الإثنين 17 رجب / 01 مارس 2021
 / 
04:04 ص بتوقيت الدوحة

قصة آخر "الضباط الأحرار" خادم الفقراء الذي أكلته "ثورة يوليو"

الدوحة: سامح صادق

الأربعاء 29 يوليو 2020
قصة آخر "الضباط الأحرار" خادم الفقراء الذي أكلته "ثورة يوليو"
>> مسيرة حافلة للعميد الحسيني أبوعرب من المشاركة في ثورة 1952 إلى رفض "انحرافاتها" والاستقالة من الجيش .. وتدريس الأدب الإنجليزي ثم تسخير حياته لخدمة المهمشين

>> ثلاثي "حب الخير" و"التضحية" و"إنكار الذات" يجمع الدكتور مشالي والعميد أبو عرب.. وهذا هو الفارق الكبير بين الرجلين

>> تبرع بممتلكاته لصالح مشاريع خدمية لأبناء قريته.. و تعرض للحرب من "فهلوية" الحزب الحاكم أيام مبارك 

>> من انجازات الرجل: جمعية استهلاكية تواجه جشع التجار .. ومعهد ديني ضخم للطلاب وآخر للفتيات.. ومحطة تنقية المياه... ومبنى البريد.. والسنترال.. ومستودع لاسطوانات الغاز .. وتجهيز مئات العرائس.. ومساعدة الأيتام

>> مستشفى الجراحات الدقيقة .. حلم العميد أبوعرب الذي قطع فيه شوطاً كبيراً ومات قبل دخوله الخدمة

>> استلهم في مسيرته الخيرية مبادئ أول تجربة فى التعاون الاستهلاكى فى العالم "روتشديل" والتى بدأت بقروش ثم تجاوز رأسمالها المليارات... ووفود من العراق وسوريا والمجر زارته للاستفادة من خبراته
>> عبر "دفتر التبرعات" ساهم الرجل في ترسيخ ثقافة المشاركة المجتمعية عند الكبار والصغار .. وأعطى دروساً مجانية في "الانجليزية" للطلاب

>> والده تعرض للفصل من عمله الأكاديمي بالجامعة نتيجة "وشاية" بمعاداته للثورة.. وفشل في مقابلة قيادات الدولة لرفع الظلم.. ودفن في الذكرى 68 للحدث التاريخي
>> أبوعرب: "مصادرة الأراضي" و"القطاع العام" و "أصحاب الولاء" و"حرب اليمن" و"ضياع السودان".. أبرز خطايا عبدالناصر
>> الفقيد خامس أبناء القليوبية الذين ارتبطت أسماؤهم بثورة يوليو بعد زكريا وخالد محيي الدين وكمال الدين حسين ومجدي حسنين

إذا كنت من أهالي قرية أجهور الكبرى أو القرى المحيطة بها بمحافظة القليوبية، أولى محافظات الدلتا شمالي العاصمة المصرية القاهرة، فالمؤكد أنك قابلت رجلاً فارع الطول، منتصب الهامة، ممشوق القامة، ذو بشرة تميل إلى الحُمرة، وملامح أقرب إلى الأتراك والألبان، مرتدياً جلباباً أبيض، يسير بخطى مسرعة في شوارع القرية أو الطرق الرابطة بينها وبين القرى الأخرى، حاملاً بيده حقيبة صغيرة سوداء اللون، داخلها " دفتر " وقلم.

أبناء القرية يعرفون أن الرجل يقوم بجولة معتادة شبه يومية، يجمع تبرعات ليس من أجل نفسه، بل من أجلهم هم، إذ أنه بمجهوده وثروته ومعاشه الشهري استطاع طوال نحو نصف قرن انجاز مشروعات خدمية كبيرة لصالح القرية والمناطق المحيطة بها، وفي قلب المستفيدين من تلك المشاريع المهمشون والمحتاجون والفقراء الذي كان يصف نفسه دائماً بأنه "خادمهم".
 
لذا كان القادرون، بل وغير القادرين، يبادرون بالتبرع له لاستكمال مشروعاته الكبيرة، التي تنوعت بين المجال الاجتماعي وكفالة الأيتام والمنتجات الغذائية والاستهلاكية والاتصالات، وصولاً إلى انشاء صروح تعليمية وصحية. 

كان الرجل يهدف من جمع التبرعات، فضلاً عن استكمال مشروعاته التي لم يكد ينجز أحدها حتى يبدأ في آخر ، إلى ترسيخ قيم العمل الجماعي والمشاركة المجتمعية لدى أبناء القرية، لذا كان يقبل أي تبرعات حتى لو كانت "قروشا قليلة"، ويبتسم ابتسامة رضا في وجه من يقدمها له، ويفتح حقيبته ومنها "الدفتر" ليسجل فيه قيمة التبرع واسم المتبرع، وكانت سعادة الأطفال كبيرة وهو يدون بخطه الأنيق اسماءهم في قائمة المتبرعين، ما ساهم في تشرّب هؤلاء الصغار من هذا العسكري الصارم قيم نبيلة ظلت ملازمة لهم بعدما صاروا شباباً وشيوخاً، ليستكملوا مسيرته.

شاهد : أحد الأهالي المقربين من العميد الحسيني أبوعرب يتحدث عنه 

من المصادفات أن يأتي رحيل هذا الرجل المعطاء الذي أفنى عمره لصالح الفقراء، وهو العميد الحسيني أبوعرب قبل خمسة أيام فقط من وفاة الدكتور محمد مشالي "طبيب الغلابة" الذي احتفت بسيرته مختلف وسائل الإعلام المصرية والعربية ، فضلاً عن عاصفة الحب التي شهدتها مواقع التواصل من أجله.

ومن المصادفات أيضاً أن تشييع جنازة العميد أبوعرب، كان يوم الخميس 23 يوليو الجاري، في ذكرى الثورة المصرية التي كان أحد أعضاء تنظيم "الضباط الأحرار" الذي قام بها قبل 68 عاماً، لتطوي وفاته ليس فقط صفحات "دفتر" التبرعات في حقيبته، وإنما صفحات كتاب "الضباط الأحرار" حيث كان آخر أعضاء التنظيم الباقين على قيد الحياة.

وهنا تجدر الإشارة إلى إن محافظة القليوبية أنجبت - فضلاً عن العميد أبوعرب- أربع شخصيات كبرى ارتبطت اسماؤها بثورة 23 يوليو منهما ثلاثة كانوا أعضاء بمجلس قيادة الثورة وهم " الرجل الحديدي" زكريا محيى الدين نائب رئيس الجمهورية الأسبق، وخالد محيى الدين الزعيم التاريخي لليسار المصري، وكمال الدين حسين وزير التعليم الأسبق، ومجدي حسنين مدير مشروع مديرية التحرير أحد أهم مشروعات "مصر جمال عبدالناصر".

شاهد أهالي أجهور الكبرى يشيعون الفقيد الراحل إلى مثواه الأخير:





بساطة مشالي.. ومعارك أبوعرب
وإذا كانت حياة طبيب الغلابة الدكتور محمد مشالي، اتسمت بالبساطة سواء في مسيرته أو مظهره، ودارت أغلبها في عيادته وسط المرضى الفقراء وأسرهم، 

فإن حياة العميد الحسيني أبو عرب كانت عاصفة ومليئة بالتحديات والمعارك، سواء على الصعيد الشخصي عبر مشاركته في ثورة كبرى استبدلت نطاماً بنظام جديد مازال يحكم مصر حتى اليوم، لكنه بدلا من أن يحصد ثمار ها فإنه ووالده كانا من ضحاياها !! ليقول إن حالته تجسد بوضوح مصطلح "الثورات تأكل أولادها، ليستقيل من عمله بالقوات المسلحة المصرية، ويدخل تحدياً جديداً مع نفسه في معركة تعليم وثقافة جديدين عن مشوار العسكرية، إذ حصل على ماجستير في الأدب الإنجليزي، وعمل بالتدريس بعض الوقت في الجامعة الأمريكية بالقاهرة ! 

ثم معاركه على الصعيد العام، إذ خاض بدأب المواجهة مع "الروتين الحكومي" ليتغلب على المعوقات والعراقيل لتقنين مشروعاته، وقبل هذا وبعده الحروب التي تعرض منالمتاجرين باحتياجات الناس الذين تضرروا من مشروعاته الخدمية الداعمة للفقراء ( على سبيل المثال أصحاب مستودعات أسطوانات الغاز ، إذ كان يقدم الأسطوانة بسعر أقل من ثلث سعرها عندهم )، وبين هذا وذاك المواجهات المستمرة مع قيادات الحزب الوطني الحاكم بالمحافظة أثناء عهد الراحل حسني مبارك، أو "الفهلوية" حسب وصف العامة لهم، حيث كانوا يشعرون بالغيرة من شعبيته الكاسحة وسط الناس، فحاولواكثيرا وقف مسيرته.

مشوار طويل لصاحب الأيادي البيضاء

"العرب" ترصد سيرة رجل تثبت أن مصر لا تنضب من نموذج "المشالي"، أو أصحاب الأيادي البيضاء التي قدمت الخير بعطاء لا يتوقف حتى آخر أيام حياتها لـ"ملح الأرض" من المسحوقين .

بدأ العميد أبوعرب تعليمه بمدرسة الأمير فاروق بحى روض الفرج بالقاهرة، والتحق بالكلية الحربية خلال أكتوبر 1948 "رغبة في تحرير البلاد من الاحتلال البريطانى والمشاركة في إقامة جيش وطنى" بحسب ما ذكر في أحد لقاءاته الصحفية. وتخرج في11 فبراير 1950، وبعد التخرج التحق بكتيبة البنادق السادسة المشاة، وشارك بعدها فيثورة 23 يوليو 1952 كأحد ضباط الصف الثاني للضباط الأحرار، وبعد مسيرة حافلة وورى الثرى الخميس الماضي 23 يوليو 2020 في نفس اليوم الذي تفجرت فيه الثورة قبل68 عاماً، والتي مازالت محل جدل كبير بين المصريين والعرب بين من يراها "ثورة" غيرّت معالم الحياة في مصر والعالم العربي للأفضل، وبين من يعتبرها انقلاباً أسس لحكم تسلطي قمعي في عموم المنطقة، وهو ما يُعرف بـ"جمهورية الضباط".

هذا الجدل انتقل إلى العميد أبوعرب نفسه "من وجهة نظرى 23 يوليو هى ثورة بمفهومها الواضح والكامل، إلا أن تغير أوضاعها وانحرافها عن مسارها وأهدافها قلل من قيمتها بسبب المحاباة والمجاملات لأعضاء التنظيم".. هكذا قال في حوار موسع أجرته معه صحيفة "المصري اليوم" المصرية ونشرته في ذكرى الثورة عام 2015.

وبعيداً عن أي جدل سياسي، فقد سادت حالة من الحزن بين أهالي قريته والقرى المجاورةعلى فراق "العميد أبوعرب" وهو لقبه الشائع بين عموم الناس. أبناء القرية يعرفون أن خسارتهم فادحة لرجل صاحب تاريخ حافل في مجال العمل الخيري والأهلي والتطوعي عبر جمعيته الخيرية التي أسسها عام 1971، وتبرع لها بممتلكاته ومعاشه الشهري، وحارب من خلالها جشع التجار ببيع السلع التموينية بسعر الجملة. 

ومن أبرز أنشطة الجمعية الأخرى إنشاء معهد ديني أزهري ضخم ابتدائي وإعدادي وثانوي للذكور، ومعهد آخر للفتيات، واللافت أنه أطلق على صروحه التعليمية أسماءعلماء القرية القدامى حتى يخلد أسماءهم ويعرّف الأجيال الجديدة بهم.

ومن المشروعات المهمة محطة تنقية المياه، ومبنى البريد، والسنترال، ومستودعلاسطوانات الغاز ، وتجهيز مئات العرائس ومساعدة الأيتام، حيث تكفل جمعيته نحو900 أسرة من فقراء القرية.

وإضافة لكل هذا فقد تبرع الراحل الكبير بمبني من 5 طوابق وشراء مساحة أرض كبيرة،ساهم فيها أهل الخير، لإقامة مستشفى ومركز الأورام والجراحات المتقدمة، وهو "المشروع الحلم" الذي مات وتمنى استكماله لتقديم خدمة صحية متميزة لغير القادرين .

زوجته تشاركه خدمة الناس

الرجل لم يكتف بتقديم جهده وماله لخدمة البسطاء، بل أيضاً شاركته مسيرته السيدةالفاضلة زوجته، التي كثيراً ما شاهدها رواد الجمعية الاستهلاكية وهى تكنس بنفسهاأرض الجمعية وترتب البضائع.  وقبل 21 عاما تعرضت أسرته لحدث جلل إذ كانت زوجةنجله الأكاديمي الدكتور محمد أبوعرب ضمن الضحايا ال 217 الذين سقطت بهم طائرة الركاب المصرية في المحيط الأطلسي بعد ساعة من إقلاعها من أحد المطارات الأمريكية،ليتبرع نجله بالتعويض المالي عن الفقيدة، لمشروعات والده الخيرية.

حرص العميد أبوعرب، على خدمة أبناء قريته طال كل المجالات، حتى وصل الأمر أنه كان يعطي دروساً مجانية في اللغة الانجليزية التي يتقنها للكثير من طلاب القرية، وبصرامته وخلفيته العسكرية كان يحاول فضلاً عن تعليم اللغة إكساب الصغار الكثير من الصفات الحسنة، منها الاستيقاظ المبكر والنظافة الشخصية، إذ كان يبدأ الدروس بعدصلاة الفجر ، ويرفض دخول أي تلميذ غير نظيف الملابس، أو أظافره متسخة أو غير مقلمة .

تجربة تستحق أن تروى

يروي الرجل تفاصيل مسيرته مع العمل الخيري : "تقاعدت من القوات المسلحة وأنا فى سن 43 عاما لأسعى لتحقيق حلمى لخدمة أبناء بلدتى فقمت فى 19 أغسطس عام 1971 بإشهار الجمعية التعاونية وتعاظم نشاطها ومبيعاتها ومشترياتها حتى وصل رأسمالها فى عام 1986 إلى 20 ألف جنيه . كما تنازل الأعضاء عن عائد المعاملات وفائدة الأسهم وحصتهم فى الخدمات الاجتماعيةوالمكافآت السنوية التى قررها القانون لصالح المشروعات الاجتماعية والخدمية فى منطقة عمل الجمعية واستطعت من خلال هذه الجمعية بناء معهد الشيخ على نور الدين للمرحلتين الابتدائية والإعدادية ومعهد الشيخ أحمد الصيفى الدينى للفتيات ومسجدالشيخ عطية البرهامى، ومحطة تنقية المياه ومبنى البريد والسنترال ومستودع غازوشراء أراض لبناء مستشفى وقصر للثقافة وثلاجة تبريد سعة 23 طنا، وكانت هذهالتجربة تجربة تعاونية رائدة تفخر بها التعاونيات حيث اعتمدت على مبادئ أول تجربةفى التعاون الاستهلاكى فى العالم والتى بدأت بقروش ثم تجاوز رأسمالها المليارات«روتشديل»، وكنت قد حصلت على البضائع من مخازن الجملة لتوصيلها لأعضاءالجمعية بأسعار زهيدة سواء للسلع المدعمة أو غير المدعمة من خلال كشوف يتم قيدهافى دفاتر ووصلت بتلك الخدمات إلى 52 قرية من قرى محافظة القليوبية، وزارنى وفودعراقية وسورية ومجرية للاستفادة من تجربتى فى أوائل الثمانينات وأنشأت شركةأجهور الكبرى للأمن الغذائى من خلال مساهمات الأعضاء بمبلغ 50 جنيها بالتقسيط".

ملمح آخر من جهود "خادم الفقراء" يتمثل في دعمه لمن فقدوا عائل الأسرة : "قمت بمساعدة الأيتام من خلال دفاتر توفير تجاوز عدد المستفيدين منها الـ120 حتى بلغوا سن الرشد وساعدت الفتيات منهم فى زواجهم، ولم ألتفت للحصول لأى تبرع من رجالالأعمال، فالتعاون الخدمى هو الأقرب للمواطن البسيط المحتاج كما سعيت لعمل دفاترتوفير تعاونية لكل أسرة فقيرة وهناك خدمات عاجلة كنت أقدمها نقدا أو وجبات جاهزةكل يوم خميس، كما كنت أعفى بعض الأسر بشكل كامل من الاشتراك الشهرى فى مشروع تنقية مياه الشرب، فضلا عن شراء الكتب المدرسية والجامعية".

أسرة العميد أبوعرب كانت داعمة له في تغيير مسار حياته من الاستقالة من الجيش وتفرغه للعمل الخدمى :" زوجتى وقفت بجانبى ولم تعترض وتبرعت بأثاث الزوجية كمكان لحفظ الأوراق والمستندات الخاصة بالجمعية ودفاتر توفير الأيتام، كما لم يعارضنى أولادى فعندما تحتاج الجمعية أموالا بصفة عاجلة لم يترددوا فى منح الجمعية وقمت بالتبرع بمعاشى لصالح الجمعية ويكفينى العيش منها".

قصتي مع الثورة .. من المشاركة إلى المعارضة

أما عن قصته مع ثورة يوليو التي بدأت بالانضمام لـ"الضباط الأحرار" وانتهت بمعارضته للكثير من قراراتها والظلم الذي طال والده وهو نفسها منها، فتحدث عنهاالعميد أبوعرب باستفاضة في حواره المشار إليه مع "المصري اليوم". عن ملابسات انضمامه للتنظيم الذي قاد الثورة..قال : "بعد التخرج من الكلية الحربية بأشهر معدودةعرضت على الملازم أول محمد يسرى الشامى أن يتم وضعى على رأس «طوربيد» لإطلاقه تجاه أحد معسكرات الإنجليز، فسمع عنى جمال عبد الناصر عن طريق محمدمحمد طلعت، قائد سرية بالكتيبة رقم 6 بنادق بمعسكر القرش، وكان قد التحق بتنظيم الضباط الأحرار والتحقت بعده بفترة وكانت الكتيبة التى خدمت تحت لوائها تضم الصاغ أحمد عصمت رقم 76 فى التنظيم واليوزباشى محمد حسن رأفت رقم 77 والملازم يسرى الشامى رقم 78 والملازم أول محمد عبد الحميد رقم 79 وكنت رقم 80 والملازم ثانىممدوح يوسف شلبى رقم 81".

وعن ما إذا كان تم إسناد أى مهمة له ليلة الثورة، أوضح : "ما أذكره أننا انتقلنا لرفح على حدود فلسطين ليلة 23 يوليو وكنت نوبتجى وجاءنى الصاغ فتحى خضير من قيادةاللواء الثانى المشاة ليبلغنى بنجاح الثورة وتولى الجيش زمام الأمور، وجلست برفقة زملائى أعضاء الكتيبة السادسة من الضباط الأحرار فى إحدى الغرف، وتم إبلاغنابإعلان حالة الطوارئ والتأمين الشديد وتم تعيينى ضابطا لإمداد وتموين الكتيبة."

لجان " التطهير" تطال والدي!! 

أما عن قصة الظلم الذي تعرض له والده من الثورة، وانقلاب حبه لجمال عبدالناصر فقالالعميد أبوعرب: "بداية أنا لم أقابل عبدالناصر أبداً هو والعديد من الضباط الأحرار، خاصة الصف الأول من أعضاء مجلس قيادة الثورة فى أى يوم، وعلى الرغم من حبىالشديد لناصر، إلا أن هذا الحب تغير للضد بسبب مواقفه من زملائه ومحاباته لأشخاص دون آخرين، وحاولت أن أقابله مرات عديدة لكنى فشلت وذات مرة أردت مقابلته لإثناء لجان التطهير عن فصل والدى من عمله عام 54 الذى كان يعمل أستاذا للشريعة والقانون بجامعة الأزهر وكان من مؤيدى ثورة 19 وتم فصله دون أخذ أقواله أو فتح محضر بعدماتم الزج باسمه من قبل بعض الشخصيات بأنه معارض لثورة يوليو، وعرض عليه الشيخ مصطفى المراغى، شيخ الأزهر آنذاك، السفر للسوربون على نفقة الأزهر، لكنه رفض وفضل البقاء فى مصر."

ويرصد العميد الحسيني أبوعرب العديد من قرارات ثورة يوليو التي يراها خاطئة :" لست مع مصادرة الأراضى الزراعية وتوزيعها على الفلاحين رغم انتمائى لهم، فى الوقت الذى كان يستطيع فيه عبدالناصر تعمير الصحراء، فضلا عن وجود القطاع العام الذىأفشل الاقتصاد وتراكمت ديونه بسبب البطالة المقنعة، إضافة إلى حرصه على اختيارقيادات تدين له بالولاء على حساب الكفاءة، وعلى الرغم من ذلك سيظل ناصر من وجهةنظرى شخصية وطنية عنيدة لا يستجيب للنصيحة، وتسبب ذلك فى ضياع السودان منحكم مصر، وترتب على ذلك انقسامها شمال وجنوب."

ولا ينكر العميد أبو عرب شعوره بالظلم في عصر الثورة التي شارك فيها: (فعلا شعرت بالظلم المضاعف تجاهى بسبب عدم الترقية وتقدمت باستقالتى للواء سعد سليم، مديرإدارة شؤون الضباط، وكتبت فى نص الاستقالة: «منذ أن التحقت بخدمة القوات المسلحة فى 11 فبراير عام 1950 لم تعرفنا مكاتب القيادة على مختلف مستوياتها ولم نكن من الساعين إلى المناصب أو السفريات أو البعثات وأجريت 6 عمليات جراحية منها 5 على نفقتى الخاصة، ولم أستغل إمكانيات الجيش لمصلحتنا حتى أن الذهاب إلى العملوالانصراف منه كان بوسائلنا الخاصة فى أغلب الأحوال، إلا أن نفسى راودتنى أن أظل حتى الترقى لرتبة العميد على أن أسوى حالتى بالمعاش مباشرة بعد الترقى وذلك للاستفادة من الفرق فى المعاش بين الرتبتين».).

وعلى الرغم من ذلك يؤكد الرجل أن الخلاف مع عبدالناصر تعدى الأمور الشخصية أو ترقيات كانيستحقها، وأصبح خلافاً سياسياً، في عدة ملفات منها: "الوحدة مع سوريا وحرب اليمن وزيادة الديون فى الوقت الذى كانت فيه إنجلترا مديونة لمصر بمبلغ 40 مليون جنيه إسترلينى، لكنى أيدته فى أزمة مارس عام 54 فى مواجهته للشيوعيين".

ويشير إلى أن البعض حاول إثنائه عن الاستقالة من الجيش: (أرسل الفريق سعد الدين الشاذلى عددا من أطباء مستشفى المعادى لى، حيث كنت مريضا وحاولوا إقناعى بالعدول عن تقديم الاستقالة، لكننى أقسمت ألا أرتدى البدلة العسكرية مرة أخرى وتفرغت للعمل الخيرى، ونظرا لأن الثورة تقوم ضد الظلم، لكننى تعرضت له، لذلك فإننى متفق مع المقولة الشهيرة بأن «الثورة تأكل أولادها» ولم يستفد الكثيرون من الضباط الأحرار ومنهم أحمد عصمت محمود وقيادات أخرى لم يتم تقديرها).

وعن الفارق فى تصوره بين الرئيسين جمال عبدالناصر وأنور السادات وكلاهما من جيل ثورة يوليو ومفجريها، قال العميد أبوعرب: "هناك فروق كثيرة بين عبد الناصر والسادات، ناصر أضعف الميزانية العامة وعقد صفقة سلاح مع روسيا فى الخمسينيات ولم تكن جيدة فأغلبها كان من مخلفات الحرب العالمية الثانية وكلامى هذا ليس من باب الادعاء، ففى تلك الفترة كنت مسؤولا عن عقود التسليح، فالبندقية الإنجليزية كان ثمنها 7 جنيهات مقابل الروسية بـ39.5 جنيه مصرى، أما بالنسبة للسادات فاتخذ خطوات إيجابية أهمها اتفاقية السلام مع إسرائيل، وبدونها لظلت مصر فى حالة حرب مستمرة،وكرم السادات الضباط الأحرار  بصرف معاشات برتبة وزير للصف الأول ومكافأة بقيمة100 جنيه لباقى الصفوف".

الحلم الأخير 

أما عن آخر أحلام العميد الحسيني أبوعرب وما الذى تمنى تحقيقه ولم تحققه بعد، فقال: "رغم أن منزلى قد تحول لمكان لسقى أهالى بلدتى مياه نظيفة عن طريق تنقيةالمياه، لكن هذا لم يكن كافيا، مازال هناك الكثيرون الذين يصابون بأمراض الفشل الكلوى والكبدى، لذلك أتمنى استكمال مشروع بناء مستشفى للأورام والجراحات المتقدمة علىمساحة 950 مترا قمت بتوفيرها وبالحصول على أجزاء منها فى شكل تبرعات من أهلالخير وبنينا فيها بعض المبانى التى لا ينقصها سوى (التشطيب) وكل ذلك بالجهودالذاتية على أن تتولى الجمعية التعاونية علاج المريض غير القادر، وأمنيتى أن أضع بها إمكانات طبية تؤهلها للقيام بمهمتها، إلا أن مخصصات المستشفى الآن لا تتجاوزبالجهود الذاتية 320 ألف جنيه ولكننى سأواصل جهودى وسأسعى لبدء العمل علىمساحة 350 مترا كما تمنيت إنشاء أول جامعة ريفية أسوة بالجامعات الأوروبية التى انطلقت من الريف لتخفيف حجم النفقات".

شاهد مبنى مستشفى الأمراض الدقيقة .. آخر أحلام "آخر الضباط الأحرار":


بعد عرض سيرة ومسيرة العميد أبوعرب الذي يشكل مع الدكتور مشالي، ثنائياً نقياً للإنسانية في أروع صورها، يبقى السؤال : هل تتحقق أمنيات "خادم الفقراء"، ويأتي من يستكمل هذه المشروعات التي لم ترى النور؟


_
_
  • الفجر

    04:38 ص
...