الخطاط حامد المرواني.. أحــد رواد التعــلـيم فـي قــطـر

alarab
ثقافة وفنون 30 مارس 2023 , 12:30ص
د. علي عفيفي علي غازي

أحد رواد التعليم الأوائل في قطر، إذ كان له دور بارز في نهضتها التعليمية، فقد ارتحل في طلب العلم، وتمكن من تحصيل العلوم الشرعية، وعلوم اللغة العربية، والفلك، والتاريخ، كما أبدع في كتابة ونسخ بعض المخطوطات بعدد من الخطوط، لعل أكثرها استعمالا هو خطوط الرقعة والنسخ والنسخ الجلي، إنه الخطاط حامد بن أحمد بن محمد بن صلاح بن غنيم المرواني (1865-1940)، وينتهي نسبه إلى قبيلة جهينة. ولد في حي الجسرة بالدوحة في عام 1865، حيث كان الابن الوحيد لأبيه، تلقى العلم، وأتم حفظ القرآن الكريم على يدي والده قبل أن يبلغ العاشرة من عمره، فكان معلمه الأول، كما قرأ عليه الأجرومية لمحمد بن أجروم (672-723هـ/ 1273-1323م) في النحو، ومثلثات قطرب لأبي علي محمد بن المستنير (ت. 206هـ/ 821م) في البلاغة، والعديد من المتون في الفقه والعقيدة.
شغف على العلم 
 شغف المرواني بطلب العلم، فارتحل في سبيله إلى المدارس الدينية في المناطق المجاورة لقطر، ويبدو أن والده أحمد المرواني (ت. 1877) قد شجعه على ذلك، فقد كان عالمًا ورعًا مجودًا للخط العربي، وفقيهًا، ألف رسالة في تجويد القرآن الكريم انتهى من كتابتها في 14 محرم 1271هـ/ 26 سبتمبر 1854م، ليعود إلى وطنه الأم قطر مرة أخرى؛ ليعمل إمامًا وخطيبًا بمسجد الفيحاني في سوق واقف بالجسرة، ويُروى أنه كان أحيانًا يخطب الجمعة في مسجد أبو القبيب، كما كان مأذونًا شرعيًا يعقد القران لأهل الدوحة.
ولحرصه على نشر العلم فقد افتتح كتابًا لتعليم القرآن الكريم، ومبادئ ومهارات اللغة العربية من القراءة والكتابة والتحدث، وذلك بمنزله في منطقة الجسرة عام 1898 تقريبًا، إذ لم يكتف بتدريس القرآن الكريم وعلوم اللغة العربية، وإنما درّس كذلك الحساب، والعلوم الشرعية، ومعارف أولية في الفلك، وذاع صيته، ما أدى إلى أن أصبح مقصدًا للكثير من التلاميذ، فقام ببناء بعض الغرف الإضافية في فناء بيته، لاستيعاب الزيادة العددية من التلاميذ، كما استعان ببعض المطاوعة لمعاونته في التدريس، ووفر لهم غرفًا كانت بمثابة فصول دراسية، وهكذا يبدو أن أسلوب التدريس في كتابه كان متقدمًا عن الكتاتيب في تلك الفترة، ولعله كان بمثابة مدرسة شبه نظامية. ويتواتر في الروايات الشفهية أنه كان الكتاب الوحيد الذي قام بتدريس الأولاد والبنات في معزلٍ عن بعضهم البعض. ولعل السّر في تمّيز كتاب الشيخ حامد، إنما هو ثقافته الواسعة، وعلمه الغزير، وأمانته وبراعته في التدريس، وحب تلاميذه له وارتباطهم به، وأسلوبه في التدريس الذي يختلف عن الأسلوب التقليدي للمطاوعة حينئذ. وأعتقد أنه قد يكون أحد معلمي المدرسة الأثرية (1916-1938)، التي كانت نقطة تحول في تاريخ قطر والخليج العربي، فعندما افتتحها الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع (1883-1965)، كان عمره خمسين سنة تقريبًا.
عاطفة وتسامح
تزوج المرواني في مقتبل حياته بعد أن رجع إلى وطنه قطر من رحلته الأولى في طلب العلم، وقبل أن يفتتح الكتاب، وكانت زوجته تُنجب، إلا أن أبناءه كانوا يموتون صغارًا؛ ما جعله يتمتع بالعاطفة والتسامح واللين في التعامل مع تلاميذ كُتابه، الذين كان يُعاملهم كأبنائه، وذلك وفق روايات شفهية منقولة عمّن تتلمذوا على يديه. وشاءت إرادة الله، سبحانه وتعالى، أن يُرزق في أواخر عمره بستة أبناء ذكور. ووافته المنية وهم صغارًا، إذ كان أكبرهم في الحادية عشرة من عمره عندما انتقل إلى جوار ربه في عام 1940، ووري جثمانه الثرى في مقبرة الجسرة، ويروى أنه صلى عليه الكثير من القطريين، الذين كانوا يقدرونه.
ترك المرواني إرثًا علميًا مخطوطًا، فيما يبدو أنه كان الأسانيد التي كان يستعين بها في خطبه ودروسه، ويحتفظ أبناؤه وأحفاده بعددٍ من المخطوطات النادرة بخط يده، منها خُطبه المنبرية للجمعة، كما أنه نسخ العديد من الكتب في الفقه والفلك والتاريخ، منها: صفوة الزبد في الفقه؛ لأحمد بن الحسين بن علي بن أرسلان الرملي (753-844هـ/ 1352-1440م)، ومشكاة المصباح في شرح العدة والسلاح في فقه النكاح؛ لعبد الله بن عمر بامخرته الحضرمي الشافعي (907-972هـ/ 1501-1564م)، والمنظومة الدالية لأبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني (432-510هـ/ 1041-1116م)، وأرجوزة في تاريخ الخلفاء للمؤرخ محمد بن أحمد الباعوني (776- 870هـ/ 1374-1466م) ووسيلة الطلاب لمعرفة أعمال الليل والنهار بطريق الحساب لأبي زكريا يحيى بن محمد الرعيني الحطاب (902-995هـ/ 1496-1586م)، وتشريح الأفلاك لبهاء الدين محمد بن حسين العاملي (953-1030هـ/ 1546-1620م)، وغيرها.
المداد الأسود والأحمر
ويتضح مما اطلعت عليه من صفحات مخطوطاته أنه كان يُجيد الخط، ويستخدم نوعين من المداد الأسود والأحمر، كعادة معظم الخطاطين في زمانه، ويتبين حرصه على ضبط أواخر الحروف وبنية الكلمات، بالإضافة لاحتوائها على بعض الرسومات التوضيحية كمنازل القمر وعدد النجوم وترتيبها، ومن الواضح أنه كان يرتحل في سبيل نسخ هذه المخطوطات، لتكون معينه على خطبه ودروسه، فيروى أنه لم ينقطع عن طلب العلم، ونسخ ما تيسر له من الكتب، وذلك حتى أواخر أيام حياته. وأبرز المخطوطات التي تركها المرواني هي خُطبه المنبرية لصلاة الجمعة؛ والتي تؤكد ثقافته واطلاعه، ومعارفه الدينية، إذ تنوعت ما بين الخطب المطلقة، والبليغة، وخطب المناسبات؛ كالأعياد وشهر رمضان والهجرة، وغيرها. 
تعلّم على يدي المرواني كوكبة من رجال ونساء قطر، وتخرج من كُتابه نجباء كان لهم دور في تاريخ قطر، من أبرزهم الشيخ جاسم بن محمد آل ثاني (1914-1989)، أول وزير للكهرباء والماء في قطر، وخالد بن محمد المانع، وزير الصحة الأسبق في قطر، وعلي بن أحمد الأنصاري، أول وزير للعمل والشؤون الاجتماعية في قطر، وآمنة محمود الجيدة (1913-2000)، أول معلمة، ومؤسسة أول مدرسة لتعليم البنات في الدوحة، وإحدى رائدات التعليم في قطر.