الجانب المظلم في منظومة الغذاء الأرجنتينية.. هرمونات ومضادات حيوية وسموم
منوعات
30 يناير 2014 , 12:00ص
بيونس آيريس - د.ب.أ
تعتبر قطعة اللحم المشوية «ستيك» الشهية بجانب خضار مسلوق «سوتيه» أو بطاطس مقلية، الوجبة الرئيسية في قائمة أي مطعم تقليدي بالأرجنتين، البلد اللاتيني المشهور بإنتاجه الضخم لأجود أنواع اللحوم والخضراوات في العالم، ولكن في حقيقة الأمر أن هذا الطبق يمكن أن يطلق عليه «وجبة سموم كومبو» لما أصبحت تحتويه الأغذية الأرجنتينية من هرمونات ومضادات حيوية وسموم كيماوية تهدد صحة الإنسان بصورة لم يكن أحد يتصورها من قبل.
من خلال كتابها «التغذية السيئة .. كيف يقتلنا التصنيع الزراعي والحيواني في الأرجنتين»، تطلق الصحافية والباحثة الأرجنتينية سوليداد باروتي، صيحة تحذير، موضحة أن «الأرجنتين تنتج مواد غذائية تكفي 400 مليون شخص، إلا أن %56 من الأراضي الزراعية تم تخصيصها لإنتاج فول الصويا، والذي لا يستهلك محليا، بل يتم تصدير %98 منه، ومن هنا أصبحت زراعة المحاصيل الغذائية الأساسية، هدفا ثانويا، لصالح هذه السلعة»، بحسب وصف باروتي في تصريحات لوكالة الأنباء الألمانية (د.ب.أ).
تحذر أيضا من تراجع مساحات المراعي المفتوحة التي كانت مخصصة لتربية قطعان الأبقار والماشية والطيور، بصفة عامة، موضحة أنه بغرض تعظيم المكاسب مقابل تقليل هامش الإنفاق، عانت المنتجات الزراعية والحيوانية من تحولات خطيرة في العقود الأخيرة، خاصة بعد أن ترك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام الاستخدام المكثف للهرمونات والأسمدة الكيماوية.
تقول باروتي «بمرور الوقت بدأنا نفقد سيادة أمننا الغذائي، كما بدأنا نعاني من نقص المواد الغذائية، مع عملية الإحلال والتبديل التي طرأت على مجال الزراعة بسبب التوسع في إنتاج فول الصويا، على حساب محاصيل أخرى هامة من الخضراوات والفاكهة، التي تستغرق أشجارها سنوات طويلة لتبدأ عملية الإثمار، من بين أضرار أخرى».
إن النموذج الأرجنتيني لتحقيق التنمية المستدامة في دورة الإنتاج الزراعي والحيواني يكاد يكون قد تلاشى بالكامل، مع غزو محصول الصويا، الذي أصبح المحصول الاستراتيجي القومي، وأحد أهم مصادر حصول البلاد على العملة الصعبة.
كروت المعايدة الشهيرة التي تصور أبقارا سمينة تكلأ في المراعي اختفت لصالح صور حظائر التسمين، حيث تتغذى الماشية على أعلاف مكونة من مواد سابقة التجهيز، أغلبها عبارة عن مخلفات نباتية وحيوانية.
في هذا السياق تدافع باروتي عن قطعان الماشية التي تربت بين المراعي المفتوحة، مؤكدة أن لحومها تتسم بالتوازن في نسب الدهون والأحماض والعضلات والأنسجة الليفية، وهي مركبات مضادة للسرطان.
في حين تحذر الباحثة من أن أبقار مزارع التسمين تنتج لحوما ذات دهونا مشبعة تحمل نسبا مرتفعة من الكولسترول، كما تعتمد في نموها بصفة أساسية على المضادات الحيوية والأمصال، وهو ما يجعلها بيئة مناسبة لتحور بكتريا داخلية، تقاوم المضادات الحيوية ولا يوجد علاج لها، ومن بينها الإسكارس المعوية.
ومن ثم، أصبح يتعين على الباحثين عن تناول اللحم الأرجنتيني التقليدي ذي المذاق المتميز، التوجه إلى أمكان محدودة للغاية.
نحرص على شراء اللحوم التي تحمل عبواتها شعارات مضمونة وخاضعة لرقابة جودة موثوق بها تؤكد أنها من أبقار مراع مفتوحة، كما نتأكد بأنفسنا من مدى جودتها»، هذا ما يؤكده لـ (د.ب.أ) ميجل سوسا، مدير مطعم «لاكابريرا» أشهر محلات الكباب واللحم المشوي في بيونس آيريس، والذي تم إدراجه على كتيبات السياحة بالمدينة.
ولا تقتصر أنظمة التسمين بالهرمونات والمضادات الحيوية على قطعان الماشية فقط، حيث لم تسلم منها مراعي الخنازير أيضا، فقد أقرت السلطات البيطرية العام الماضي أنواعا من الأمصال تتيح زيادة الوزن لدى الحيوان بصورة يومية، كما تساعد على نمو الأنسجة الطرية فيه بصورة أكبر. ولهذا في المزرعة كثيفة الإنتاج، يتم إيواء الخنازير في حظائر ضيقة لا يتاح لها فيها حرية الحركة بعيدا عن برك الطين التقليدية، وبطبيعة الحال أكثر نظافة، لكن الخنزير يحتاج للطين لينمو بصورة صحيحة.
أما فحول التكاثر فيتم استمناؤها يوميا للحصول على الحيوانات المنوية اللازمة لتلقيح الإناث في عنابر ولادة، حيث تقضي ثلاثة أسابيع ملقاة على أحد جوانبها مثبتة على الأرض بقوة بقضبان معدنية لحين انتهاء فترة رضاعة صغارها الذين يتراوح عددهم بين 10 إلى 12 رضيعا.
في كتابها عن سوء تغذية تقول باروتي: إنه فيما يخص الطيور، يتم حبس الدواجن البياضة في أقفاص، ويتم تقصير مناقيرها حتى لا تفسد البيض، ويتم تلقيحها، وتغذيتها وتبييضها وفقسها دون أن تمس أطرافها أي أرض على الإطلاق.
تحذر باروتي من أنه «يتم حقن الطيور بما يقرب من 15 تطعيما بين أمصال ولقاحات ومضادات حيوية بكميات كبيرة، للحفاظ عليها سليمة في بيئة غير صحية على الإطلاق، حتى تتم عملية تسمينها ووصولها إلى الوزن المطلوب».
وتحذر أيضا من أن محاصيل الخضراوات والفاكهة لم تنج من الأمر أيضا، حيث استغل المنتجون التطور التكنولوجي بصورة سيئة وبمفهوم خاطئ للغاية، ليتحول اعتمادهم لإكثار المحصول على الأمصال واللقاحات والمضادات الحيوية السامة، ولهذا تم في منتجات المحاصيل من هذا النوع رصد مخلفات مواد عضوية ومبيدات سامة، بخلاف آثار مواد كيماوية أخرى، بعضها محظور، كما لو كانت «وجبة سموم كومبو لا تخضع لأي رقابة من أي نوع».
بالرغم من ذلك، تتبدل منظومة الإنتاج الزراعي والحيواني بشكل جذري عندما يكون المستهدف من المحصول هو التصدير، نظرا لأن معايير الرقابة على الجودة في الخارج التي يتم تطبيقها على منتجات الحوم أو الخضراوات أو الفاكهة، عادة ما تكون أكثر صرامة، ولهذا يحرص المنتجون على تقليص جرعة المضادات الحيوية وتوفير بيئة صحية أكثر لمنتجاتهم.
توضح باروتي أن الأرجنتين تحظى بواحدة من بين المناطق الست الأكثر خصوبة في العالم، ولكن يبدو أنها لم تعد تهتم كثيرا بالحفاظ على ما لديها من كنوز «بعض دول المنطقة لديهم سياسات دفاع أقوى بكثير مما لدينا».
وفي هذا السياق تقول «قامت بيرو بإغلاق الباب أمام تطبيق تجارب الهندسة الوراثية، وحذت بوليفيا حذوها، أما البرازيل فقامت بإنشاء وزارة للزراعة البيئية، لتحفيز ودعم ممارسة الزراعة بصورة صحية وفي محيط الأسرة، في حين ترتفع بدرجة كبيرة درجة الوعي والحراك الجماهيري لدى المواطنين في تشيلي ضد قوانين الهندسة الوراثية، وتضامنا مع حماية التنوع البيئي».
وتؤكد باروتي أنه لا يزال من الممكن تحسين جودة المنتجات التي تستهدف السوق المحلية، لتقديم غذاء أفضل، مشيرة إلى أنه «من المعروف أن الإنتاج المعتدل من محاصيل متنوعة يدر عائدا أكبر بكثير من الاعتماد على محصول واحد بكميات ضخمة، فضلا عن أنه يوفر الكثير من الوظائف للعديد من البشر الذين لا يجدون قوت يومهم. كما أن اعتماد الإنسان على غذاء متنوع وصحي أفضل لصحة الإنسان ويقيه من الأمراض التي نعاني منها هذه الأيام».
يلوح بريق أمل في الأفق، فالأرجنتين تعتبر ثاني مصدر على مستوى العالم للمنتجات الحيوية الخالية من الكيماويات، كما أصبح لديها شبكة كبيرة من المنتجين، الذين يحرصون على تحسين جودة الإنتاج، وتقديم محاصيل غذائية أكثر صحية وتخلو من المضادات الحيوية والهرمونات السامة، وبسعر أقل بكثير من الشركات العالمية التي تستثمر في هذا المجال، والتي جعلت من المنتجات الحيوية حكرا على طبقة الصفوة في المجتمع.