شغف السعوديين بالاكتتابات يصطدم بنقص الطروحات الأولية

alarab
اقتصاد 30 يونيو 2011 , 12:00ص
الرياض - رويترز
يطالع عبدالله بن خالد المنتديات الاقتصادية على الإنترنت ويتابع مع أصدقائه بحثا عن أخبار لطرح عام أولي قد يكون في الأفق ويتذكر بضع سنوات مضت حين كانت تلك الاكتتابات تتيح له الفرصة لتحقيق أرباح وفيرة. يمثل بن خالد وهو تاجر سعودي في منتصف الثلاثينيات من العمر قطاعا كبيرا من المتعاملين في سوق الأسهم السعودية أكبر البورصات العربية على الإطلاق فمع هيمنة المتعاملين الأفراد بصورة كبيرة على التعاملات يسعى الجميع وراء الربح السريع. لكن يبدو أن شهية السعوديين العاديين للاكتتابات لن تجد ما يشبعها قريبا إذ لا تلوح في الأفق طروحات لأي من الشركات الكبرى. اعتاد بن خالد وهو متزوج وأب لثلاثة أطفال الاكتتاب في أكبر عدد ممكن من الأسهم لتحقيق أكبر قدر يستطيعه من مكاسب مضمونة وسريعة تعينه على تكاليف الحياة رغم أنه يعيش في أحد أكثر بلدان العالم ثراء. وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في السعودية بلغ 16641 دولارا في 2010. وفي مكالمة مع رويترز عبر الهاتف قال بن خالد بصوت هادئ متزن «ربح البيع في أول ثلاثة أيام مضمون (لكن) الاكتتابات لم تعد كالسابق كان الربح فيها يتجاوز أحيانا %150 في أقل من أسبوع. كنت أكتتب بأسماء أقاربي لجمع أكبر كمية من الأسهم وبيعها في أول يوم تداول». ويضيف مقارناً اليوم بالأمس «حاليا لا أفضل أن أكتتب خصوصا أن هوامش الربح لم تعد تتجاوز %30 إلى جانب أن التخصيص بات قليلا جدا». لكن رغم ثرائها تعاني السعودية من ارتفاع معدل البطالة إذ إن نظام التعليم قبل الجامعي المتقادم الذي يركز على علوم الدين واللغة العربية يفرز خريجين يواجهون صعوبة في الحصول على وظائف في الشركات الخاصة. ويضطر كثير من السعوديين إلى العمل كسائقي سيارات أجرة أو حرس خاص أو في وظائف أخرى بأجور زهيدة لتغطية تكاليف المعيشة، وتشجع السلطات السعودية الطروحات العامة الأولية كإحدى الآليات التي تضمن توزيع عائدات النفط الهائلة. ويقول محمد الشهري وهو مواطن سعودي ممن تستهويهم الطروحات الأولية إن الأرباح التي يجنيها من الاكتتابات تعينه على سداد بعض متطلبات الحياة. ويضيف الشهري وهو مدرس متزوج في أواخر العشرينيات من العمر «أكتتب في أي أسهم تأسيس لشركة جديدة. في السابق كانت (الاكتتابات) تعد دخلا إضافيا لي ولكن الاكتتابات حاليا قليلة. (قيمة أسهم بعض) شركات التأمين تضاعفت معي وساعدتني على دفع بعض الأقساط الشهرية». والمستثمرون الأفراد هم القوة الدافعة لسوق الأسهم السعودية، كما ينشطون في أسواق أخرى مثل مصر والإمارات ووفقاً لبيانات رسمية يسجل الأفراد نحو %93 من الصفقات اليومية في البورصة السعودية. ووفقاً لإحصاءات صندوق النقد العربي بلغت القيمة السوقية للأسهم السعودية منذ بداية العام وحتى 26 يونيو 345.05 مليار دولار تلتها قطر بقيمة 120.8 مليار دولار فيما جاءت أسواق مصر وأبوظبي ودبي بقيم 71.5 مليار و72.8 مليار و53.6 مليار دولار على الترتيب. كما بلغت قيمة التداولات في السوق السعودية خلال الفترة ذاتها 152.03 مليار دولار تلتها سوق الدوحة بقيم بلغت 12.6 مليار دولار. وبلغت أحجام التداول في السوق السعودية 26.6 مليار سهم مقارنة مع 22.3 مليار سهم في البورصة الكويتية و16.7 مليار سهم في سوق دبي المالية. وتكشف تعليقات الأفراد على المواقع والمنتديات عن حالة من الولع بالاكتتابات فتعليقات مثل «الاكتتابات لن تتوقف ما دامت وسيلة للكسب السريع» و «نعم للاكتتاب» و «نعم للاكتتاب والبيع في أول أيام التداول» و «مرحبا بالاكتتابات دعونا نرتزق» و «أبشر بالتغطية القوية» ما هي إلا غيض من فيض. وفي مايو فاقت طلبات الاكتتاب في أسهم الشركة السعودية للاتصالات المتكاملة المعروض بصورة كبيرة، وكانت الشركة تسعى في البداية لجمع 300 مليون ريال (80 مليون دولار) من الطرح الذي جمع بنهاية فترة الاكتتاب 880.7 مليون ريال وبلغ عدد المكتتبين فيه 1.10 مليون مكتتب. لكن ذلك لا يقارن مع طروحات أقوى وأكبر حجماً شهدتها السوق السعودية قبل بضع سنوات ففي عام 2003 بلغ حجم اكتتاب شركة الاتصالات السعودية 15.3 مليار ريال وفي عام 2005 جمع بنك البلاد 7.8 مليار ريال من طرح أولي. وفي عام 2006 بلغ حجم اكتتاب كيان السعودية التابعة لسابك 6.8 مليار ريال كما جمعت شركة زين السعودية 17.8 مليار ريال من طرح أولي في عام 2008. ويقول محللون تحدثت معهم رويترز إن الوقت غير مناسب حاليا لعودة الطروحات الكبرى عالية الجودة إلى السوق ومن المرجح ألا تعود قبل عامين عندما تتحسن أوضاع السوق وتتحسن شهية المستثمرين وثقتهم. يرى محمد العمران الكاتب الاقتصادي البارز وعضو جمعية الاقتصاد السعودي إن السيولة النقدية التي يجري تداولها داخل المنظومة الاقتصادية تراجعت بشكل كبير وأن الشركات أحجمت عن المضي قدماً في خطط طروحاتها وتفضل انتظار الوقت المناسب. وقال العمران «عندما جمدت مجموعة الطيار خطط الطرح الخاص بها لفت الأمر الانتباه بشكل كبير وزادت المخاطرة، وبالتالي زادت علاوة المخاطر على الشركات. اليوم يطالب متعهدو تغطية الاكتتاب بعلاوات أكبر بواقع المثلين أو ثلاثة أمثال». «هذا جعل الشركات تحجم وأضعف شهية المستثمرين بشكل كبير. عندما يرى الناس أحداً قد تضرر يخافون ويحسبون الأمر أكثر من مرة سواء من الناحية المالية أو من ناحية تأثيره على مكانة شركاتهم». وفي فبراير 2010 جمدت مجموعة الطيار للسفر والسياحة خطط الطرح الأولي بعدما فشلت في جذب طلب كاف من المؤسسات الاستثمارية. ولم تتعاف البورصة السعودية من انهيار عام 2006 ولا يزال مؤشر السوق منخفضا بنسبة تتجاوز %68 عن أعلى مستوياته التي سجلها في فبراير 2006 وذلك رغم المرونة التي أظهرها الاقتصاد السعودي في مواجهة الأزمة المالية العالمية. ويرى براد بورلاند كبير الاقتصاديين لدى جدوى للاستثمارات أن انهيار السوق بنسبة %60 في فبراير 2006 وانهياره بنسبة مماثلة جراء الأزمة المالية العالمية جعل الشركات التي تعتزم الدخول إلى السوق «تضغط زر الإيقاف المؤقت» لحين تعافي السوق وهو الأمر الذي يراه بورلاند لم يكتمل بعد. وقال بورلاند لرويترز خلال مقابلة «البنية الأساسية التنظيمية قوية حاليا، كما أن قطاع الشركات التي تقدم الاستشارات قوي. أعتقد أننا فقط نريد أن نرى الأوضاع في السوق قد تحسنت وعندئذ سنشهد زيادة كبيرة في عدد الاكتتابات عالية الجودة في السوق». وأضاف «هناك حالة من الحذر في السوق بسبب عدم التيقن بشأن الاقتصاد العالمي والاضطرابات الإقليمية في الشرق الأوسط. نحتاج للتخلص من ذلك أولا ولا أعتقد أنه أمر مرجح هذا العام». وتابع «أي شركة لن ترغب في الإدراج وبعدها ينخفض سعر السهم ويقول الناس أشياء سيئة عنها؛ لهذا تثق الشركات في عدم حدوث ذلك. أعتقد أنها ستنتظر بعد انتهاء العام الحالي. ربما تمضي قدما في خطط الطرح خلال 2012 إن لم يكن بعد ذلك». وانخفض المؤشر السعودي %1.7 منذ بداية العام وحتى إغلاق أمس الاثنين ويجري تداول عدد لا بأس به من الشركات عند أسعار أقل من سعر الإدراج. وبعد طرح السعودية للاتصالات المتكاملة في مايو من المنتظر أن تشهد السوق السعودية طرح شركتين جديدتين هما اتحاد مصانع الأسلاك في أغسطس وإسمنت حائل في سبتمبر. ويقول عبدالله بن خالد «لا أعتقد أنني سأشارك في اكتتابات جديدة خصوصا أن حماسة الناس قليلة جدا، عما كانت عليه في السابق ولا توجد شركات يمكن أن تراهن عليها بشكل واضح».