اجتهاد النبي في أمور الدنيا كان جارياً وفق التجارب السائدة
باب الريان
30 مايو 2017 , 12:11ص
علي القرة داغي
يستكمل فضيلة الشيخ الدكتور علي محي الدين القرة داغي حديثه عن اجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم، فيوضح أن اجتهاد الرسول صلى الله عليه وسلم في مجال التشريع معصوم، وجاء في كتابه:
وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجتهد فيما لم ينزل عليه فيه وحي، فإن اجتهاده مختلف عن اجتهاد غيره الذي يمكن أن يخطئ، لأن اجتهاده الذي يتعلق ببيان الحكم الشرعي معصوم، إما في البدء والأساس أو أن الله يصحح له اجتهاده ويصوبه (كما سبق أن ذكرنا بعض الأمثلة) لقوله تعالى : (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً) يقول الرازي: ( ثبت بما قدمنا أن قوله (بما أراك) معناه: أعلمك الله، وسمى ذلك العلم بالرؤية ، لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جارياً مجرى الرؤية في القوة والظهور، وكان عمر يقول: "لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله تعالى، فإن الله تعالى لم يجعل ذلك إلاّ لنبيه، وأما الواحد منا فرأيه يكون ظناً ولا يكون علماً" .
وأما اجتهاده الذي يتعلق بتدبير أمور الحروب، والمعاش، والقضاء ونحوها مما كان جارياً على العادات والتقاليد والتجارب السائدة فهو يختلف عن النوع الأول، حيث يقول القاضي عياض: (وأما أحواله في أمور الدنيا فقد كان يعتقد صلى الله عليه وسلم الشيء منها على وجه ويظهر خلافه)، وهذا مثل ما رواه مسلم في صحيحه بسنده عن طلحة قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رؤوس النخل، فقال: (ما يصنع هؤلاء؟) قالوا: يلقحونه...فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أظن يغني ذلك شيئاً) قال: فأخبروا بذلك فتركوه) أي فخرج شيصاً أي رديئاً يابساً كما في الروايات الأخرى) فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: (إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني ظننت ظناً، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئاً فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل).
وفي رواية رافع بن خديج، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخبر بذلك قال: (إنما أنا بشر، إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأي فإنما أنا بشر) وفي رواية أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقوم يلقحون، فقال: لو لم تفعلوا لصلح) قال: فخرج شيصاً، فمرّ بهم فقال: (ما لنخلكم؟) قالوا: قلت كذا وكذا، قال: (أنتم أعلم بأمر دنياكم). وهذا الحديث واضح في أن اجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم في القضايا المعاشية والدنيوية كأمر التلقيح وكيفية الزراعة ووسائلها، وكيفية القتال ووسائله، والتصنيع وأدواته، والتداوي ووصف الأدوية لها، فمثل هذه الاجتهادات خاضعة لبشريته وتجاربه ومعارفه، وما وصله من قومه وبيئته، وبالتالي فيمكن أن يقع فيها خطأ، أما بيان الحكم الشرعي (من الحل والحرمة، والصحة والبطلان ونحوها) لهذه الأمور الدنيوية نفسها فيكون إما وحياً، أو اجتهاداً مقراً من الله تعالى.
لذلك لا يجوز استغلال هذا الحديث لنفي النظام السياسي، والاقتصادي وغيرهما من أنظمة الإسلام، حيث يقول فضيلة الشيخ القرضاوي: ( فقد أراد بعضهم أن يحذف النظام السياسي كله من الإسلام بهذا الحديث وحده، لأن أمر السياسة أصولاً وفروعاً من أمر دنيانا، فنحن أعلم به، فليس من شأن الوحي أن يكون فيها تشريع أو توجيه فالإسلام عند هؤلاء دين بلا دولة وعقيدة بلا شريعة) بل إن هذا الحديث في نظري تشريع رائع في مجال أمور الزراعة والصناعة والطب، وهو احترام التخصص والعودة إلى أهل الذكر في كل فن وتخصص، ولكن بيان الحكم الشرعي يكون من واجب المجتهد.
ولهذا السبب نفسه هاجم العلامة الشيخ أحمد شاكر هؤلاء الذين استغلوا هذا الحديث في غير موضعه فقال: (هذا الحديث مما طنطن به ملحدو مصر، وصنائع أوربة فيها من عبيد المستشرقين، وتلامذة المبشرين، فجعلوه أصلاً يحجون به أهل السنة وأنصارها، وخدام الشريعة وحماتها، إذا أرادوا أن ينفوا شيئاً من السنة، وأن ينكروا شريعة من شرائع الإسلام في المعاملات وشؤون الاجتماع وغيرها يزعمون أن هذه من شؤون الدنيا) .
ومع أن الحديث كان في قصة تلقيح النخل، وليس فيه أمر بعدم التلقيح، ولا نهي عنه، ولا إخبار بذلك عن الله، ولم يسن في ذلك سنة، وإنما قال كلاماً خاصاً بالجانب العقدي المتمثل في إرجاع أمر الخلق والتدبير إلى الله تعالى وهذا حق، ولكنه لا يمنع من الأخذ بالأسباب، ولكن أخذ به هؤلاء دون فقه وتعمق، ثم بين لهم أهمية الرجوع إلى أهل الاختصاص والتجارب في الزراعة ونحوها، وأن ذلك كان رأياً منه، وليس بياناً لحكم الله تعالى.
وأما حكم الله تعالى من حيث الحل والحرمة والصحة والبطلان والفساد ونحوها فهذا شامل لكل تصرفات الإنسان، فما من فعل وتصرف إلاّ ولله تعالى فيه حكمه المبين في الكتاب أو السنة، إما نصاً أو استنباطاً، يقول الإمام الشافعي: (فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلاّ وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها، قال الله تعالى: (كِتَابٌ أَنزَلْنَـٰهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ ٱلنَّاسَ مِنَ ٱلظُّلُمَـٰتِ إِلَى ٱلنُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَىٰ صِرَاطِ ٱلْعَزِيزِ ٱلْحَمِيدِ) .
وقد أذن الرسول صلى الله عليه وسلم لصحابته بالاجتهاد في عصره، بل أمر بعضهم به، كما سيأتي.