حول العالم
30 يناير 2015 , 06:13ص
لا توجد في إسرائيل حملة انتخابية في الوقت الراهن، بل حملة ضد الديمقراطية. ومن يقود هذه الحملة هو رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو الذي يقول مرارا وتكرارا في هذه الحملة إن حزب إسحاق هرتسوغ وتسيبي لفني -وهو الحزب الرائد في استطلاعات الرأي- «معسكر معادٍ للصهيونية».
كانت نشأة نتنياهو وتتلمذه على يد أستاذ تاريخ، وهو يعيش على الكلمات، فاختيار الكلمات هنا ليس صدفة، وقد اختار نتنياهو كلمة معاد للصهيونية ولم يختر كلمة ما بعد صهيوني، بل اختار دائما كلمة معاد للصهيونية التي تعني الراغب في تصفية دولة إسرائيل أو «عدو إسرائيل»، أو كلمة «خائن»، وذلك يعني تحريض يقوده رئيس الحكومة وفحواه أن لفني وهرتسوغ خائنين.
??إن الصمت واللامبالاة الجماهيرية والإعلامية لا يستوعبها الإسرائيليون في هذه المرحلة، خاصة عندما يتم الادعاء بأننا استخلصنا العبر مما حدث قبل عقدين من الزمن، فالتحريض اليوم موجه إلى سيدة خدمة في صفوف الموساد، تسيبي لفني، وإلى رائد في الوحدة المختارة في الجيش 8200، إسحاق هرتسوغ. وهما ليسا الأولين اللذين يصبحان موضوعا للتحريض من قبل نتنياهو الذي يحاول تحويل منافسين وطنيين إلى خونة. يوجد لإسحاق هرتسوغ شخصية وطنية صهيونية مركزية، ولولا التحريض الموجه ضده والصمت الجماهيري لما كان بحاجة إلى شرح تلك الشخصية.
??نذكر هناك الزعيم الراحل إسحاق رابين الذي قاد «كتيبة البلماح هرئيل»، والذي قُتل من جنوده أكثر من 400 وأصيب 500 بالجراح وبقي منهم 100 على قيد الحياة في حرب الاستقلال، حافظ على القدس كمدينة عبرية، وأيضا خدم رابين كرئيس الأركان في حرب الأيام الستة، وحرر الحائط الغربي ووحد القدس، كل هذه الأمور تُنسب إلى إسحاق رابين الذي قُتل بعد موجة التحريض الموجهة ضده التي قادها نتنياهو. وقد نجح في ذروة تلك الحملة في تحويل بطل صهيوني إلى شخصية خائنة في نظر الآلاف ممن انصاعوا لتحريضه وهتفوا ضده هتافات حاقدة «خائن، خائن»، ورفعوا شعارات «بالنار والدم سنطرد اسحق رابين».
??وكانت الرصاصات الثلاث في ساحة المدينة هي التي وضعت حدا للديمقراطية المتهاوية. وكان يجب أن تضع هذه الرصاصات حدا لسيرة نتنياهو السياسية، وأن لا يُنتخب بعدها حتى للجنة بيت، ولولا التقليص الفضائحي لصلاحيات لجنة التحقيق في مقتل رابين حول فشل الحراسة ومنع التحقيق، فيما أدى إلى عملية القتل. لولا ذلك لكان يجب التحقيق في الجرائم الجنائية لمساعديه ومشاركيه من الحاخامات الداعمين لنتنياهو.
??كان من أرسلهم نتنياهو أمام إسحاق رابين يهتفون «سنقوم بشنقكم كما شُنق تشاوتشيسكو وموسوليني». وقد أقروا أن من أرسلهم هو اليد اليمنى لنتنياهو، رئيس الشبيبة في الليكود. ومر الأمر هذا من دون تحقيق، وحتى من دون ذلك كان يجب على الجمهور أن يرد في الانتخابات. ولكن ما حدث هو العكس حيث تحولت إسرائيل إلى دولة وقف فيها المبدأ الحضاري الأساسي «الجريمة والعقاب» مقلوبا على رأسه.
??لا توجد مهمة أكثر أهمية لدى الرئيس الإسرائيلي روبي ريفلين الآن وللشخصيات الجماهيرية في الدولة، أكثر من الانتباه للتحريض. فالصمت لم يعد ممكنا أمام الصخب الذي يثيره الصراخ «خونة». وما كُشف عن الرحلة المخطط لها لنتنياهو إلى الولايات المتحدة يظهر أن الحقيقة هي أن النضال ضد إيران بالنسبة لنتنياهو يمكن التضحية به مقابل بقاء سلطته كرئيس حكومة. ومن يتم اتهامه بالتشويش على هذه المهمة يعتبر خائنا، الآن يدعو نتنياهو أعضاء كتلته، ويحثهم على أن يكونوا أبطالا وأن يهاجموا وسائل الإعلام.
??في السلطة في إسرائيل مصدر التحريض ليس سيناتور مثل جوزيف مكارثي الذي كان يحرض ضد مسؤولين أميركيين بتهمة الشيوعية، بل رئيس الحكومة الإسرائيلية نفسه. والسؤال هو من سيكون هنا البطل الذي يوقف تحريض نتنياهو، فهل ستقف الشخصيات الجماهيرية هنا لوقف هذا المحرض الوطني، وهل ستتصرف كأبطال في يوم الانتخابات في مارس المقبل؟