لا ينبغي لصاحب الحق أن يخافت به.. ينبغي أن يرتفع صوته ويعلو مناره

alarab
باب الريان 29 أغسطس 2011 , 12:00ص
{فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ} الأمر بالجهر بالدعوة اصدع: اجْهَر بما تُؤْمَر، وبلِّغ الناس رسالتك جهارًا وعلانية. فقد كانت الدعوة سرا وخفية حتى نزلت هذه الآية تأمر بالجهر والإعلان، يقول سيِّدنا عبدالله بن مسعود رضي الله عنه: كان الصحابةُ والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَخْفُونَ بدعوتهم، فلمَّا نزلت هذه الآية: صَدَعَ الرسول بالدَّعوة دون توانٍ ولا تقصير. كلمة الصَّدع في اللغة تعني: الشَّق، من صدع الزجاج أو غيره، وهنا بمعنى: الجهر والإعلان، لأن الصَّدْعَ يُحْدِثُ صوتًا. هنا لا بدُّ مِنَ الجهر، الإعلان بالدَّعوة، لا معنى للإسرار بالدَّعوة الآن، يجب أن يجهر الجميع بالدَّعوة فاجْهَر بالدعوة ولا تخافت بها وأعلنها، فأنت صاحب الحق، ولا ينبغي لصاحب الحق أن يخافت به، بل الحق ينبغي أن يرتفع صوته، ويعلو مناره. {فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ}، بما أمرك الله به، من عباداتٍ ومعاملاتٍ وأخلاقٍ وتشريعاتٍ وعقائدَ، كلُّ هذا وكلُّ ما تؤمَرُ به، كما قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة:67]. {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} الأمر بالإعراض عن المشركين لا تَشْغِل نفسك بالمشركين، أعرض عنهم، ولا تلتفت إلى ما يفعلون ولا تُخاصمهم، ولا تَأْبه بمُعارضتهم، وعِنَادهم، ولا تَخَفَهم، فإنَّ الله كافيك مكرهم، وحافظك من كيدهم، كما جاء في أكثر من آية في القرآن: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام:106]. {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا* ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ} [النجم:30،29]. {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ} [السجدة:30]. {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف:199]. أعرض عن المشركين، لا تَشْغَل نفسك بهم، وقال: {وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [الأحزاب:48]. حتى المنافقين: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا} [النساء:63]. {وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء:81]. أي: اشغل نفسك بالدَّعوة، لا تَشْغَل نفسك بهؤلاء، أعرض عنهم، تولَّ عنهم، لا تُعِرهم التفاتة. {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} كفاية اللهِ لرسوله أمر المستهزئين وتأتي المعونة من الله على قدر التكليف والمُؤْنة، فعندما كلَّفه بإعلان الدعوة والجهر بها أخبره سبحانه بكفايته وحمايته عليه الصلاة والسلام من كَيْد المستهزئين وأذاهم، فقال سبحانه: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ} الساخرين المتهكِّمين، نحن كَفَيْنَاكَ أمْرَ هؤلاء، وقَيْناك شرَّ هؤلاء، وأغنيناك عن مجابهتهم، فلا تَحْمِل همَّهم، كما قال له: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} [المائدة:67]، لا تَخَفْ، اللهُ يَعْصِمُكَ مَنَ النَّاس، هنا يقول أيضًا: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}، الذين يَسْتَهزِؤون بك وبدعوتك وبقرآنك وبأتباعك، كل هذا يجعلونه مصدرًا للهزؤ والسُّخْرية، حتى الأتباع الضعفاء الفقراء يسخرون منهم، فيقول: {إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ}، كأنَّ الاستهزاء أصبح صفةً ثابتةً لهم، تُعْرَفُ بهم ويُعْرَفُونَ بها. {الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} المستهزؤون يشركون مع الله إلهًا غيره: هؤلاء المستهزؤون يكفيهم شرًا أنَّهم يعبدونَ مع الله إلهًا أوآلهةً أخرى، لا تَضُر ولا تَنْفَعُ، ولا تُبْصِرُ ولا تَسْمَعُ، ولا تُعْطِي ولا تَمْنَعُ، لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، هؤلاء يجعلون مع الله إلها آخر، يكفيهم هذه التُّهمة، يكفيهم هذه الجريمة، أنَّهم أشركوا مع الله إلهًا غير الله، وإنَّه لا يستحق العبادة أحدٌ إلا الله وحدَه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا} [النساء:48]. تهديد ووعيد {فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ}، هذا تهديدٌ ووعيدٌ بالانتقام مِنَ الله عزَّ وجل، للذين يجعلون مع الله إلهًا آخر، افتراءً عليه، فسوف يعلمون ويدركون باليقين والعِيان عاقبةَ أمْرِهم، وجزاء كفرهم، واستهزائهم برسوله، ونتيجة سوء أعمالهم من عذاب أليم في نار جهنَّم. {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} إرشادُ النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلم إلى ما يُزيل همَّه ويَشْرُحُ صَدْرَه ثمَّ خُتمت السُّورة بهذه الآيات: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. خطابٌ للنبيِّ صلَّى الله عليه وسلم مِنْ ربِّه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ} الَّلام هُنَا موطئةٌ للقسم، وقد للتحقيق، وهذا لتأكيد الكلام. {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ} حُزن الرسول صلى الله عليه وسلم من أقوال المشركين في القرآن والرسول ودينه وأصحابه: {يَضِيقُ صَدْرُكَ} ينقبض ويغتم ويعجز عن التَّحمُّل، والرَّسول بشرٌ من البشر، يُؤْذِيه ويُحْزِنُه، ويضيق صدره، وتتألمَّ نفسه بِمَا يَسْمَعُه مِن كلام مُؤْذٍ عن القرآن: أنَّه {سِحْرٌ مُفْتَرًى} [الأنبياء:36]، أَنَّهُ (أساطير الأوَّلين)، أَنَّه (قولُ شاعر)، (قولُ كاهنٍ) هذا آذاه. إذا سمع الكلام عن شخصه عليه الصلاة والسلام قالوا: {شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ} [الطور:30]، قالوا: {أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ} [الأنبياء:5]، إلى آخره. الكلام عن دينه وتعاليمه، الكلام عن الصحابة، وفي آيات أخرى يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا} [المزمل:10]. {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ} [يونس:65]، مِمَّا يَدُلُّ على أنَّ الكلام قد يُؤْذِي أشدَّ مِنَ التعذيب الجسدي، عندما يضرب شخصٌ شخصًا آخر، هو يُؤْلِمُ جَسَدَهُ، ولكن عنْدَما تقول لأخيك: كلمةً سِّيئةً، هذه تُؤْذِي النَّفس، التعذيب يجرح الجسد، والأذى القولي يَجْرَحُ القلب. جَرَاحَاتُ السَّنَانِ لها التآمُ ولا يَلْتَامُ مَا جَرَحَ الِّلسَانُ يمكن لِجُرْحِ السَّنان وَجُرْحِ السِّكين أو السيف أن يُداوى ويَلتئم، أما جُرْح القلب بالكلام المُؤْذي والكلاَّم الكاذب والكلاَّم المُخْتلق، فهذا هو الذي قال الله له فيه: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}. ومن أشد الأمور التي كانت تُؤْذي النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، أنَّهم قالوا عن الله عزَّ وجل: إنَّ له ولدًا: {وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ} [البقرة:116]، {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ} [الإخلاص:4،3]، وقالوا: الملائكة بنات الله: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ} [الزخرف:19]. وقالوا: عُزير ابن الله، وقالوا: المسيح ابن الله: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ} [التوبة:30]، وقالوا إن لله شركاء: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ} [الأنعام:100]، وقالوا إن لله أندادًا: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ} [البقرة:165]، وقالوا وقالوا..، يعني آذوا الله سبحانه وتعالى بهذه الافتراءات، وآذوا نبيَّه صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ}. {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} مقابلة الأذى بالذكر والصَّلاة بماذا تقابل هذه الأقوال الكاذبة والمُؤْذية؟ قَابِلْهَا بذكر الله، بالتَّسبيح، بالُّلجوء إلى الله، بالِّلياذ بالله عزَّ وجل كي يذهب عنك ما تجده في صدرك من ضيق وحزن: {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ}، سبِّح: نزِّه الله عمَّا يصفون ويشركون. والحمد: الثناء الجميل على النِّعم بالقلب واللسان والعمل. الإنسان المؤمن في حالة النَّصر يُسَبِّحُ بحمد الله، وفي حالة الضِّيق والشِّدَّة يُسَبِّحُ بحمد الله، ولذلك قال الله لرسوله: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر:1-3]، في حالة النَّصْرِ فسبِّح الله، وفي حالة الضِّيق فسبِّح الله. {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ} إذا ضاق صدرك بأقوال هؤلاء الباطلة، فنزِّه ربَّك جلّ وعلا عن كلِّ ما لا يليق بكماله وجلاله، مع الثناء عليه بجميع ما هو أهله من صفات الكمال والجلال. فالتسبيح: تنزيُه الله عن كلِّ نقص، والحمد: الثناء على الله بكلِّ صفات الكمال، بأن تقول: (سبحان الله والحمد لله)، أو (سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم). وبالتَّسبيح بحمد الله خَتَمَ الإمام البخاري كتابه الجامع الصحيح بهذا الحديث: «كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم»، التَّسبيح بحمد الله، فسبِّح بحمد ربِّك، نَزِّههْ عن كُلِّ نَقْص، وانْسبْ إليه كلَّ كمال، وأحمده على كلِّ نعمة. {وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} أي: قم إلى الصلاة، لأنَّ السجود هو أبرز ما في الصَّلاة، وكما جاء في الحديث: «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء»، أن تُعَفِّرَ جبهتك بالسجود لله على الأرض، كن من السَّاجدين، أي: أقم الصَّلاة، صلِّ لله، والصلاة أبرز ما فيها الركوع والسُّجود، والسُّجود أفضل ما في الصَّلاة. وكثيرا ما يعبِّر القرآن عن الصلاة بالركوع والسجود، أو بالركوع فقط، أو بالسجود فقط، وكان النبي إذا حزبه أمر، واشتدت به أزمة من الأزمات فزع إلى الصلاة. كما أمرنا ربنا تعالى بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ} [البقرة:153]. فالصلاة مدد في معركة الحياة، مدد عندما تلمُّ بك الخطوب، وتحيط بك الكروب، فالجأ إلى الصلاة. فالإنسان في وقت الشدَّة يلجأ إلى الله حتى لا يأخذ اليأس منه مأخذه، ويقترب من القنوط، ويقنط من رحمة الله: {قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} [الحجر:56]، {وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف:87]. فإذا نزلت بك الشدائد، سبح بحمده. وكذلك إذا منَّ الله عليك بالفتح أو بنصر من عنده، فلا تنس تسبيح الله وحمده، فالتسبيح بحمد الله مطلوب في وقت الشدائد، وفي وقت النصر والعافية، ومن هنا جاء قول الله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ * وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [العصر:1-3] سبِّح بحمد ربك عند النصر، وسبِّح بحمد ربك عند الشدة، وسبِّح بحمد ربك في السراء والضراء، في النعماء والبأساء، في الهزيمة والنصر، في كلِّ وقت كن مسبحا بحمد الله عزَّ وجل. {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ} مقابلة أذى المشركين بالعبادة استمرَّ في عبادة الله عزَّ وجل، فإنَّ الله ما خلقك إلا لعبادته: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [الذاريات:56-58]. الاستمرار على العبادة حتى الموت اعبد ربَّك في جميع أوقاتك، استمرَّ في هذه العبادة، اعبد ربَّك الذي خلقك والذي أرسلك، والذي أنزل عليك الكتاب، والذي أيَّدك بملائكته، والذي يرعاك في كل أحوالك فهو أحق من يعبدوه، كم تعبده؟ سنتين أم ثلاثا أم عشرا؟ {اعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}، واليقين هنا: هو الموت، كما حكى القرآن عن المجرمين المكذِّبين، حين يَصْلَوْنَ سَقَر، ويَدْخُلُونَ جهنم، ويسألهم أصحاب اليمين: {مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ} [المدثر:24-47]، أي: حتى أتانا الموت. فكلمة اليقين هنا تعني: الموت، ويُؤيِّد هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث الزهري، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء (امرأة من الأنصار): أنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم لمَّا دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، فقالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السَّائِب! فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: «وما يدريكِ أنَّ الله أكرمه»؟ فقلت: بأبي أنت يا رسول الله فَمَنْ يكرمه الله!؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمَّا هو فقد جاءه اليقين وإنيِّ لأرجو له الخير...». فاليقين هنا: هو الموت، والموت لا شك فيه، كلُّ مخلوق سيموت، إن لم يكن اليوم فغدًا، أو بعد غد، أو بعد عشر سنين، ستموت. فاستمرَّ عابدًا لربِّك ما دام فيك عرقٌ يَنْبُض، وما دام فيك نَفسٌ يتردَّد، اعبد الله إلى آخر لحظة. ولذلك أمر النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالاستمرار في الصلاة ما دام عقل الإنسان واعيًا، وما دام يفهم الخطاب، قال لعمران بن حصين: «صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جَنْب»، حتى بالإشارة بالإيماء، لا تترك الصلاة، فما دمت تعقل الخطاب، عليك بالصَّلاة، متى تسقط عنك الصلاة؟ إذا سقط عنك الفهم، ولم تعرف ما حولك، فما دمت تعقل فأنت مكلَّف: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}. التكليف لا يسقط عن المُكلَّفين هناك أناس من منحرفي الصوفية يقولون: إنَّ الإنسان عليه أن يعبد الله حتى يصل إلى المعرفة، فإذا صار عارفًا بالله، وَوَصَل إلى اليقين بالله، ودرجة الكشف والشهود، سقط عنه التكليف، وسقطت عنه العبادة، اعبد ربَّك حتى يأتيَك اليقين، وقد أتاني اليقين، فلماذا أصلِّي؟ لماذا أصوم؟ لماذا أُسبِّح؟ جاءني اليقين، هذا افتراءٌ على الله وافتراءٌ على دين الله وضلالٌ في الفهم، وهي مردودة بالكتاب وبالسنة وبعمل الصحابة، وبمقتضى التكليف الإلهي، فالإنسان مكلَّف طوال حياته منذ بلغ حتى يلقى الله عز وجل. الأنبياء عبدوا الله سبحانه حتى الموت: أَعْرَفُ النَّاس بالله هم أنبياء الله ورسله، وهؤلاء ظلُّوا يعبدون ربَّهم حتى الموت، كلُّ أنبياء الله ورُسله، وعلى رأسهم خاتمهم محمَّد صلى الله عليه وسلم، الذي ظلَّ يعبدُ ربَّه إلى أنْ آتاه اليقين، لم يستطع أن يَؤُمَّ النَّاس رشَّحَ أبا بكر، وأمره أن يُصلِّي بالنَّاس، ويُصلِّي صلَّى الله عليه وسلم وراءه، وهكذا ظلَّ عابدًا ربه، موصولًا به حتى أتاه الموت، الذي لا شك في وقوعه لكلِّ حي، حتى صار كأنه اليقين نفسه، وبهذا تنتهي سورة الحِجْر المكية. والحمدُ لله الذي بنعمته تتمُّ الصَّالحات، وتتحقَّق الأمنيات، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.