

أكد الشيخ محمد محمود المحمود أن الصيام هو أن تتقرب إلى الله تبارك وتعالى، وأن تعلم أن الله مطّلع عليك في كل لحظة وفي كل حين، وأن تعلم أنك بصيامك وأنت ممتثل لأمر الله لا يغيب ذلك عن نفسك وعقلك أن الله تبارك وتعالى مطلع عليك، هذا هو حقيقة التقوى، أن يجعل الإنسان بينه وبين الله وقاية، أن يجعل بينه وبين الله وبين معاصيه درعا يحميه من عذاب الله.
وقال الشيخ محمد المحمود في خطبة الجمعة التي ألقاها أمس بجامع الشيوخ: الحمد لله رب العالمين شرع لنا دينا قويما وهدانا صراطا مستقيما واسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة وهو اللطيف الخبير والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا ونبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وبارك وسلم تسليما كثيرا، أما بعد أوصيكم ونفسي بتقوى الله تبارك وتعالى يقول الله عز وجل: "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون".
وبين الخطيب أن شهر رمضان شهر فرضه الله تبارك وتعالى على عباده المؤمنين وقد أجمع علماء الأمة على فرضية صيام هذا الشهر المبارك وهو ركن من أركان الإسلام لا يتم إسلام المرء ولا يكمل إلا بصيام شهر رمضان، قال الله تبارك وتعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع فهو خير له وأن تصوموا خيرا لكم إن كنتم تعلمون" أجمل رب العزة جل جلاله في هاتين الآيتين مجمل أحكام هذا الشهر الكريم، هذا الشهر إذا دخل وجب صيامه وجوبا عينيا حتميا على كل عبد مسلم بالغ قادر ليس بعاجز بأي نوع من أنواع العجز، وعليه فلا يجب الصيام على الصغير الذي لا يميز، فإذا كان مميزا كابن سبع سنوات أمر بالصيام لأجل تدريبه وكان ثواب الصيام له ولوليه.
وأوضح الشيخ محمد المحمود أنه لا يجب الصيام على المجنون الذي فقد عقله لأنه ليس مناطا للتكليف، قال النبي عليه الصلاة والسلام:" رفع القلم عن ثلاثة، عن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ وعن الصغير حتى يبلغ"، فمن كان موصوفا بهذه الصفة فلا تكليف عليه وكذلك لا يجب الصيام على المرأة حال حيضها ونفاسها، لأنها من الأعذار التي عذر الله بها بنات آدم قالت عائشة رضي الله عنها: "كنا - أي حال العادة التي تأتينا- كنا نؤمر بالصيام ولا نؤمر بالصلاة، وكذلك لا يجب الصوم على المريض الذي مرضه دائم بشهادة الأطباء ومثله العاجز لكبر لا يرجى معه أن يفيق أو أن يصحو من كبره ومرضه فهؤلاء لا يجب عليهم الصيام ولكنهم يجب عليه أن يطعموا عن كل يوم مسكينا وهو ما يعادل من الطعام كيلو ونصف من الطعام الذي اعتاد أهل كل بلد على أن يتناولوه في طعامهم، وكذلك لا يجب الصيام على المسافر حال سفره بل يجب عليه أن يقضي إذا أفطر حال سفره، ومن شاء أن يصوم وهو مسافر فلا حرج عليه ولكنه خالف سنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "ليس من البر الصيام في السفر" وقال تبارك وتعالى: "فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر" يكفيه أن يقضي ما فاته من أيام ، وكذلك المريض الذي يرجى برؤه الذي قال له الأطباء إن مرضك ليس بدائم بلا هو مجرد أيام أو شهور، فهذا يفطر في هذه الأيام ثم إذا برأ من مرضه وجب عليه قضاء جميع الأيام التي فاتته.
وأضاف: وكذلك لا يجب الصيام على الحامل والمرضع إذا خافتا على نفسهما أو خافتا على ولدهما ولكن الحكم يختلف فإن أفطرت الحامل أو المرضع خوفا على نفسها بأن قيل لها إن هذا الصيام لا يجتمع مع حملك فإذا صمت كان الخطر فيه على نفسك بهلاك أو بمشقة أو غير ذلك وجب عليها أن تفطر وتقضي هذه الأيام فقط، أما إن خافتا على ولديهما فيجب عليهما القضاء للأيام التي أفطرتاها وزيادة على ذلك أن يطعما عن كل يوم مسكينا، هذه مجمل أحكام الصيام التي تتعلق بالصائم والصيام ليس مجرد امتناع عن طعام أو شراب، ليس مجرد امتناع عن لذات وشهوات، الصيام المقصد الأعظم منه هو تحصيل تقوى الله تبارك وتعالى.
وأردف: إذا خلا جوفك من الطعام وخلا جوفك من الشراب وخلا بدنك من اللذائذ والشهوات ينبغي أن يمتلئ خشية لله تبارك وتعالى، ينبغي أن يمتلئ بدنك وقلبك خوفا من الله تبارك وتعالى شوقا إلى لقاء الله تبارك وتعالى، ليس الصيام ترك الطعام والشراب، ولكن الصيام هو أن تتقرب إلى الله تبارك وتعالى، أن تعلم أن الله عز وجل مطلع عليك في كل لحظة وفي كل حين، وأن تعلم أنك بصيامك وأنت ممتثل لأمر الله تبارك وتعالى لا يغيب ذلك عن نفسك لا يغيب عن عقلك أن الله تبارك وتعالى مطلع عليك، هذا هو حقيقة التقوى، أن يجعل الإنسان بينه وبين الله وقاية أن يجعل بينه وبين الله وبين معاصيه درعا يحميه من عذاب الله تبارك وتعالى، قال النبي عليه الصلاة والسلام: "والصيام جنة" والجنة هي الدرع التي يلبسها المقاتل حال المعركة، الصيام جنة ينبغي أن يكون لك كالدرع التي يقيك من الشيطان الرجيم ومن أتباعه في كل حين وأن تكون قريبا من الله تبارك وتعالى، نسأل الله تبارك وتعالى أن يرزقنا حقيقة الصيام.
وأكد الخطيب أن من الأركان العظمى التي ينبغي أن يعلمها الصائم كما علم ما يجب عليه حال الصيام، أن يعلم مفسدات الصيام فكل ما دخل جوفك، والجوف هو الفراغ الذي في بدن الإنسان من بطنه وأمعائه وما فوقهما يجب عليه أن يمتنع عن دخول أي شيئ إليهما من طعام أو شراب أو غيره من أمور جدت في عصرنا الحديث كمن يدخنون السجائر مثلا أو من يستخدمون طيب العود والبخور ويستنشقونه عمدا أو يدخلون أي شيء إلى جوفهم فإنها من المفطرات التي ينبغي أن يتجنبها الإنسان سواء أكانت مغذية كالطعام والشراب ومثلها الإبر المغذية التي تعطى لبعض المرضى فإنها من المفطرات، وكذلك من أكل أو شرب أو استخدم شيئا من هذه المفطرات وهو ناسيا أنه صائم فلا حرج عليه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: "من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه"، أي كان ناسيا حال أكله أو شربه فلا إثم عليه ولا يلزمه قضاء ذلك اليوم، هذا الذي عليه جمهور أهل العلم، وكذلك من الأمور التي ينبغي أن يعتني بها الشخص وهو يتجنب الملذات فمن واقع أهله في نهار رمضان وجب عليه القضاء ويجب عليه كفارة مغلظة زيادة على القضاء وهي عتق رقبة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، هذا حكم من أتى أهله وواقع زوجته وهو صائم في نهار شهر رمضان، وشهر رمضان شهر معظم في ليله ونهاره، في نهاره بالصيام والامتناع عن الأمور المباحات التي كانت قبله، وفي ليله باجتناب كل المحرمات لأن الآثام تتزايد وتتعاظم في الأيام المعظمة والأيام الشريفة، لا يستهين الإنسان فيظن أنه بعد غروب الشمس هو ليل كغيره هو ليل كسائر أيام العام، لا والله بل هي ليال معظمة عند الله تبارك وتعالى، الإثم فيها قد يكون مغلظا قد يكون متعاظما، لأنها أيام وليال شريفة ينبغي أن يستغلها العبد في طاعة الله تبارك وتعالى.
ولفت الشيخ محمد المحمود إلى أنه من الأمور المهمة أن يبيت الإنسان النية كل ليلة في رمضان قال أهل العلم في صيام الفرض كنهار رمضان يجب أن يبيت الإنسان نيته قبل الفجر وهي أن يحضر في نفسه ويتذكر أنه إن شاء الله غدا صائم قال النبي عليه الصلاة والسلام: "من لم يبيت النية من الليل فلا صيام له" والقيام للسحور هو نوع من النية فمن اعتاد أن يقوم للسحور وأن يطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام ولو بشربة كاس ماء فإنه تحققت نيته التي أمر بها النبي عليه الصلاة والسلام، نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعلنا من الصائمين القائمين وأن يتقبل منا أعمالنا في هذا الشهر الكريم.