الإيجاز في سورة يوسف

alarab
باب الريان 29 يوليو 2013 , 12:00ص
? الشيخ رضا أحمد تمام السمان
يتميز النص القرآني عموما بالوصول إلى جوهر المعنى عبر القول الموجز والإشارة الدالة ولكن في بعض الآيات تأتي بشكل مفصل ولكنه تفصيل لا يحمل التركيب فوق ما يحتمل المعنى. ونتكلم اليوم إن شاء الله تعالى في ظاهرة الإيجاز في سورة يوسف (عليه السلام) ونتكلم عن الإيجاز في اللفظ والإيجاز بالحذف وهما عنصران متداخلان لا ينفصل أحدهما عن الآخر: قال الله تعالى: «إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين». تبدأ دون تمهيدات أو مقدمات بذكر قضية الرؤيا في إشارة بليغة إلى أنها قضية جوهرية ومحور رئيسي في البناء القصصي. وقول نبي الله يوسف (عليه السلام) (إني رأيت) ثم توكيده بـ(رأيتهم) ليس فيه ما يشير إلى أن ما رآه كان على وجه الحقيقة وذلك من قبيل المعجزة التي لم تكن غريبة على بيت النبوة أو أنه في المنام ذلك أن الفعل (رأيت) يصلح في حالتي (الرؤية) و(الرؤيا). (قال يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا إن الشيطان للإنسان عدو مبين). بهذا عقب يعقوب (عليه السلام) على ذكر ابنه رؤياه، وفي قوله هذا ما قد يثير في نفس يوسف (عليه السلام) حقدا على إخوته وكراهية لهم فأراد أبوه أن ينسب أسباب الكيد إلى عداوة الشيطان فيدفع بذلك ما قد يثار في نفس يوسف على إخوته وجاء ذلك في قوله (إن الشيطان للإنسان عدو مبين) فجاء في تلازم التحذير من إخوته وذكر عداوة الشيطان للإنسان في سياق واحد ما يغنى عن طول الشرح وكثرة التفصيل. ونلاحظ أن تحذير يعقوب (عليه السلام) ابنه يوسف (عليه السلام) من إخوته إنما جاء مقتضبا موجزا إذ لم يأت على ذكر الأسباب التي ستدفعهم إلى الكيد له وإظهار العداوة وليستمر سياق الآيات في أسلوب بديع يجلب الأفئدة وتتشوق الأنفس لمعرفة الأحداث ويجتمع إخوة يوسف للتشاور في أمره وإيجاد طريقة للتخلص منه وتطرح الآراء. (اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين * قال قائل منهم لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين). هناك ثلاثة آراء (اقتلوا يوسف، اطرحوه أرضا، ألقوه في غيابة الجب) ولا تشير الآيات إلى الطريقة التي أجمعوا عليها والقرار الذي توصلوا إليه بل انتهى الأمر بهم في المجلس حسب ما جاء في الآية عند حدود طرح الآراء والتشاور الذي لم يأت من بعده اتفاق نهائي أو إجماع مطلق وهذا الحذف يثير التساؤل حول ما ينوون فعله وقد تضاربت آراؤهم واختلفت لنكتشف فيما بعد القرار الذي اتخذوه أثناء مشاوراتهم وأكدوه قبيل التنفيذ وذلك في قوله تعالى (فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب) فكلمة (أجمعوا) يدل على أن الأمر لم يكن مجمعا عليه تماما حتى ذلك الوقت وربما وجد بينهم من لم يكن راضيا عن هذا القرار لكنه انصاع لرأي الأكثرية فصار الأمر بعد إجماعا ومن مواطن الحذف عدم ذكر العذر الذي سيعود به إخوة يوسف إلى أبيهم بعد التخلص من أخيهم ولكن الحذف جاء لإثارة الفكر والمحافظة على عنصر التشويق ومنعا للتكرار لأنه سيأتي في موقف آخر.