

أنشأ باحثون من وايل كورنيل للطب - قطر خريطة جزيئية شديدة التعقيد لجسم الإنسان وما يتسم به من عمليات فسيولوجية مركبة ومتشابكة، وذلك بالاستناد إلى تحليل متعمق لعينات من الدم والبول واللعاب مستمدة من مئات الأفراد.
وجمعت الدراسة المستفيضة بيانات من سلسلة واسعة من المشاريع البحثية القائمة التي أجريت في وايل كورنيل للطب - قطر طوال 12 سنة الماضية والتي استخدم فيها باحثو الكلية تكنولوجيات فائقة لتحليل السمات الجزيئية المترابطة التي تميز كل إنسان على حدة، بما في ذلك ما ينفرد به من بيانات جينومية (الحمض النووي)، وترنسكربيتوم (الحمض النووي الريبوزي)، وبروتينات، ومستقلِبات مثل الأحماض الأمينية والسكريات والدهون، وغيرها من البيانات.
متعددة الأعراق
ورُسمت خريطة للبيانات المأخوذة من كل عينة، والتي جُمعت من 391 مشاركاً في «الدراسة القطرية للميتابولوميات وعلاقتها بداء السكري» (QMDiab)، وهي دراسة متعددة الأعراق، بهدف استكشاف العلاقات الترابطية والمسارات التي تربط السمات الجينية ببروتينات وعمليات أيضية وأمراض محددة. ومن ثم قام باحثو وايل كورنيل للطب - قطر بجهد مضن في دمج البيانات الضخمة المأخوذة من كل الأفراد في نموذج متاح للاطلاع عليه عبر الإنترنت وأطلقوا عليه اسم «الإنسان الجزيئي». ويتيح هذا النموذج أداة مرجعية بصرية تفاعلية يُعتد بها ويمكن الاستعانة بها من قبل المهتمين باستقصاء التركيبية الجزيئية البالغة التعقيد للإنسان واكتشاف السمات الكامنة المرتبطة بمختلف الأمراض المضنية والمنهكة للإنسان.
وقاد المشروع كل من الدكتور كارستن زوري أستاذ الفسيولوجيا والفيزياء الحيوية، والدكتورة آنا هالاما الأستاذ المساعد للبحوث في الفسيولوجيا والفيزياء الحيوية، ونُشرت ورقة بحثية بنتائجه في الدورية العلمية المتخصصة Nature Communications. ويُطلق على نهج الجمع بين البحوث الجينومية والترنسكربيتومية والأيضية والبروتينية وغيرها من العلوم ذات الصلة اسم علوم الأوميكس التعددية، وقد برزت أهمية علوم الأوميكس التعددية في الأعوام القليلة الماضية كإستراتيجية رئيسية للباحثين في مجال الطب الحيوي الذين يسعون إلى فهم كيفية عمل جسم الإنسان وكيفية الإصابة بالأمراض، وهي توفر رؤية متعمقة يمكن أن تقود نحو تطوير عقاقير دوائية جديدة في المستقبل.
وقال الدكتور زوري: «تمثلت فكرتنا في جمع ودمج كل ما تعلمناه على مدار أكثر من عشر سنوات من بحوث علوم الأوميكس التعددية، وأن ننشئ نموذجاً جزيئياً شاملاً يجسد جسم الإنسان وعملياته الشديدة التعقيد. وهذه الأداة المرجعية متاحة مجاناً للعلماء والباحثين والمهتمين الراغبين باستخدامها في إطار استقصاء كيفية عمل جسم الإنسان على المستوى الجزيئي وكذلك لتكوين فرضيات لاختبارها بالتجريب».
وفي السياق نفسه، قالت الدكتورة هالاما: «يمكن للباحثين، على سبيل المثال، استخدام أداة «الإنسان الجزيئي» لتحديد مسار يظهر علاقة ترابطية ما بين جينة معينة أو موقع ما ضمن جينة معينة مع أنواع فرعية محددة من داء السكري أو سمة أخرى. ومن ثم يمكنهم طرح فرضية مفادها أن الجينة والمرض مرتبطان، وعليه تصميم تجربة لاختبار صحة تلك الفرضية.