

منذ بداياتها، أولَت السينما اهتمامًا خاصًا لتجربة الإنسان المنفي، حيث تحوّلت الكاميرا إلى وسيلة لتوثيق الوجع والحنين والتمزق بين مكانين. فالمنفى، سواء كان قسريًا بسبب الحروب أو سياسيًا أو اقتصاديًا، لا يشكل فقط واقعًا اجتماعيًا، بل فضاءً دراميًا يفتح الباب أمام التأمل في الهوية والانتماء والذاكرة.
وتُعد قضايا المنفى والهجرة من أكثر الموضوعات حضورًا في الإنتاج السينمائي العربي والعالمي خلال العقود الأخيرة، خاصة في ظل التحولات الجيوسياسية التي شهدها العالم العربي، من احتلالات، وحروب، وثورات، وانهيارات اقتصادية. وقد وفّرت السينما مساحة لرصد تجارب الأفراد داخل هذا السياق، لتخلق من اللقطة مشهدًا شاهق الحساسية، ومن الصوت سردًا ضد النسيان.
وفي هذا الإطار، يخصص معرض “أطيافنا أطيافكم”، الذي يحتضنه “ متحف « المتحف العربي للفن الحديث حتى 9 أغسطس المقبل، مساحة متميزة لعرض عدد من الأفلام العربية والدولية التي تعالج موضوعات الهجرة والمنفى من زوايا مختلفة، ضمن قسم يعكس التعدد البصري والسردي لهذه التجارب.
وتساءل القائمون على المعرض هل يمكن لمنفى صانعي الأفلام أن يكون مصدراً للتبادل والتهجين الثقافي؟ ما الذي نحتفظ به من وطننا الأم؟ ليس هناك من بد عن الوطن، وكما يذكرنا المخرج إيليا سليمان بحصافة شديدة: «لا وطن لي. ولكن بما أن المنفى هو الوجه الآخر للوطن، لا أعتبر نفسي منفياً. بل على العكس، وعلى مستوى معين غير سياسي، يمكنني القول إن أي مكان يمكن أن يجسد الوطن والمنفى في آن واحد.» تولد جدلية المنفى، التي يعتنقها صانعو الأفلام المولودون في فلسطين أو سوريا أو كينيا، فضاء سينمائياً ثالثاً، لا هو بلد المولد ولا المهجر (القسري أو الاختياري)، بل هو فضاء بين؛ تختلط فيه وجهات نظر متعددة حميمية وعائلية واجتماعية ولغوية.
وأكدوا أن استكشاف المنفى عبر السرد الوثائقي أو شبه الوثائقي هو وسيلة لمحاربة فقدان الذاكرة وأوهام الاندماج التي يروج لها الخطاب الرسمي. هنا يفسح صانعو الأفلام المجال لروايات غير رسمية قوامها الاجتزاء والتحول المستمر، سواء من خلال البورتريهات (فايا دايي) أو التصوير الذاتي (مطاردة الضوء المبهر). ليس الفردوس المفقود هو ما يسعون للعودة إليه، فالمنفى يحول دون الإيمان بأي يوتوبيا، بل المهجر كإزاحة إبداعية محتملة للمركز.
ويأتي في مقدمة هذه الأفلام فيلم «إن شئت كما في السماء” (2019) – للمخرج إيليا سليمان وفيه تنتقل الكاميرا من الناصرة إلى باريس ونيويورك، معبرةً عن مفارقات الاغتراب والحنين، بأسلوب ساخر بصري رصين.
وقد نال الفيلم جائزة الاتحاد الدولي للنقاد وتنويها خاصًا في مهرجان كان السينمائي، وفيلم فلسطين الصغرى، يوميات حصار” (2021) – للمخرج عبدالله الخطيب حيث يوثق الخطيب سنوات الحصار في مخيم اليرموك بدمشق (2011 – 2015)، من داخل أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين. يعكس الفيلم معاناة السكان في ظل الجوع والعزلة، ضمن سرد يومي حميم.
وفي فيلم «عيسى» 2023 للمخرج مصطفى مراد، يتتبع رحلة شاب سوداني مهاجر يبلغ من العمر 17 عامًا يجوب مدن مصر بحثًا عن طريق للهجرة نحو أوروبا. بعد حادثة عنيفة، يجد نفسه أمام خيارات صعبة بينما تنطلق عائلته في رحلة محفوفة بالمخاطر. حاز الفيلم على تنويه خاص في مهرجان بوخارست للأفلام القصيرة.
أما فيلم “لا ترتاح كثيرًا” (2021) – للمخرجة شيماء التميمي فتتأمل التميمي في تاريخ عائلتها اليمنية المهاجرة عبر رسالة إلى جدها، مستعينة بالأرشيف والصور والأنيميشن لتجسيد عبء الارتحال المتوارث عبر الأجيال.
وفي فيلم “مطاردة الضوء المبهر” (2023) – للمخرج ياسر قصاب الذي عاش في بلدة صغيرة بالسويد، يروي قصاب تجربته الشخصية في المنفى، بين البحث عن الإلهام السينمائي والضغوط المعيشية لتجديد الإقامة. يسلط الفيلم الضوء على واقع مهاجرين فرّقتهم الحرب وجمعتهم الكاميرا. وفي “فايا داي” (2021) – جيسيكا بشير وهو فيلم إثيوبي مكسيكي يستكشف ثقافة تعاطي القات في إثيوبيا، من خلال رحلة طفل يسعى للقاء والدته المهاجرة وقد نال الفيلم جائزة أفضل وثائقي في مهرجان أثينا السينمائي.
وفي فيلم “الكهف” (2019) – لفراس فياض يقدم المخرج شهادة قوية عن الحرب في سوريا من خلال مستشفى تحت الأرض تقوده طبيبة شابة. حاز على إشادة واسعة كواحد من أبرز الأفلام الوثائقية عن سوريا.
“الغرفة ٤١: منفى” ونال جائزة أفضل فيلم وثائقي طويل في مهرجان “فيستيفال فيلم دوكومنتر” بإندونيسيا، وجائزة أفضل وثائقي في مهرجان تيرانا السينمائي الدولي بألبانيا.
لا يُقدَّم المنفى في هذه الأفلام كمجرد خلفية للأحداث، بل كفضاء ثالث، بين الوطن والمهاجر، حيث تتشابك الذكريات الشخصية مع الأسئلة الثقافية والاجتماعية الكبرى. كما يُبرز العديد من هذه الأعمال المنفى كحالة إبداعية محفزة، لا تتعلق فقط بالغياب بل بتكوين رؤية جديدة للعالم. ويفتح هذا البرنامج السينمائي نافذة للتأمل في كيفية مقاومة النسيان الرسمي عبر الحكايات الصغيرة، في سرديات تتأرجح بين الوثائقي والخيالي، بين البورتريه الحميمي والانشغال العام، مؤكدة أن السينما كانت وستبقى سلاحًا ذا عدسة إنسانية حادة.