«الخيانة الإلكترونية» دخلت قائمة أبرز أسباب الطلاق
تحقيقات
29 يوليو 2015 , 07:43ص
حامد سليمان
أكد الدكتور حسن بن سالم البريكي رئيس قسم الإصلاح الأسري بمركز الاستشارات العائلية على أهمية تكاتف كافة المؤسسات من أجل التصدي لظاهرة الطلاق التي تفشت في المجتمع القطري، موضحاً أن لها العديد من الأسباب، والتي تأتي الخيانة الإلكترونية والعناد بين الزوجين في مقدمتها إضافة إلى غيرها من المشكلات التي تسببت في تفشي هذه المشكلة الاجتماعية الكبيرة.
وطالب البريكي من القائمين على القرار بالدولة أن تكون دورات ما قبل الزواج إلزامية، حالها حال الفحص الطبي قبل الزواج، فلا يسمح للمقبلين على الزواج بإتمام العقد إلا بعد إنهاء دورات تؤهلهم للحياة الزوجية السليمة.
وذكر الدكتور البريكي النموذج الماليزي الذي ضرب مثلاً رائعاً في تقليل معدلات الطلاق، حيث بلغت نسبة الطلاق %47، فقررت الدولة أن تقيم دورات إلزامية، وتعطي من خلالها رخصة لإتمام عقد القران، فيحضر الشاب والشابة دورة في العلاقات الزوجية، وهذه الدورات قللت من معدلات الطلاق وصولاً لـ%4، وهي النسبة الأقل في العالم، معرباً عن أمله أن تكون إلزامية، وأن يلتحق بها كافة الشباب والشابات، خاصة أن مختلف المؤسسات الخيرية تقيم مثل هذه الدورات ومنها مؤسسة الشيخ ثاني بن عبدالله للخدمات الإنسانية «راف»، ومركز موزة بنت محمد الذي يعد دورات للفتيات المقبلات على الزواج.
أسباب الطلاق
وقال في حديثه لـ«العرب»: الأسباب التي تؤدي إلى الطلاق كما هي متفشية في المجتمع منذ فترة طويلة، وأضيفت لها الكثير من المشكلات التي طرحها التغير المجتمعي والتقني الذي نعيشه جميعاً، والذي ألقى بظلاله على المجتمع ككل، وأبرز أسباب الطلاق عدم معرفة الزوج أو الزوجة ما هو الزواج، فالتأهيل قبل الدخول لهذه الخطوة غائب تماماً.
وأضاف: الكثير من الشباب يقدم على هذا الرباط المقدس دون معرفة وافية لما هو مطلوب منه، فيصطدم بمسؤوليات وعقبات تكون سبباً في هروبه من هذا الرباط ومحاولته العودة إلى العزوبية عن طريق الطلاق.
وتابع البريكي: تدخل الأهل يعد أحد الأسباب الرئيسية في حالات الطلاق التي ترد إلينا بمركز الاستشارات العائلية، خاصة أن غالبية حالات التدخل التي ترد إلينا هي سلبي من الأسرتين، فأسرة الزوج إن تدخلت يكون لصالح ابنهم بغض النظر عن خطئه من عدمه، وكذلك أسرة الزوجة التي لا تتدخل إلا لتبقي ابنتها صائبة أمام الأهل والأقارب، ما يضخم من المشكلة بدلاً من تحجيمها، فالانتصار للقريب من أهم ما يميز الخلافات الزوجية.
وأشار إلى أن إشاعة الأسرار بين الزوجين أحد الأسباب في انتشار الطلاق في المجتمع، فبعض الزوجات يفشين أسرار الحياة الزوجية بين الصديقات، الأمر الذي يتسبب في الكثير من المشكلات بين الزوجين، ويوصل الحياة الزوجية لتعقيدات تؤدي للطلاق.
ولفت إلى أن عدم وجود مساحة للحوار بين الزوجين يعد من الأسباب الهامة التي تؤدي للطلاق، فالحوار مفقود في الكثير من الحالات، وإن وجد فهو لفرض الرأي لا لتبادل الآراء والخروج بما هو مناسب، فالزوج يرى نفسه قائد للأسرة لا نقاش معه، والزوجة في بعض الأحيان تختار نفس الطريقة في التعامل مع الزوج، ولكنها في الغالب تكون من الرجال.
وقال الدكتور حسن البريكي: آفة الحياة الزوجية هي «العناد»، فهو يشكل %81 من الإشكاليات الزوجية بناء على الدراسات التي جريت في هذا الصدد، فكل من الزوجين لا يتنازل عن رأيه، والكثيرون يظنون أن التنازل عن الرأي الذي يتبناه يعني التنازل عن كرامته وقيمته وقيمه.
الخيانة الإلكترونية
وأضاف: من الأسباب التي صارت تحتل مرتبة متقدمة في أسباب الطلاق ما يمكن تسميته بالخيانة الإلكترونية، فالتقنية الحديثة كان لها أثر سلبي كبير على الكثير من الأسر، فصارت الهواتف وسيلة لعلاقات غير رشيدة، وتمر علينا الكثير من حالات طلاق من الليلة الأولى للزواج بسبب الهواتف، فترى الزوجة في هاتف زوجها صور فاضحة وعلاقات غير أخلاقية وكذلك العكس، فيبدأ العراك والخلاف بين الزوجين، ينتقل إلى مرحلة المطالبة بالتخلص من هذا الجهاز لضمان عدم تكرار مثل هذه الأمور، ولعدم معرفة قيمة الحياة الزوجية نجد من يضحي بالحياة الزوجية ولا يضحي بهاتفه، فتقدم الحياة الزوجية قرباناً لعلاقة إلكترونية، فقد تحولت التقنية الحديثة إلى تقاطع اجتماعي وليس تواصلاً.
التعرف على الحياة الزوجية
وأشار الدكتور حسن البريكي إلى أن الدورات التي يلقيها في مركز الاستشارات العائلية أو غيرها من المؤسسات التي تقدم توعية ما قبل الزواج يحرص على معرفة مدى دراية الشباب بالحياة الزوجية، فيسألهم عن ما قرؤوه عن الزواج والعلاقة بين الزوجين، فيبدأ بالسؤال عن قراءة عشر كتب، ثم يقلل العدد لخمس ثم كتاب واحد، فلا يجد أي أحد من بين المئة شاب الحاضرين قد قرأ أو حاول التعرف على الحياة الزوجية.
وتساءل رئيس قسم الاستشارات بمركز الاستشارات العائلية عن أسباب عزوف الشباب عن تكوين معرفة أوسع عن الحياة الزوجية قبل الدخول فيها، إن كان الشاب أو الشابة يحرصون على أخذ الدورات التي تؤهلهم لأي وظيفة، في حين أنه يمكن أن ينتقل منها لأخرى، ولا يحرص على القراءة حول الزواج، في حين أن الأصل في علاقته بزوجته أن تستمر، لذا نجد زيادة كبيرة في معدلات الطلاق، فلا بد أن يعرفوا ويقرؤوا ويحرصوا على حضور ندوات عن الزواج وهي كثيرة، ولكن لا بد أن يحرص الزوجان على أن يستمعا لها ليعرفا ما يقبلا عليه من حياة جديدة، وهي متوفرة في مؤسسات الدولة والجمعيات الخيرية وصولاً إلى المواقع الإلكترونية.
ودعا البريكي كافة الشباب أن يقرؤوا ويتعرفوا على الزواج قبل خوض التجربة، مشيراً إلى أن بعض الحالات التي ترد إليه لأزواج لا يعلمون شيئاً عن الحياة الزوجية، موضحاً أن المفاجأة تكون بإجابة الزواج «لقد تسرعت في هذه الخطوة»، فلما لم يسأل نفسه قبل الزواج، وما ذنب الزوجة في هذا الاستعجال، لذا فالدورات والورش التي تسبق الزواج هي السبيل الأمثل لإعطاء الشباب فكرة عن الحياة التي يقبلون عليها.
تغير الحياة الزوجية
ونوه رئيس قسم الاستشارات بمركز الاستشارات العائلية إلى أن الحياة الزوجية شأنها شأن باقي أمور الحياة التي مرت بالكثير من التغيرات، فالانفتاح الإعلامي بشقيه السلبي والإيجابي كان له آثار كبيرة على الحياة الزوجية كما أثر بحياتنا اليومية، فالحياة قديماً كانت مقتصرة على المنزل والمسجد والعمل، أما الآن فالعلاقات باتت مفتوحة في ظل انفتاح كبير على كل ما يحدث في العالم.
وقال الدكتور حسن البريكي: لا يليق بالزوج أن يتعامل مع زوجته بنفس طريقة تعامل أبيه مع أمه، وكذلك الزوجة لا يليق بها أن تتعامل مع زوجها بأسلوب أمها، فكيف لشباب أن يعيشوا بيئة غير بيئتهم، ويجب أن يعيش الأبناء الحياة العصرية بكل ما تحمل، ولكن تحت إرشاد تربوي يجنبهم مساوئها.
وأضاف: من بين الحالات التي وردت إلينا والتي تبين مدى جمود بعض الأشخاص عند أفكار لا تليق بالحياة الزوجية بشكلها الحديث، أن أحد الأزواج جاء مشتكياً من التصحر في العواطف من قبل زوجته، فلا مشاعر ولا كلمات جميلة من قبلها، فلما سألنا الزوجة قالت: «يحمد الله أنه يرى وجهي، فأبي لم ير أمي طوال 48 عاما من الزواج»، فهي تريد أن يعيشها زوجها على ما عاشه أبوها، في ظل ما يحاصر الزوج من مغريات، وهذا يحدث شرخا في الحياة الزوجية ويمكن أن ينتهي بالطلاق.
ونصح البريكي كافة الآباء والأمهات بأن يربوا أبناءهم على رؤية حب الوالدين بعضهم بعض، فالأمر ليس وظيفة إدارية، بل مظاهر يجب أن تنقل لحياة الأبناء الزوجية، فالأب والأم قدوة للأبناء والبنات، والكثير من التصرفات التي ينقلها الأبناء لحياتهم الزوجية الجديدة مقتبسة من حياة آباءهم وأمهاتهم، فلا بد أن يظهر الزوجان مساحة من الحب والود أمام الأبناء، وقد نقلت السيدة عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل نساءه ثم يذهب إلى الصلاة من غير أن يتوضأ مرة أخرى، فهو أمر لا يستحى منه، وهي ثقافة يجب أن تنشر بين الأولاد والبنات.
ولفت إلى أن «الخيانة الإلكترونية» من أكثر المشكلات التي انتشرت مؤخراً، والتي لا يمكن التصدي لها من غير تربية الأبناء على مراقبة الله عز وجل، فالإحسان هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فهو يراك، لذا فالخيانة الإلكترونية لا حل لها سوى زرع القيم الإيمانية بالأطفال، وأن يكون ولي الأمر قدوة للأبناء، ويجب على الزوجين أن يعلما بأنه كما تدين تدان، فيمكن أن يعاقب الزوج أو تعاقب الزوجة بخيانة مماثلة من الطرف الآخر، والبعض تسول له نفسه لهذه السلوكيات بعدما يراها من الزوج أو الزوجة، وإن كان هذا ليس مبرراً ولكنه الشيطان يسول للكثير من هذه الحالات.
تكاليف الزواج
وقال الدكتور حسن البريكي: تكاليف الزواج ليست سبباً مباشراً في الطلاق، ولكنها سبباً مباشراً في ارتفاع معدلات العنوسة، ويحدث في حالات نادرة أن يطلق الزوج زوجته بعدما يجد نفسه مكبلاً بالديون ما يتسبب في خلافات كبيرة، حيث يرى الزوج أن الزوجة وأهلها سبب في ذلك، ولا بد من نشر الثقافة حول تكاليف الزواج التي وصلت لمعدلات مرهقة للكثير من الشباب، فالمباهاة في هذه الأمور ليست من ديننا، ناهيك عن كونها تتعارض مع المصلحة الاجتماعية لما تخلفه من تأخر في زواج الكثير من الشباب، وهي مسؤولية الجميع ابتداء من الأسرة ثم المدرسة والجامعة والمسجد وكافة مؤسسات الدولة، فقد بلغنا مستوى مخيف، حيث بلغت المباهاة في بطاقات الأفراح التي ينفق عليها في بعض الأحيان مئات الآلاف.
وشدد على أهمية أن تعمل كافة مؤسسات الدولة على نشر الوعي، من أجل معالجة المشكلات الاجتماعية، ومن بينها الإعلام الذي يمثل مرآة المجتمع التي تعكس مشكلاته بصدق، فلا بد من العمل على الحد من المباهاة في أمور الزواج، وكذلك التعريف بالمسؤوليات الزوجية والدورات الهامة في هذا الجانب، ما يقلل من معدلات الطلاق المرتفعة.
إحصاءات
وقد أظهرت إحصاءات ودراسات حديثة عن معدلات الطلاق في دول الخليج أن دولة الإمارات تأتي في المقدمة في معدّلي الطلاق والعنوسة، إذ بلغت حالات الطلاق %40. فيما سجلت العنوسة %60 (175 ألف حالة)، وحلّت قطر في المركز الثاني خليجياً في الطلاق، بمعدّل %38. فيما العنوسة %15، وكانت نسبة الطلاق في الكويت %35، ونسبة العنوسة %18. وبلغت نسبة الطلاق في البحرين %34، و%20 من نسائها عوانس. بينما حلت عُمان في ذيل اللائحة الخليجية %29 طلاق و%17 عوانس.
وخلص إحصاء حديث، أعدّه مركز أبحاث «ميسود أند سليوشن» للدراسات والأبحاث، إلى أن عدد العوانس في الوطن العربي بلغ 13 مليوناً. فيما كان عدد حالات الطلاق 410 حالات يومياً، مشيراً إلى أن عدد العوانس من الفتيات يصل إلى 5 ملايين، وعدد العوانس من الرجال 8 ملايين.