتى رحلوا عن المدينة وكشف الله الهم والغمة، وكانت معركة الخندق معركة أعصاب إلا أنها من أحسم المعارك بتاريخ الإسلام، حتى قال النبيل الكريم عليه السلام: «الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم».
أحزاب اليوم
وفي الخطبة الثانية، قال الهبدان إن معركة الخندق كانت مع أحزاب الأمس. موضحاً أن المشهد نفسه يتكرر اليوم، ففي كل عام يتجمع شمل الكفار على المسلمين. مشيراً إلى قول الشاعر: تجمع شملهم إلا علينا فصرنا كالفريسة للذئاب، فقد تجمع الأحزاب وأرادوا النيل من كلمة المسلمين وأراد الله أمراً آخر.. تجمعوا على الأفغان والشيشان وتونس وليبيا.. وأرادوا الشر بمصر وثورتها، ولكن الله -تعالى- رد كيدهم في نحورهم.. وها هم يتجمعون ويحتشدون على أهل الشام يقتلون ويذبحون، ولكن نصر الله لأهل الشام قادم مهما فعلوا.. كما تجمعوا لتدمير العمل الخيري، ولكن سعى قوم بأموالهم يساعدون أهل الحق يرجون تجارة لن تبور، وسعى أقوام بعلمهم يصلحون الناس وسعى آخرون بسلطانهم وحجتهم يبينون الحق من الباطل ويسخرون أقلامهم وقوتهم في سبيل الحق والخير والعدالة والمساواة ونصرة الإسلام وأهله في كل مكان وزمان، وها هي الصفوف تتمايز وتتضح.
توحد المسلمين
ونوه الهبدان بأن الشدائد التي تمر بأمة الإسلام أوضحت العدو من الصديق، وكشفت مواقف الناس والأحزاب والتجمعات. مشيراً إلى قول الشاعر: جزى الله الشدائد كل خير عرفت بها عدوي من صديقي، فقد جاءت الأخبار السارة من جميع البلدان أن الثورات العربية أعادت الناس على ربهم ودينهم الحق، فقد امتلأت المساجد بالشباب وميدان التحرير بمصر يصلون لله ويسجدون شكراً على فوز رجل يحمل هم الإسلام والمسلمين صدقاً لا كذباً برئاسة مصر، وأهل الشام يقولون في ثوراتهم ومظاهراتهم: لن نركع إلا لله.. وما لنا غيرك يا الله، وها هم المسلمون في كل مكان في الأرض يجتمعون على كلمة الحق