«الهستيريا».. غمامة في سماء العقل

alarab
منوعات 30 يونيو 2011 , 12:00ص
د. عبد الله عابدين •
عادة ما نتقدم مباشرة نحو المهام المناطة بنا في الحياة، كوحدة نفسية واحدة، على الأقل في ظاهر الأمر، إذ يقبع في صميم ما نسميه بنية الشخصية البشرية، انقسام طبيعي. وقد حبينا بالقدرة على احتواء هذه القسمة الداخلية، وإبقائها وراء القناع الذي نرتديه، للعب أدوارنا على خشبة مسرح الحياة اليومية. ولكن يبدو أن هذه الوحدة الظاهرية لا تصمد في كل أحوال مضطربنا ومعاشنا، وبالنسبة لهؤلاء الذين ينطوون على ما نسميه بالاستعداد الطبيعي للتفكك الذهني، أو لجسمنة القلق والتوتر النفسي، خاصة تحت ظروف الصراعات النفسية الحادة وتحت الظروف النفس- اجتماعية التي يصعب إيجاد مخارج منها. هنا ينتظرنا اتجاه جديد، حيث عمد الطب النفسي الحديث إلى استحداث مفردة طب- نفسية تحاول النأي بنفسها عن تكريس وصمة العار للمريض النفسي، بالاقتراب الحثيث من تحسين صورته، من خلال تصحيح مفاهيم الناس عن طبيعة الاضطرابات التي يتصدى لها، بحثاً وتشخيصاً وعلاجاً. وتعتبر مفردة «هستيريا» أحد المواقع الساخنة التي تتجلى فيها وصمة العار هذه، إذ كثيراً ما نسمع في أحاديثنا اليومية أن فلاناً «مهستر»، ولكن هذا الاستعمال الدارج لا يطابق المدلول العلمي لكلمة «هستيريا». لهذا فإن التجديد اللغوي الذي طال هذه الموضوعة، يجعلنا نتحدث عن التفكك الذهني في مقابل ما كان يعرف بالهستيريا التفككية، وعن التحويل بدلاً عن الهستيريا التحولية. وفي الحالتين يجب أن نتأكد من أن الحالة الذهنية الماثلة أمامنا، لا يوجد ما يفسرها عضوياً، قبل دمغها كحالة هستيريا، باللغة الجديدة: تفكك ذهني أو تحويل. هذا بالإضافة إلى وجود ضغط حياتي أو مشكلة نفس- اجتماعية، أو أسرية، أو صراع نفسي حاد، تتجلى وتفهم الحالة في سياقه، ويسهل التواصل معها. ثم إن «الهستيريا» ككيان إكلينيكي، تتبدى بتنويعات غنية ودراماتيكية، إلى المدى الذي يجعل الكثيرين، بما فيهم بعض الأطباء، وصف هؤلاء المرضى بالمتصنعين.. وهذا أبعد ما يكون عن حقيقة الأمر، إذ إن أعراض هذا الاضطراب النفسي تدار من وراء كواليس مسرح العقل الواعي للمريض.. أما مصدر هذه الظواهر فهو العقل الباطن.. وليس للمريض يد في ظهور الأعراض.. ولا في الشكل الذي تأخذه.. وإليكم بعض بعض السيناريوهات الموجزة: بنت في بواكير نضجها.. تتفاجأ بعدم قدرتها على البقاء منتصبة، حيث أحست أن «أرجلها غير قادرتين على حملها» على حد تعبيرها، بعد مشادة كلامية محتدمة بينها وبين إحدى زميلاتها، عيرتها فيها الأخيرة بالنتيجة السيئة التي أحرزتها في الامتحانات الأخيرة.. ولما لم تستطع تفريغ شحنات الانفعال الحادة التي انتابتها، فقد تحول الانفعال، من خلال آليات باطنة، إلى تعبير «مجسمن»، بمعنى تحويل الصراع الداخلي، وما يرتبط به من قلق وتوتر حاد، إلى عوارض جسدية.. زوجة نسيت فجأة أنها متزوجة!! عقب مشادة الأمس الحادة مع زوجها. وجندي في ساحة الوغى، لزمت معالجته في الخطوط الخلفية، من شلل أصاب يمناه بغتة. أما أولئك النسوة اللائي تستهوين طقوس تقمص الأرواح مثل الزار، فإن الميل «الهستيري» لديهن يتخفى تحت ستار التقمص أو المس، كهامش أو مساحة تتيحها بعض الثقافات للتفريغ الانفعالي. في هذه الدوائر، تقام طقوس الزار بصورة دورية، حيث تراعى فيها قواعد طقوسية محددة ترمي إلى استرضاء «أرواح الزار»، التي تتمظهر من خلال تبدلات وعي وسلوك «المزوورة». طقوس تقرع فيها الطبول، وترش العطور، ويطلق البخور. عناصر «دراما نفسية» قمينة بدفع الانفعالات المكبوتة إلى مقدمة مسرح الأحداث. مجرد نماذج خاطفة من «الهستيريا».. نكتفي بها، ريثما نعود إلى معالجتها بصورة أوفى. • قسم الطب النفسي - مؤسسة حمد الطبية