«الثقافة» تسعى لتسجيلها على قائمة التراث العالمي.. عرضة «هـــل قـــطـر» عز الآباء وبهجة الأفراح

alarab
أفراح ومناسبات 29 أغسطس 2024 , 01:06ص
محمد عابد

لا تخلو مناسبة وطنية ولا اجتماعية من الاحتفاء بعرضة هل قطر التي تعد من أبرز مظاهر الاحتفال باليوم الوطني للدولة والمناسبات الوطنية بشكل عام، والمناسبات الاجتماعية كالأعراس بشكل خاص ليكون هذا الاحتفاء تأكيدا على عراقتها واعتزازا بإرث الآباء والأجداد وفي نفس الوقت لتظل مظهرا رئيسيا من مظاهر بث البهجة في النفوس وفي ذات الوقت من الترويح الذي لا يتنافى مع تعاليم الدين الذي حيث على الفرح والابتعاد عن المحرمات، فالعرضة القطرية تجمع بذلك بين الكثير من الفوائد سواء على المستوى الفردي أو المستوى المجتمعي.

فن العرضة القطرية يعتبر الممارسة الشعبية الأغنى والأهم على امتداد تاريخ وطننا العزيز، وهي عادة ما تصاحب المناسبات الوطنية والاجتماعية، تعبيراً عن مدى الحفاوة بهذه المناسبات وقربها من القلب والوجدان، فالعرضة بالأساس هي رقصة حربية وبفضل من تذخر به من المعاني وجدت في مناسبات كالزواج والأعياد واستقبال الملوك والأمراء وكبار الشخصيات، كما هي فن متزن لا يأنف من المشاركة في أدائه أحد، كونه يرتبط بمجموعة من القيم والمبادئ السامية ذات الطابع الوطني والقومي والاجتماعي.
 وانطلاقا من أهمية عرضة هل قطر نجدها جزءا رئيسيا في احتفالات الدولة باليوم الوطني كثير من الأمور، كما أن هناك اهتماما خاصا بها حيث تسعى وزارة الثقافة إلى تسجيلها على قائمة اليونسكو للتراث العالمي الثقافي غير المادي، وفي سبيل تعزيز ذلك يقوم مركز نوماس بتقديم دورات باستمرار في تعزيز التراث القطري ومن أهم هذه الدورات دورة عرضة هل قطر حيث تعرف الشباب والنشء على أصول وقواعد هذا الفن تأكيدا على استمراريته والحفاظ عليه. وبحسب كتاب «عرضة هل قطر» الصادر عن مؤسسة الحي الثقافي (كتارا) في عام 2013، فالعرضة تعني العرض العسكري للجند والسلاح، وهو بمثابة استعراض للقوة، من شأنه أن يرهب العدو، ويسعد الصديق، ويرفع الروح المعنوية العامة لأعضاء المجتمع، وبخاصة المقاتلين منهم.

 سبب التسمية
وكما ورد في الكتاب ذاته فإن العـرض مصـدر، والعرضـة ـ كمصطلـح ـ كلمـة مشـتقة منـه. والمقصود بالعـرض هـو العـرض العسـكري للجنـد والسـلاح، وهـو بمثابة اسـتعراض للقـوة، مـن شـأنه أن يرهـب العـدو، ويسـعد الصديق، ويرفـع الـروح المعنوية لأعضاء وعامة المجتمع وخاصة المقاتل منهم.
ولقـد لفتـت كلمـة «العرضـة» -بالنسـبة إلى مصدرهـا- نظـر بعـض الباحثـين، فـرأوا أن اشـتقاقها مـن المصدر غيـر صحيـح، ومـن ثـم راحـوا يبحثـون لهـذا الأمر عـن تعليـل؛ فقـال الدكتـور الغامـدي في هـذا الصـدد: «ويبـدو أنهـم يسـتخدمونها ملحـق بهـا تـاء التأنيـث يقصـدون بهـا العـرض للقـوة لمرة واحـدة، وصحـة تسـميتها في مثـل هـذه الحالـة هـو العـرض، ولكنهـم كـما يبـدو أرادوا التمييـز بينهـا وبـن العـرض الـذي قصـد بـه عـرض الأشياء كعـرض البضاعـة، أو كلمـة عـرض التـي تقابلهـا كلمـة «الطـول» فألحقـوا بهـا تـاء التأنيـث“ العرضة فتم منحها أبعادهـا الدلالية كمصطلــح يشـيـر إلى شيئ بذاتــه، لــه صلــة وثيقــة بالعــرض العســكري ولكنــه ليــس هــو، وفي الوقـت نفسـه يميز بين مـا يعنيـه هـذا المصطلح «العرضـة» وبيـن مـا تعنيـه كلمـة العـرض التـي يقصـد بهـا عـرض الأمور أو الأشياء عـلى الغـيـر، وكذلـك مـا تعنيـه كلمـة «العـرض» التـي تقابلهــا في اللغـة كلمـة «الطـول»، عـلى مـا أشـار الدكتـور الغامـدي في تعليلـه السـابق.
وعـلى أيـة حـال، فـإن «العرضـة» هـي فـن مـن الفنـون الشـعبية في منطقـة الخليـج العربيـة عـلى وجـه التحديـد، يعتمـد الحركـة والإيقاع والكلمـة الموزونة في نسـق أدائي جامعـي الطابـع، يعـد مـن أروع أنسـاق الأداء الجامعـي وأكثرها اتسـاقا.ً وهـو فـن مهيـب متـزن لا يأنـف مـن المشاركة في أدائــه أحــد، كـبـر مقامــه أو صغــر، كونــه يرتبــط بمجموعــة مــن القيــم والمبادئ العربيــة السـامية، ذات الطابـع الوطنـي والاجتماعي والقومـي، وهو يعـرف في المنطقةـ أي دول الخليـج العربيـةـ بأسـماء مختلفـة.
 
 أسماء العرضة
 أول أسماء العرضة « العيالة « وهــي عرضـة أهل الامارات ولهــا عـنـدهــم عــدة أنواع تتفـق في الوظائـف والأساسيات وتختلـف في التفاصيـل، منهـا: السـاحلي التـي يمارسـها أهــل السـاحل، والـبري التـي يمارسها بـدو الصحـراء، والجبـلي ويمارسها الذين يقطنون الجبال.
 وتأتي عرضة «البداوي: وهـي عرضـة يمارسها أهـل الباديـة ”البـدو“. وفيهـا يقـف المشاركون صفنيـن متقابلين، وبينهما
 يقـف شـاعر يلقنهـم أبيـات الشـعر. وتتميـز هـذه العرضـة بألحانهـا السريعة، وبخلوهـا التـام مـن الطبـول والدفـوف، التـي يتـم الاستعاضة عنهـا بالتصفيـق، وضرب الأرجل في الأرض
العرضــة النجديــة: وهــي عرضــة أهــل نجــد، و تختلــف هــذه العرضــة كثـيـرا عــن العرضــة الســيفية ؛ ولكــن يتــم اســتخدام الدفــوف الكبــيرة ”المراجيف“ فيهــا، والتــي يــراوح عددهـا مـا بـين خمسـة إلى ثمانية دفـوف، ودف واحـد
صغير أو اثنين الأول يسمى الصاقول، والثـاني يسـمى «المرد»، كما يسـتخدم فيهـا أيضـا طبـل واحـد، يمسـك باليـد يعلـق عـلى الأكتاف مثـل العرضـة السـيفية، والتي تسـتخدم فيهـا «الطاسـة» وتستخدم في المنطقة الوسـطى مـن المملكة العربيـة السـعودية، فـإن هنـاك طبـولا كبيـرة للتخمير وأخـرى صغيـرة للتثليـث، وهـي تشـبه إلى حـد مـا دفـوف المنطقة الشرقية لأنها مغطـاة مـن الجانبيـن بالجلـد، ومحيطهـا مزركـش جميلـة، وتقـرع هـذه الطبـول بعصـا صغـرة معقوفـة الطـرف. أمـا في المنطقة الجنوبيـة مـن المملكة فإنهـم يسـتخدمون «الزيـر» ذا العمـق المخروطي في الإيقاع، وفي المنطقة الغربيـة يشـبه شـكل الـدف والطبـل المستخدمان في المنطقة الشرقية.
أما عرضة هل قطر والتي تعنينـا هنـا، وتتميـز بوجـود ثالثـة طبـول للتخمـر، وعـدد مـن الدفـوف يـراوح مـا بـن خمسـة إلى ثمانيـة دفـوف، مـن بينهـا دف صغيـر، نسـبة إلى باقـي الدفـوف، يسـمى ”الصاقـول“، وطاسـة أو اثنتـان عـلى الأكثر.
والعرضة بشكل عام مصطلح خليجي، فهناك فنون العرضة بعدد من دول الخليج، لكن ما يميز عرضة أهل قطر هو وجود ثلاثة طبول للتخمير، وعدد من الدفوف يتراوح مابين خمسة إلى ثمانية دفوف، من بينها دف صغير، نسبة إلى باقي الدفوف، يسمى «الصاقول»، وطاسة أو اثنتان على الأكثر.
 
 مناسبات أداء العرضة
ترتبط العرضة في الوقت الحالي بمناسبات معينة تؤدى فيها، وعلى رأسها المناسبات الوطنية حيث يجري الاحتفال باليوم الوطني في كل ربوع دولة قطر بلا استثناء؛ وتسارع جميع القبائل إلى المشاركة في الاحتفال بهذه المناسبات الوطنية، كدليل وفاء وانتماء، وذلك بتقديم «فن العرضة» إلى الجماهـير، التي تتوافد على ساحات الاحتفال وملء قلوبها الزهو والفخر.
كما أن كبار الشخصيات، يتواجدون في هذا المهرجان الكبير، ويشاركون في أداء فن «العرضة» بكثير من الفخر والاعتزاز، وفي لوحة تصور أروع معاني التلاحم بين الشعب.

كيفية أداء العرضة

يقف الشاعر عند أهل الطبول، وبالضبط عند الطبل المخمر فـ «يشيل/ ينزع»، أي يقول أول شطر من الشيلة أو القصيدة ملحنا بلحنه المناسب، ويجب أن تكون الشيلة أو النزعة متوافقة مع الإيقاع لتي يستلمها منه الصف بنفس الوزن والإيقاع - ويسمى هذا الإجراء نزعة؛ إذ يقال للقيام به: انزع يا فلان أو شيل يا فلان - وعندما يكمل الشاعر هذا الشطر من الشيلة فإن الصف الأيمن يرد عليه بنفس اللحن ونفس السرعة، فما أن ينتهي من ذلك حتى يبدأ الصف الأيسر بترديد الشطر نفسه، ثم يقوم الصف الأمن بترديد هذا الشطر أيضا من ثلاث إلى أربع مرات، بدون استخدام الطبول، ويثبت الإيقاع عند صاحب «الطبل المخمر» على الزمن المطلوب، وعندئذ يبدأ القرع على الطبل المخمر، ثم الطبل اللاعوب، ثم الدفوف «الطيران»، ومن ثم الطاسة.
بعدها يقوم الشاعر بتلقين الصف الأول «الأيمن» الشطر الثاني من الشيلة بصوت مرتفع وبدون تلحين، وأثناء انشغال الصف بتأدية هذا الشطر، يسرع الشاعر إلى الصف الثاني «الأيسر» فيلقنه الشطر نفسه، أو يقوم بتكليف أحد الرجال بذلك، ويظل الشاعر يتنقل مراوحا بين الصفين ليلقنهم كل شطر في حينه إلى أن تنتهي الشيلة فيشير إلى أهل العدة بالتوقف، وجرت العادة على أن يشير الى أحد طبـول التخمير للتوقف.
 ومـن هنـا يتميـز شـعراء عـن آخريـن في هـذا المجال، ومـن الشـعراء الذيـن تميزوا وبـرزوا في شـعر العرضة عـلى سـبيل المثال ـ منهم من الشعراء القدامي القطريين مثل: إبراهيم بن محمد الحسن المهندي، إبراهيم بن محمد الخليفي، حمد بوسطوة الهاجري، راشد بن سعد الكواري، راشد بن إبراهيم المسند، راشد بن محمد الكبيسي، الشيخ سعود بن عبدالرحمن، سعيد بن جمعة الكبيسي، سعيد البديد المناعي، صالح بن سلطان الكواري، عبدالله بن صالح الخليفي وغيرهم الكثير ممن برعوا في قرض الشعر أو ممن تميزوا بالحفظ والرواية للشعر.

 الاستعراض بالسيوف (الرزيف)

المبارزة في فن العرضة، هو ما يسمى بـ «الرزيف»، وكان «الرازفـون أو المتحيلون» يدخلون إلى ساحة العرضة عندما تبدأ وهم يحملون السيوف والبنادق.
وكانوا في الماضي يرزفون من وراء الصفوف على غير ما يحدث في أيامنا هذه، إلا أن بعض القبائل أخذوا في إحياء هذه العـادة القديمة في العرضة القطرية العريقة، وهم يبدأون الرزيف مصحوبا بأصوات تهز ساحة العرضة، ومنهم من يردد أبياتا من شعر الافتخار.