«م المسافر»: المخدرات اختطفت 14 عاماً من عمري
تحقيقات
29 ديسمبر 2012 , 12:00ص
الدوحة - عامر غرايبة
«م المسافر» شاب عماني اختطف إدمان المخدرات 14 عاما من عمره.. ولكنه تمكن من تجاوز أكثر الاختبارات صعوبة في الحياة وتعافى من الإدمان، وقد فتح قلبه لـ «العرب» وروى حكايته مع سنوات الضياع. وكان قد بدأ بشرب أدوية الكحة بعمر 13 عاما، ثم استدل على تدخين الحشيشة ومن ثم عرف كل أنواع المخدرات، وأثناء رحلته في عالم الإدمان تعرض للسجن وفقدان الوظيفة والغيبوبة نتيجة الجرعات الزائدة حتى أشرف على الموت وحاول الانتحار، وقد تمكن أخيرا بمساندة من أهله من العلاج والإقلاع عن المخدرات، ودخل في برامج تأهيل المتعافين بمركز «أرشدني»،
ويأمل أن يكمل حياته عضوا ناجحا بالمجتمع من جديد ويعود للحياة الطبيعية.
ويعد مركز «أرشدني» لتأهيل المتعافين من الإدمان تجربة حقيقة لانتشال الشباب من هوة دمار يؤرق المجتمعات الخليجية هذه الأيام، وتعد تجربته من أنجح البرامج العملية في تأهيل المتعافين في الشرق الأوسط، بحسب شهادات من خبراء دوليين وبدول الجوار..
وقد اكتسب المركز الذي لم يكمل السنتين من عمره ويعمل تحت إشراف مؤسسة الشيخ عيد بن محمد آل ثاني الخيرية أهمية كبيرة، بعد نجاحه بشكل غير مسبوق في تأهيل عدد من المتعافين ودمجهم بالمجتمع، ورغم قصر عمر تجربته فإنه قد اكتسب سمعة جيدة في المنطقة والوطن العربي، جعلته محط أنظار الكثيرين.
«العرب» التقت مجموعة من المتعافين المشتركين ببرامج مركز «أرشدني» ففتحوا قلوبهم وتحدثوا عن تجاربهم ورحلتهم في هاوية عالم الإدمان، وسبيل هدايتهم ونجاحهم في تخطي هذا الاختبار العسير.
من أدوية الكحة إلى الحشيشة
كان الشاب العماني «م المسافر» بعمر 13 عاما عندما أخبره أحد أصدقائه بالمدرسة عن دواء الكحة الذي يجعل الرأس يدور ويحقق مزاجا وشعورا بالنشوة، كان هو وبعض الأصدقاء يدّعون أنهم مرضى ويشترون من الصيدليات ذلك الدواء ويشربونه يوميا بعد الدوام أثناء العودة من المدرسة وفي غفلة من الأهل، غير أن الدولة انتبهت للظاهرة وأصبحت تتشدد في صرف أدوية الكحة إلا بالوصفات الطبية، ومنعت هذه الأدوية من البيع للتلاميذ. وبينما كان الطلبة المعتادون على تناول الأدوية يتحدثون ويناقشون فيما بينهم عن منع أدوية الكحة..
انتحى به أحد الأصدقاء جانبا بعد الدوام وأخبره عن الحشيشة، فجربها مع السجائر ووجد أنها تحقق مزاجا أقوى من أدوية الكحة، فأصبح يدخنها باستمرار..
وبعد فترة سافر خارج سلطنة عمان إلى دولة تتوفر فيها الحشيشة بسهولة.. وهناك أصبح مدمنا على شرب الحشيشة بشكل دائم.
في بداية تعلق «م المسافر» بالحشيش كان يعتمد على مصروفه لشراء الحشيش.. ومع زيادة الجرعات التي يتعاطاها وارتفاع الأسعار صار يلجأ لأساليب أخرى لتأمين حاجته من المخدر.. فقد صار يأخذ أي مبالغ مالية يجدها في البيت.. أو يرى أحد أفراد العائلة يضعها في مكان معين..
وكان فقدان الأموال يجعل الأهل يشكون.. فيسألونه ويحققون معه ولكنه لم يكن يعترف، وكان الأهل يشعرون بأعراض الإدمان فينصحون الابن بالاهتمام بالدراسة والصحة، ولكنه بعناد المراهق لم يكن يصغي للنصائح ولا يهتم بها، ولذلك فقد كلفه عدم سماعه للنصيحة وعدم مبالاته 14 عاما من الضياع، منها 8 أعوام إدمانا على الحشيشة.. ثم امتدت المتوالية لتشمل كافة أنواع المخدرات. وقد مر خلال رحلته في عالم مظلم بمختلف صنوف الألم والعذاب، فجرب السجن وفقدان الوظيفة والغيبوبة ومحاولة الانتحار.
السجن
يقول «م المسافر»: كنت أعمل في مؤسسة للبترول..
سجنت بعد أن تم القبض علي بقضية تعاطي المخدرات والاتجار بها وهو ما يطلق عليه حيازة وتسهيل.. وكانت وحدة من تحريات مكافحة المخدرات قد قبضت على أحد الأصدقاء الذين يتعاطون معي فدلهم علي. تم القبض علي وكان عمري 20 عاما وسجنت لمدة 10 أشهر..
خرجت من السجن وأنا مستمر بتعاطي الحشيشة بشكل أساسي.. وكنت أشرب بعض المسكرات أيضا.. وبنفس اليوم الذي خرجت فيه من السجن تعاطيت حبوب «الروتش»، وهي حبوب مخدرة تفقد الوعي.. ثم رجعت للبيت وأنا شبه فاقد للوعي.. ولاحظ أهلي أن حالتي غير طبيعية..
واستمررت في تعاطي الحشيش والحبوب وبعض المشروبات أحيانا..
اتجار
ويبين «م المسافر» أن المخدرات هاوية مستمرة تسير بالمدمن من دمار إلى دمار.
يقول: في أحد الأيام كنت ذاهبا لشراء كمية جيدة من الحشيشة من أحد التجار.. فأخبرني بأنه لا توجد لديه حشيشة، وعرض علي «الهيروين» و «المورفين».. ولأنني كنت ذاهبا أصلا للتجارة فقد وافقت على شراء «الهيروين» ثم جربته بنفس اليوم، وكنت غير مهتم به في السابق، كانت المادة الجديدة حلوة بالنسبة لي.. فقد فقدت الوعي.. فقام أحد أصدقائي بقيادة سيارتي وأوصلني إلى البيت.. طبعا أهلي صاروا يشكون بأمري.. وكنت أقنعهم دائما بوسائل وطرق ذكية بأنني متعب قليلا وأنني سأعود لصحتي سريعا.. المدمن يتصرف بذكاء مع الأهل وغالبا ما ينجح بإقناعهم.. وهكذا صرت أشتري وأبيع.. وأصبحت لدي مبالغ جيدة من المال..
كما أعجبني المخدر الجديد.. فصرت أبحث عن مصادر للهيروين حتى أوسع تجارتي وأحصل أموالا كثيرة وأتعاطى بسهولة.
التعاطي بالإبر
ومنذ أدمنت على الهيروين كنت أتعاطى كل الجرعات بالشم والسجائر.. وبقيت على ذلك فترة من الزمن، ولكن يبدو أن الحالة المتقدمة من الإدمان لدي جعلتني لا أحس بشيء بالرغم من تعاطي كميات كبيرة. كان زملائي وأصدقائي المدمنون يستخدمون الإبر ويحصلون على المزاج الذي يريدونه.. وهكذا فقد جربتها مرة مع أحد الأصدقاء ولكني في اليوم الأول لم أحس بشيء..
في اليوم التالي طلبت من صديقي أن يعلمني التعاطي بالإبر ووعدته بتزويده ببعض المخدر.. فصرت آخذ الإبر لوحدي، وصرت أحس بالمزاج بشكل كبير، ومع تعاطي الجرعات الكبيرة صرت أتكاسل عن الذهاب للعمل. كان مركز عملي بعيدا وكنت أقضي أسبوعين في العمل وأسبوعين إجازة.. فكنت أتعاطى أثناء العمل.. وكنت أحيانا أغادر وأتدبر المخدرات ثم أعود، وكان كثير من المسؤولين وزملاء العمل يشعرون أني غير طبيعي.. ولكنهم لم يكونوا يملكون دليلا على سبب مشكلتي، كنت كالنائم معظم النهار.. وأغيب عن العمل كثيرا، في أحد الأيام أكثرت من تناول الحبوب فحدث معي «صرعة»، دخلت في غيبوبة ووقعت على وجهي وعانيت من تشنجات كثيرة.. وظن الناس أني مصاب بالصرع.. فأخذوني لمستشفى خاص.. فشخصوا حالتي على أنني مصاب الصرع، فما كان من جهة العمل إلا أن أوقفتني عن العمل وطلبت مني تقريرا عن حالتي من مستشفى حكومي.
فقدان العمل
بقيت 3 أشهر دون عمل، لكن مرتبي الشهري ظل يصرف لي، كانت حياتي سلسلة من الشقاء الدائم، وكنت أعرف أن المشكلة في المخدرات.. ولكني كنت أزيد الجرعة التي أتعاطاها كل فترة.. ومن المستشفى الحكومية تمكنت من الحصول على تقرير أنه ليس عندي صرع.. فرجعت إلى العمل ولكنني بقيت أتعاطى المخدرات، وكانت حياة العمل مليئة بالغيابات والاستئذان.. كنت أحتال على المستشفى وأعطيها عينات من غيري، وأحضر للعمل تقارير تفيد بأنني نظيف، وفي مرة كنت بالعمل وأنا تحت تأثير المخدرات.. قد تستغربون أن المخدرات جعلتني أحيانا شخصا مميزا بالعمل.. فالمخدرات تجعلك تسهر ولا تنام.. ولكن حصل معي حادث أثناء العمل وكسرت يدي.. كنت في حالة معاناة حقيقية وجلست في البيت لمدة 3 أشهر، وكنت أريد زيادة الإجازة، فقد كان الطبيب يصرف لي حبوبا مسكنة كنت أتعاطاها بشراهة إضافة للمخدرات.. كان هذا أنسب وضع بالنسبة لي كمدمن؛ فلوس وجلوس بالبيت وحبوب مصروفة من الطبيب، وعند انتهاء الإجازة قلت لأهلي إنني لا أريد الاستمرار بالعمل.. وكنت أقوم بأمور كثيرة للتخلص من العمل.. فتركت العمل.. وبقيت أدفع للبنك السلفة التي أخذتها على الراتب. بحثت عن عمل آخر فعملت بمول تجاري، فصنعت لهم ألف مشكلة..
استسلام
صارت حياتي جحيما لا يطاق، سيطرت علي المخدرات ولم أعد قادرا على التصرف.. جلست في البيت أبكي، وناديت شقيقي الأكبر وأخبرته بأنني مدمن، وأنني أريد مستشفى للعلاج، فأخذني إلى عيادة خاصة.. فصرف لي الطبيب حبوبا مهدئة.. صرت أتناولها وأهلوس في البيت.. كما صرت أسرق الفلوس التي أجدها في البيت.. وأشتري المخدر وأتعاطاه في البيت، وصرت أحتاج لجرعات كبيرة.. وفي أحد الأيام دخلت الحمام وأخذت جرعة هيروين بإبرة عن طريق الوريد.. كانت الجرعة زائدة.. فلما خرجت من الحمام رحت في غيبوبة، وتجمع علي أهل البيت.. في الصباح أفقت فوجدت والدتي تبكي بحرقة، وتسألني عن وضعي وحالتي، فبررت لها الموضوع بأنني تناولت حبوب الدواء بكثرة وأقنعتها بهذا الأمر، وبقيت أذهب إلى الطبيب فيعطيني حبوبا مهدئة.. حتى شعر الأهل بأن لا جدوى من تلك العيادة ولا فائدة من علاجها..
وفي أحد الأيام حضر لبيتنا ابن عم لي وأخبرني بأنه سيبعثني للعلاج في خارج عمان، وفعلا رتب لي أمور السفر والعلاج بجمهورية مصر العربية، حيث دخلت في أحد المصحات للعلاج في برنامج لمدة 6 أشهر، فتحسن وضعي، واكتشفت أنني يمكنني السيطرة على حياتي.. ومن مصر جئت إلى قطر بعد أن قابلت الشيخ سلطان الدغيلبي بمصر.. والحقيقة أن البرنامج بمصر كان جيدا.. ولكني كنت أحس بالغربة.. أما هنا في دولة قطر فأحسست بأن البيئة قريبة أكثر من بيئتي.. ووجدت أن الشباب هنا هم مثلي.. فارتحت كثيرا، وكنت قد تعرضت لانتكاسة بمصر بسبب شخص كان معي بنفس المكان.. ولكنني في اليوم الثاني اعترفت للمسؤول وعدت للبرنامج من جديد، وها أنا الآن قد قضيت 4 أشهر من دون تعاطي المخدرات.. والحقيقة أنه لا توجد حالة يمكنها التعافي من المخدرات دون الالتزام ببرنامج واضح مثل برنامج مركز «أرشدني»..
أنصح الأهالي بمراقبة أصدقاء أبنائهم.. فأصدقاء السوء هم أساس المشكلة، وأول بذرة تضع الشباب على طريق الإدمان، وقد أصبحت وسائل التواصل الآن كثيرة.. ومن هنا فإنني أنصح الأب بمتابعة ابنه وأن يعرف كل صغيرة وكبيرة عن حياته، وأنصح الآباء بمعاملة أبنائهم كإخوة وأصدقاء.. حتى لا يحتفظ الأبناء بالأسرار..
إدمان المراهقين
الداعية سلطان الدغيلبي مدير مركز «أرشدني» لتأهيل المتعافين من الإدمان قال لـ «العرب»: إن الحديث عن الإدمان بين المراهقين أمر معقد ومتعدد الأوجه، موضحا أن أغلب حالات إدمان المراهقين تكون على النيكوتين، والمنبّهات، والكحول، والحشيش، ورغم سهولة الحصول على هذه المواد ورخصها فإن آثارها السلبية شديدة، حيث تؤدي إلى مشاكل في التنفس، وتدمر الخلايا العصبية، وتتسبب بالتخلف العقلي، ثم التدهور العام في الصحة، والخرف المبكر، وقد تسبب الوفاة، مشيراً إلى عدة عوامل تجعل المراهقين أكثر استعدادا للإدمان، منها عوامل مظهرة للإدمان دافعة إليه، ومنها عوامل مبقية للإدمان، كما أن هناك مسببات للإدمان مثل التدخين، حيث يعد البوابة الأولى للإدمان، ولا ننسى وسائل الإعلام (مسلسلات وأفلام..)، والفراغ، والسفر إلى الخارج، وطرق التربية العقيمة.
وبين الدغيلبي أن الأسباب التي تدفع بالمراهق نحو الإدمان كثيرة، منها عوامل تجعل المراهقين أكثر استعداداً للإدمان من غيرهم مثل: الاستعداد الوراثي خاصة في حالة وجود عدوانية، وإدمان الوالدين أو أحد أفراد الأسرة، والحرمان العاطفي الأسري، وسوء التربية وضعف مستوى تدين الأسرة. كما أن هناك أيضا عوامل مبقية للإدمان منها: الظروف الاجتماعية، ونوعية الأصدقاء، وسوء التعامل مع الحالة، والتأخر في طلب المساعدة. ونوه إلى أن التدخين للسجائر يعد الأكثر انتشاراً بين المراهقين، ويمثل السبب في خمس حالات الوفيات في الكبار. ويميل كثير من المراهقين للتدخين ترويحا عن أنفسهم، أو ليشعروا برجولتهم، أو ليكونوا أكثر تقبلاً من قبل أقرانهم، أو بالطبع هو اقتداء بوالدهم، وأساتذتهم وإخوتهم الكبار.
وأوضح الدغيلبي أن الوقاية والعلاج بالنسبة للمدمنين المراهقين لهما طرق كثيرة، ويستحسن استغلالها جميعاً بعد تقييم الفرد المدمن وأسرته، والظروف الاجتماعية المحيطة، والعوامل الإيجابية والسلبية المتعلقة بالإدمان، وأهمها العلاج الفردي، ويركز فيه على العلاج المعرفي السلوكي، حيث تصحح مفاهيم الفرد الخاطئة عن الإدمان والتعرف على العوامل والظروف المؤدية للانتكاسة وطرق التعامل معها، وتحسين المهارات الاجتماعية والمهارات العامة، والعلاج الأُسَري حيث يعالج المراهق ضمن أفراد أسرته. وتقيم العوامل الإيجابية والسلبية في الأسرة، والتي يمكن أن تؤدي للانتكاسات أو تحمي منها، كذلك تحسين المهارات العامة للوالدين وتحسين علاقات الأسرة، كما أن معالجة الأمراض البدنية والنفسية المصاحبة شيء ضروري في مرحلة العلاج.
وأكد الدغيلبي أن الدور الوقائي من الإدمان يتمثل في تحسين مهارات الوالدين في التعامل مع أبنائهم المراهقين، كالتدخل المبكر لمعالجة الأمراض النفسية الخاصة بالأطفال، كالعدوانية، وفرط الحركة، وتشتت التركيز، وصعوبات التعلم، منوها إلى أهمية الدور الوقائي للمدرسة، والذي يجب من خلاله تحسين مهارات المرشدين للطلبة للالتقاط المبكر للحالة وسرعة علاجها أيضا، كما يجب إعطاء المعلومات بشكل صحيح وبسيط ومحبب من خلال النشاط الإذاعي والمدرسي والمسرح، ومجالس الآباء والأمهات، وكذلك من خلال برامج الأطفال، ومنتديات الشباب، كما يجب التضييق على القنوات التي تشجع بث تلك الممارسات بطريقة غير مباشرة عن طريق المسلسلات والأفلام الموجهة الهادفة، كما يجب أن نكثف المحاضرات والندوات العامة، كإقامة الصلاة مثلا، وكل هذه الأمور بالمراكز الترفيهية والرياضية ذات المستوى الراقي، ويجب الوقوف بحزم ضد المروجين وعدم التهاون مع المتعاطين.