الاعتكاف.. عبادة تغذي الروح وتجسد خلق الملائكة والنبيين
باب الريان
29 يوليو 2013 , 12:00ص
الدوحة - سيد أحمد الخضر
في كل رمضان وعند دخول العشر الأواخر بالذات يتحلل سالم سعد من هرج الحياة ومشاغل الدنيا وضجيجها فيأوي إلى ركن قصي من مسجد أبي عبيدة، ناذرا للرحمن صوما عن كل ما يخدش روح رمضان، فيعكف على قراءة القرآن وتدبره وقيام الليل حتى تتفطر قدماه.
وطيلة العشر الأواخر لا يلقي سعد للدنيا بالا إنما يقبل على الله رهبة ورغبة وطمعا في أن يجعله من زمرة من عتقت رقابهم في رمضان الكريم.
لكن أحمد ليس إلا واحد من المئات الذين يعمرون المساجد طيلة رمضان حتى إذا ما دخلت العشر الأواخر طلقوا الدنيا ومكثوا في بيوت الله يتدارسون القرآن ويقومون ركعا وسجدا في جوف الليل يبتغون وجه الله.. يرجون رحمته ويخافون عذابه.
وعند اليوم العشرين من كل رمضان تستقطب المساجد ضيوف الله يلوذون بها عن منغصات الدنيا ويهجرون العمل والأهل والولد ليتوزع وقتهم بين قراءة القرآن وصلاة النافلة والاستغفار بالأسحار.
سعادة ورضا
بابا أحمد واحد من الذين دأبوا على الاعتكاف في رمضان ما أكسبه سعادة غامرة وشعورا بالرضا نظرا لما في الاعتكاف من الانقطاع عن الماديات وإرواء الروح بالعبادة والتخلق بصفات الملائكة والصديقين والشهداء والصالحين.
ويروي أحمد تجربته في الاعتكاف للعرب بالقول: إنها تجربة فريدة وسعادة لا توصف، ويكفي أن تستحضر أنك مقيم في بيت الله وتناجي ربك لا يشغلك عنه زوج ولا ولد ولا مال.
ويلاحظ أن الكثير من المعتكفين لهم بيوت وأولاد وأعمال لكنهم بذلوا وقتهم لله لأنهم يخطبون الفردوس الأعلى، فيأملون أن تبدل حسناتهم سيئات، وأن يكونوا من خريجي رمضان الذين ترفع الملائكة عنهم التقارير الإيجابية فيصدق الله على عتق رقابهم من النار.
ويلفت إلى أن الاعتكاف تجربة إنسانية عميقة، حيث يجمع المسجد بين صائمين من عدة جنسيات وأعراق فيؤلف بينهم برباط الصلاة والقرآن، ويلغي الحواجز التي أقامتها اللغات والحدود، حيث يحلق الجميع في فضاء الروحانيات فتغمرهم السماء بالطمأنينة والرضا.
ويقول الكثير من المعتكفين: إنهم يكرسون وقتهم لقراءة القرآن إلى حد أن البعض يختمه في كل يوم، بينما يعمر آخرون وقتهم بالنوافل فيما يغتنم البعض الفرصة للتفقه في أحكام الدين.
شروط وأحكام
بيد أن الاعتكاف ليس مجرد عبادة من دون ضوابط، إنما له شروط وأحكام يجب توفرها حتى يصدق عليه اسم الاعتكاف، ويؤدي سنة النبي عليه الصلاة والسلام وصحابته وتابعيهم بإحسان.
وتصف فتوى على موقع إسلام ويب الاعتكاف بأنه عبادة موسمية يحصل فيها المسلم الأجر والخير، ويصحح بها وجهته إلى الله، ويستدرك فيها ما قصر في جنب الله.
ويشترط لصحة الاعتكاف الإسلام، والعقل، والتمييز، فلا يصح الاعتكاف من الكافر، ولا من المجنون، ولا من الصبي غير المميز، لأنه ليس من أهل العبادات، كما يشترط فيه الطهارة من الجنابة والحيض والنفاس.
محظورات الاعتكاف
وحتى لا يبطل الاعتكاف يجب على المعتكف عدم مغادرة المسجد إلا لأمر لا بد له منه، كقضاء الحاجة أو الإتيان بطعام أو شراب إن لم يكن هناك من يحضره له، والخروج للتداوي والعلاج.
ولأن الله تبارك وتعالى يقول: «وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ»، يحرم على المعتكف إتيان زوجته فلو جامعها فسد اعتكافه، ولا قضاء عليه على الصحيح.
أما عن أقل مدة الاعتكاف فالمعتمد عند المالكية أنه يوم وليلة، بينما يرى جمهور العلماء أنه لا يوجد تحديد لزمن الاعتكاف فقد يكون لساعة واحدة، وإن كان الأفضل عند الشافعية والحنابلة أن لا تقل مدة الاعتكاف عن يوم.
وبما أن رمضان موسم عظيم لمن أراد النجاة وسعى إلى فكاك رقبته من النار؛ ففي هذا الشهر تتنوع العبادات، وتتضاعف الحسنات، وتتنزل الرحمات، ومن خصائص هذا الشهر العشر الأواخر منه التي كان النبي يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها؛ فعن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي كان يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره»، وفي الصحيحين عنها قالت: «كان النبي إذا دخل العشر شد مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله»، وفي مسند أحمد عنها قالت: «كان النبي يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر شمر المئزر».
سنة ثابتة
ويستعرض الشيخ أحمد بن محمد البوعينين الداعية بوزارة الأوقاف الأعمال التي يستحب للمسلم أن يفعلها في العشر الأواخر الاعتكاف، وهي لزوم المسجد للتفرغ لطاعة الله عز وجل، وهو من السنن الثابتة بكتاب الله وسنة رسوله، قال الله تعالى: «وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ» [البقرة: 187]، وعن عائشة رضي الله عنها: «أن النبي يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله عز وجل، ثم اعتكف أزواجه من بعده».
والاعتكاف من السنن المهجورة التي قل العمل بها وغفل عنها كثير من الناس، قال الإمام الزهري رحمه الله: «عجباً للمسلمين! تركوا الاعتكاف مع أن النبي ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله عز وجل»، فبادر أخي المسلم إلى إحياء هذه السنة العظيمة، وحث الناس عليها والترغيب فيها، وابدأ بنفسك فإن الدنيا مراحل قليلة وأيام يسيرة، فتخلص من عوائق الدنيا وزخرفها ولا يفوتك هذا الخير العظيم، واجعل لك أياماً يسيرة تتفرغ فيها من المشاغل والأعمال، وتتجه بقلبك وجوارحك إلى الله عز وجل في ذل وخضوع وانكسار ودموع لتلحق بركب المقبولين الفائزين.
والاعتكاف يكون في كل مسجد تقام فيه الجماعة، ومن تخلل اعتكافه جمعة استحب له أن يعتكف في مسجد جمعة، فإن اعتكف في مسجد جماعة خرج إلى الجمعة ثم رجع إلى معتكفه، واحرص أخي المعتكف على أن يكون اعتكافك في مسجد بعيد عن كثرة الناس والإزعاج، واختر أحد المساجد التي لا تعرف فيها أحداً، ولا يعرفك فيها أحد، فإن هذا أحرى للإخلاص وأفرغ لقلبك وذهنك من محادثة الناس وكثرة مجالستهم ومخالطتهم. وإن كنت ممن يعتكف في الحرمين الشريفين فتجنب التضييق على إخوانك المصلين، وافسح لهم المجال لأداء الصلوات، ولا تكن ممن يرغب أن يظهر للمصلين اعتكافه حتى يسلموا عليه أو يفسحوا له! وبعض المعتكفين لا يصلي أحياناً التراويح أو القيام مع المصلين ويشوش عليهم برفع الصوت في أحاديث لا طائل من ورائها.
والاعتكاف مسنون في أي وقت، فللمسلم أن يبتدئ الاعتكاف متى شاء وينهيه متى شاء، إلا أن الأفضل أن يعتكف في رمضان خاصة العشر الأواخر منه، فإذا صلى فجر يوم الحادي والعشرين من رمضان داخل المعتكف ويمكث في المسجد حتى خروجه إلى صلاة العيد، وهذا وقت انتهائه المستحب، وهي فرصة عظيمة، وساعات قليلة؛ ليستفيد المسلم من هذا الانقطاع والبعد عن الناس، ليتفرغ لطاعة الله في مسجد من مساجده؛ طلباً لفضله وثوابه، وإدراك ليلة القدر.. من قبل أن تطوى الصحف، وتوضع الموازين.
نصائح للمعتكف
ويذكر الداعية الشيخ عايش القحطاني أنه يجب على المعتكف أن يحرص على الذكر والقراءة والصلاة والعبادة، وتجنب ما لا يعينه من حديث الدنيا، ولا بأس أن يتحدث بحديث مباح مع أهله أو غيرهم لمصلحة؛ لحديث صفية أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: «كان النبي معتكفاً فأتيته أزوره ليلاً فحدثته ثم قمت لأنقلب (أي لأنصرف إلى بيتي)، فقام النبي معي.»، ويباح لك أن تخرج من المسجد لحاجاتك الضرورية كقضاء الحاجة من بول أو غائط، أو للإتيان بطعام وشراب إن لم يكن هناك من يحضره لك، ومثله التداوي إن أصابه المرض وهو معتكف، وكذلك إسعاف مريض من أهله تجب عليه رعايته ولا يجد من يتولى أمره غيره. ومن محظورات الاعتكاف: الخروج لأمر ينافي الاعتكاف، كالخروج للبيع والشراء، وجماع أهله، ومباشرتهم، ونحو ذلك.
وننصح المعتكف، إن كان معه رفقة، فليختر الرفقة التي تعينه على الطاعة وتشد أزره ويحرص على الخير واستغلال الأوقات وعمارتها بالعبادة، وتجنب الذين تضيع أوقاتهم في حديث وكلام. وبعض المعتكفين إذا كانوا جماعة يظهر عليهم الجد في أول الأيام، ثم يتراخون ويتكاسلون، وتراهم كثيراً ما تضيع أوقاتهم في أحاديث لا فائدة من ورائها، وقد ينجر الحديث إلى أمور محرمة من غيبة أو غيرها.
ومن نافلة القول التى ينبغي على المسلم أن يعلمها أن الاعتكاف سنة، والمحافظة على البيت والأبناء من الواجبات، فليحذر أن يضيع الأهم ويفرط في أمر الرعاية، وليجمع بين الأمرين، ويحرص على ابتعادالأبناء عن مواطن الفتن، ولا يكن اعتكافه فيه ضياع لحقوق واجبة. وإن تيسر أن يصحبه أبناؤه في الاعتكاف، فإن في ذلك طريق تربية، وراحة نفسية ، وألفة ، وتعويداً لهم على العبادة. وإن صعب الأمر عليهم، فلا أقل من ليلة يعتكفون فيها ، وليجزل لهم العطية ويشجعهم على ذلك.
مواسم الطاعات
إن مواسم الطاعات محطات يتزود فيها المسافر إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فكن من العقلاء الفطناء الذين لا تفوتهم هذه الفرص وهذه المحطات إلا وقد نالوا من نفحات الرب وجزيل الأجر وعظيم المثوبة، فاحرص على الاعتكاف بنية صادقة، وابتعد عن المباهاة والرياء، وحب المدح والثناء، وإياك والعجب بأعمالك، واحرص على أن تكون أعمالك خالصة لله عز وجل، قال تعالى: «وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ» [البينة: 5]. وفي الحديث المشهور: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، ومما يعينك على ذلك اختيار المسجد الذي لا تعرف فيه أحداً ولا يعرفك أحد، ولا حاجة لك أن تعلن اعتكافك على الملأ في يوم العيد أو بعده.