مواجهة مياه «الأمطار» تحتاج مشاريع تصريف وليس «تناكر»
تحقيقات
29 أكتوبر 2015 , 02:10ص
محمد سيد احمد
بعد إعلان وزارة البلدية والتخطيط العمراني عن جاهزيتها للتعامل مع موسم الأمطار المقبل، نبه مواطنون المسؤولين في البلدية على أن سمعة قطاعهم على المحك في حالة ما إذا لم يوفوا بوعدهم أو تكررت نفس المشاهد والممارسات الماضية التي أدت إلى غمر شوارع وأنفاق تسببت في أضرار لمواطنين ومقيمين.
وطالب مواطنون ومقيمون استطلعت «العرب» أرائهم البلدية بتحديد مسؤولياتها والالتزام بها، والابتعاد عن تحمل مسؤولية هيئة الأشغال العامة التي كانت تفرض عليها بناء شبكة لتصريف المياه بموازاة إنشاء مشاريع البنية التحتية، مشيرين إلى أن الفوضى وعدم بناء المشاريع وفق أسس ومعايير دولية هو ما جعل مشاهد الترميم والتكسير والتحويلات ميزة وسمة بارزة لمعظم شوارع الدوحة.
وحذّر آخرون من أن هيئة الأشغال العامة تنفذ مشاريع البنية التحتية وفقا لخطة استعجالية تقتضي بتنفيذ أكبر قدر منها بوقت قصير، فإنجاز المشاريع والأعمال بوقت محدد أمر مطلوب إلا أنه يجب ألا يكون دافعا للعمل الفوضوي وتنفيذ مشاريع خارج المواصفات، الأمر الذي يتطلب إعادة هذه المشاريع التي خصصت لها ميزانيات ضخمة قادرة على جعل البنية التحتية في قطر واحدة من أفضل البنى التحتية في العالم، إذا ما تمت وفق دراسات وإشراف وطني يتطلع إلى مصلحة الأجيال القادمة.
فخدمات البنية التحية وجودتها هي الفيصل بين الدول المتقدمة والدول التي لا تمتلك موارد لإنشاء بنية تحتية متكاملة، ومنذ سنوات والبعض يبدي استغرابه من عدم تمكن مؤسسات ذات ميزانيات عالية جدا من إنجاز الأعمال المنوطة بها في بلد ذي مساحة محدودة مع وجود الموارد المالية الضخمة وعدم التمكن من بناء شبكة متكاملة للصرف الصحي وأخرى لتصريف مياه الأمطار رغم مرور ما يقارب الـ20 سنة على انطلاقة الثورة العمرانية في البلاد.
عجز كبير
يقول سعود راشد الدوسري: إن السنوات الماضية كشفت عن عجز كبير وواضح للجهات المعنية بالتعامل مع تصريف مياه الأمطار، حيث شاهد الجميع ما حل بأنفاق سلوى، وما حل مؤخرا بأنفاق الشحانية، وأضاف: ما زلت عاجزا حتى هذه اللحظة عن عجز البلدية وهيئة الأشغال العامة والجهات الأخرى في الدولة التي تمول مشاريع البنية التحتية عن وضع خطة واضحة ومخطط خدمي يبدأ ببناء شبكة للصرف الصحي، وأخرى لتصريف مياه الأمطار تعم كافة أرجاء دولة قطر ذات المساحة المحدودة، وحقيقة يحز في النفس أن ترى هذه الطفرة العمرانية وهذه الأبراج والمباني الجميلة، والمجمعات السكنية –يحز في النفس- ألا تصاحب هذه الطفرة العمرانية شبكة عامة للصرف الصحي، وأخرى لتصريف مياه الأمطار تنهي منظر الصهاريج وشفطها لبرك المياه والمستنقعات من فوق شوارع الدوحة الجديدة التي صرفت عليها المليارات لتكون على أعلى المواصفات، وهو ما لم يحصل للأسف الشديد، لأن اهتمام الجهات المعنية انصب على النظرة لما فوق الأرض من أبراج وعمارات تزين قطر، وقد كان من الأولى البدء في بناء شبكة لتصريف المياه تحتها قبل أن يتم تعبيدها، لكنه البناء الأعمى الذي لا يستند إلى دراسات شاملة.
تشكيك
ولفت الدوسري إلى أن إعلان البلدية عن جاهزيتها للتعامل مع موسم الأمطار هو إعلان روتيني، مشككا في إضافة جديد في هذا الاتجاه، وأردف: الكل يعرف مسبقا ما الذي ستقوم به البلدية لتصريف مياه الأمطار، ستوزع عشرات الصهاريج على بعض الشوارع، لكن هذه الصهاريج لن تكون لها القدرة على التعامل مع برك المياه في مناطق عدة في نفس اللحظة، فهناك مناطق تتحول شوارعها إلى برك مياه ومستنقعات تسد مداخل العمارات أحيانا، ومن ثَمَّ يبدأ الجميع بالاتصالات على خط البلدية التي عادة ما تعطي للمتصل موعدا قد يستغرق يوما كاملا قبل أن يأتيه الصهريج لشفط بركة المياه من أمام منزله، أو من على الشارع المغمور؛ لذا لا بد من التعامل مع الموضوع بعقلية أخرى، وإيجاد حلول عملية دائمة، وما أيسرها على من يرغب في اختفاء مشاهد الصهاريج تشفط المياه والمستنقعات، وكأننا في دولة من دول العالم الفقيرة.
خطوة جميلة ولكن
بدوره قال علي الشمري: إن إعلان البلدية عن جاهزيتها للتعامل مع مياه الأمطار، يعتبر خبرا سارا وخطوة في الاتجاه الصحيح تتطلب الإشادة من الجميع، لكن السؤال المطروح هو: ما الذي دفع بالبلدية إلى الإعلان عن استعدادها للتعامل مع مياه الأمطار هذا العام؟ وكأن الأعوام السابقة لم تشهد تدخل صهاريج البلدية للمساعدة التي لولاها لتحولت شوارع الدوحة أو معظمها إلى شوارع مغمورة، وفي اعتقادي أنه يتعين على وزارة البلدية الاجتماع بهيئة الأشغال للمكاشفة والمصارحة في الطريقة التي يتم بها تنفيذ الطرق ومشاريع البنية التحتية التي تتسم بقدر من الفوضى، فنحن نثمن دور أشغال في هذا الجانب، لكن عليهم ألا يقوموا بسباق مع الزمن للانتهاء من مشاريع البنية التحتية بوقت محدد، لكن علينا ألا نسابق الزمن لتنفيذ مشاريع بنيتنا التحتية بشكل يجعلنا نعود إلى هدم أو تعديل ما تم بناؤه وإعادة إنشائه من جديد بعد أن نتيقن أنه غير صالح، أو أن المواصفات التي نفذت بها المشاريع غير مطابقة لما تم الاتفاق عليه، ما نريده هو أن ننظر إلى رؤية قطر 2030 كتاريخ مفصلي يساعدنا على بلوغ التنمية في قطر ذروتها، وما دمنا ننجز مشاريعنا على هذا النحو الذي نشاهده الآن فسيأتي اليوم الذي نعض فيه جميعا على أصابع الندم، بعد أن نرى هدر هذا الحجم من الأموال التي صرفت على إنشاء بنية تحتية متكاملة للأجيال القادمة، لكنها لم تنفذ حسب المواصفات المتعارف عليها.
وطالب الشمري من الجهات المعنية بهذا الموضوع الاستفادة من أخطاء الماضي، ومما وقع في بعض البلدان المجاورة، حيث بقيت تلك البلدان تنفق مئات المليارات من الدولارات على بنيتها التحتية، ثم تفاجئ الجميع بعبث الشركات الأجنبية والوطنية بما أسند لها من مشاريع عندما جد الجد ونزلت كميات من الأمطار غير متوقعة، ففي حادثة مدينة بولة شقيقة مثلا قبل سنوات، صدم المسؤولون بعد اطلاعهم على حقيقة شبكة تصريف المياه الموجودة في المدينة والتي لم تكن سوى فتحات توضع على الطرق، لكنها غير مربوطة بقناة لتصريف المياه، الأمر الذي أغرق شوارع المدينة وحولها إلى سيول جارفة أغرقت عشرات الآلاف من السيارات التي شوهدت وهي تسبح في بحر وسيول في واحدة من أكبر مدن المملكة العربية السعودية وأكثرها أهمية، وأعتقد أنني غني عن التذكير بما حصل عندنا في أنفاق سلوى التي بدت جميلة للناظر عندما دخلت الخدمة، لكن تحول هذا الجمال إلى قبح بعد أن غمرتها المياه وتسببت في أضرار للمواطنين والمقيمين الذين غرقت سياراتهم هناك وكاد بعضهم يفقد حياته في نفس المكان، وعليه فإنني ألفت عناية المسؤولين إلى ضرورة وضع خطة شاملة لبناء شبكة لتصريف المياه وأخرى للصرف الصحي تربط جميع مدن وقرى دولة قطر، يكون العمل فيها بموازاة بناء الطرق والجسور والأنفاق وطريق المترو، حتى تكون التنمية في هذا الجانب مبنية على أسس علمية وعلى قاعدة صلبة، بعيدا عن الفوضى ومنطق التكسير والترميم الذي نشاهده كل عام، بل كل أشهر، فمنظر الشوارع الجديدة الرئيسية وهي تزال أو ترمم من جديد بعد أشهر من دخولها الخدمة يؤكد عجزا حقيقيا عن مواكبة تطلعات قيادتنا الرشيدة التي وضعت رؤية واضحة للتنمية ورصدت لها ميزانيات ضخمة قادرة على جعل البنية التحتية في قطر من أفضل البنى التحتية في العالم.
مسؤولية أشغال
من جهته أبدى محمد الهاجري وجهة نظر متطابقة مع من قبله فيما يتعلق بعجز الجهات المعنية بإنجاز مشاريع البنية التحتية عن بناء شبكات لتصريف المياه قبل شق الطرق، لافتا إلى أن مسؤولية برك المياه والمستنقعات تقع على عاتق هيئة الأشغال، نظرا لاختصاصها في بناء وتشييد الطرق، وتدخل البلدية فيها يعتبر تغطية على فشل قطاع آخر مستقل، وما لم توقف أشغال إنشاء مشاريع البنية التحتية بطريقتها الفوضوية فستبقى مشاريع البنية التحتية تدور في حلقة مفرغة، فالطرق يتم شقها، والشوارع يتم تعبيدها قبل وضع تمديدات الكهرباء، وقبل بناء شبكة لتصريف المياه وتوصيلها بالشبكة الأم إن وجدت أصلا، وهو ما يجعلنا نشاهد تكسير شوارع كثيرة لأتفه الأسباب، إما لتمديدات الكهرباء والماء، وإما لوضع فتحتي تصريف المياه، يحدث هذا بعد أن تسلم هذه الشوارع وتصرف عليها مئات الملايين، بل المليارات؛ لذا أعتقد أن البلدية قادرة على الوفاء بتعهداتها في هذا المجال، وهي تقوم بها كل عام وتنجز ما عليها فعله، لكن قد يكون الوضع أكبر من طاقتها، فلا أحد يستطيع التحكم في كمية الأمطار التي تنزل أو توزيعها على المناطق حتى تعلن خطة لمواجهتها، فالظروف المناخية متغيرة، وبناء المشاريع يجب أن يتم على اتخاذ احتياطات كبيرة قادرة على مواجهات الحالات الطارئة، وليس الحالات الطبيعية.
ونصح البلدية أن تتوقف عن تحمل مسؤوليات غيرها والتستر على فشل مشاريع أشغال، فالبلدية ليست هي الجهة المنفذة للشوارع، أو للصرف الصحي أو لشبكة تصريف مياه الأمطار، حتى تعلن استعدادها بشكل دائم للتعامل مع مياه الأمطار، بل المسؤولية في هذا كله تقع على هيئة الأشغال، ودور البلدية يجب أن يكون مساعدا فقط، كأن تتدخل في المناطق التي لم تنتهِ فيها عملية بناء شبكة تصريف الأمطار، إما أن تكون البلدية مسؤولة عن شفط مياه الأمطار من مختلف مناطق الدوحة وشوارعها التي لم تزود بشبكة لتصريف المياه فهذا تكريس لواقع متخلف يجب أن يعاد فيه النظر.
نحن في مركب واحد
عضو المجلس البلدي مبارك بن فريش يرى أن تحميل هيئة الأشغال كل المسؤولية ووصف تعاون البلدية معها في مجال سحب مياه الأمطار على أنه تكريس لواقع غير طبيعي أو تغطية وتستر هو اتهام يجافي الحقيقة، وعلينا أن نعي جميعا أن دولة قطر في مرحلة بناء شامل، وكلنا في مركب واحد، بالتالي يحتم علينا هذا الوضع التعاون وتضافر الجهود للانتهاء من مشاريع التنمية، وعلى العكس مما ذكره بعض الإخوة فتعاون البلدية مع هيئة الأشغال هو الذي ينهي مشاهد التناكر والمضخات، لأننا نعمل وفقا لخرائط، وهذا ما يعطينا الفرصة لتقديم خرائط كل عام لهيئة الأشغال عن أماكن تجمع مياه الأمطار في المناطق، لتقوم الهيئة بوصلها بشبكة تصريف المياه، وكمسؤول سابق عن الصرف الصحي في بلدية الريان استطعنا بالتعاون مع الهيئة أن نقضي على تجمع المياه في شوارع رئيسية كانت تغمرها المياه كل سنة، مثل شارع أم الدوم في معيذر، ومن أمام «استاد خليفة»، وحياة بلازا، وغيرها من الشوارع؛ لذا علينا أن يكون لدينا جميعا وازع ديني ودافع وطني للتعاون من أجل حل كل المشاكل العالقة في هذا المجال.
ولفت إلى أن تصيد أخطاء الآخرين ليس حلا، بل تضافر الجهود والتنسيق والعمل المشترك هو ما يوفر جميع الحلول للمشاكل العالقة، وهذا ما تقوم به الأجهزة الحكومية في قطر، صحيح أننا نتطلع إلى وضع أفضل مما هو عليه، لكن إذا عملنا بالوتيرة الحالية من التعاون والتنسيق فسنصل إليه بإذن الله.. وحول ما إذا كانت البلدية قادرة على الوفاء بوعدها هذه المرة أكد مبارك فريش أن الوسائل موجودة لدى البلدية وستقوم بالواجب والتعامل مع مشكلة تجمع مياه الأمطار في حالة ما إذا وجدت في أي نقطة.
س.ص