حسب الإسلام فخراً أنه قضى على جريمة قتل البنات في الجاهلية
باب الريان
29 يوليو 2012 , 12:00ص
حلقات يعدها للنشر : محمد صبره
تنفرد «العرب» بنشر تفسير (جزء عم) آخر ما كتبه العلامة د. يوسف القرضاوي حول معاني القرآن الكريم. ونسبح طوال الشهر الكريم مع بيان معاني ودلالات الجزء الثلاثين من كلام رب العالمين.
التفسير الذي نقدمه لقرائنا حصرياً لم ينشر ولم يذع من قبل، ويأتي استكمالاً لانفرادنا في العام الماضي بنشر تفسير القرضاوي لسورتي إبراهيم والحجر.
وتم الاتفاق مع فضيلته على نشر التفسير طوال شهر رمضان القادم. ويتميز التفسير -الذي ينشر لأول مرة- بالموسوعية والعصرية في شرح آيات القرآن، حيث يوضح المعاني ودلالاتها والعبر والعظات والأحكام المستفادة منها، بأسلوب سهل مبسط.
ويبدأ فضيلته في هذه الحلقات بتفسير سورة «النبأ» ثم «النازعات» و»عبس»، ويستكمل تفسير باقي سور الجزء الثلاثين حتى سورة «الناس» آخر سور المصحف الشريف في الترتيب.
{وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (8) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (9)}
الموءودة هي البنت الصغيرة التي كان أهل الجاهلية العربية يدفنونها حية، يدسونها في التراب، كراهية للبنات.
كان العرب يتشاءمون من ولادة البنات ويكرهونها، حتى إن أحدهم قيل له: إن امرأتك ولدت، قال: وما ولدت؟ قالوا: أنثى. قال: ما هي بنعم الولد؛ فنصرها بكاء، وبرها سرقة. أي: إذا أرادت أن تنصر أباها على خصومه، ليس معها سلاح إلا دموعها، وإذا أرادت أن تبره تسرق من مال زوجها!
هذه فكرة كثير من عرب الجاهلية عن الابنة الأنثى، ولذا قال تعالى: {وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 58-59].
فجنت عليهم الجاهلية التي توارثوها، أن يجزوا هذه المولودة الصغيرة بالوأد. أي: القتل، عن طريق دفنها حية، ثم يغطى عليها بالتراب حتى تموت.
وحسب الإسلام فخرًا أنه قضى على هذه الجريمة الكبيرة الجاهلية، فقد كانت هذه جريمة مضاعفة، تحمل عدة جرائم كبرى في جريمة واحدة.
فإن القتل في حد ذاته جريمة من أكبر الجرائم في نظر الإنسان في أي بلد، وفي أي قرن.
ولكن من المعروف لدى الجميع، أن قتل الأطفال يكون أكبر جرما وأعظم إثما من قتل الكبار، وخصوصا كلما زاد صغرهم.
وكذلك حين يكون القتل من أجل أن يزاحم الكبار في رزقهم، فيقتل ولده مخافة أن يطعم معه، مع أن الأب من شأنه أن يجوع ليشبع ولده ويتعب ليرتاح ولده.
ثم إن المفروض أن يكون القاتل غريبا عن المقتول، أما هنا فالمصيبة أن القاتل هو الأب، وكيف يكون الوالد قاتلا لولده؟! هذا ما نقلته الجاهلية المتوحشة، التي لا تخشى خالقًا ولا ترحم مخلوقًا.
ثم ليتها نفذت جريمة القتل بما يقتل به الناس عادة، بالسيوف أو الرماح، أو الحراب أو الضرب بالسهام، مما يعجل بقتل الإنسان وإزهاق روحه. ولكن هؤلاء اختاروا أسوأ وسيلة للقتل، وهي الوأد، والدس في التراب، والبنت حية، {أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [النحل: 59].
هذه الجريمة التي نص عليها القرآن هنا؛ لتكون مأساة، وفضيحة للجاهلية، ولكل الجاهليات، التي لا تبالي بسفك الدماء، وقتل البرءاء، وخصوصا من الأطفال، فكم قتلوا من نفس زكية بغير نفس ولا فساد في الأرض، فجزاهم الله بما يستحقون.
روى عبد الرزاق في مصنفه عن عمر، قال: جاء قيس بن عاصم إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله، إني وأدت بنات لي في الجاهلية. فقال: «أعتق عن كل واحدة منهن رقبة». قال: يا رسول الله، إني صاحب إبل؟ قال: «فانحر عن كل واحدة منهن بدنة».
القرآن الكريم ذكر هذه القضية من ضمن الأحداث الستة، التي تبرز يوم القيامة: أن يسأل الله الموءودة المقتولة: بأي ذنب قتلت؟! وليست البنت المسكينة هي المقصودة بالسؤال، فهي لا تحسن الجواب، وربما لا تحسن أن تفهم السؤال. فهي في العادة صغيرة السن، قليلة الرشد. إنما السؤال موجه إلى من قتلها بغير حق، وقتلها بأشنع وسيلة.
ومعنى هذا في يوم القيامة، أن الحساب والسؤال قد بدأ للناس عن أعمالهم، كما قال تعالى: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [الحجر: 92-93].
{وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ}
هذا هو الأمر الثالث مما يحدث في يوم القيامة. والمراد بالصحف: صحف الأعمال التي يدون فيها ما عمله الإنسان، من كبير أو صغير، وقول وفعل ونية جازمة، فهذه كلها يكتبها قلم التسجيل الإلهي على الإنسان، بواسطة الملائكة الموكلين بالإنسان، كما قال تعالى: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ} [الزخرف: 80]، وقال تعالى: {وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ} [الانفطار: 10-12]، وقال عز وجل: {إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} [ق: 17-18].
فهذه الصحف مفتوحة ما دام الإنسان حيا، يكتب فيها جميع أعماله من خير وشر، طاعة أو معصية أو ما ليس بطاعة ولا معصية، فإذا مات الإنسان طويت هذه الصحف، حتى يأتي يوم القيامة، فتنشر مرة أخرى، وتكشف، ليقرأها صاحبها بنفسه، كما قال تعالى: {اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا} [الإسراء: 14].
قال قتادة: صحيفتك يا ابن آدم تملّ فيها، ثم تطوى، ثم تنشر عليك يوم القيامة، فلينظر رجل: ماذا يملى في صحيفته!
وقال الضحاك في معنى الآية: أعطي كل إنسان صحيفة بيمينه أو بشماله.
{وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ}
هذا هو الأمر الرابع، ومعنى الكشط هنا: القطع والإزالة، قالوا: الكشط: قلع عن شدة التصاق، فالسماء تكشط، كما ذكروا أيضا كما يكشط الجلد عن الذبيحة، وكما يكشف الغطاء عن الشيء المستور به، فتكشف السماء عما فوقها، وهو عرش الله والجنة.
وقيل: كشطت، أي: طويت، كما قال تعالى: {يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ} [الأنبياء: 104].
{وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ}
هذا هو الأمر الخامس، كما تذكر السورة مما يقع يوم القيامة، وهو: تسعير الجحيم بمعنى: إحمائها وإيقادها إيقادا شديدا، وتهيئها لمن أعدت له.
قال قتادة: إنما سعّرها غضب الله تعالى، وخطايا بني آدم.
{وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ}
هذا هو الأمر السادس في الأمور التي تحدث في الآخرة، وهو الثاني عشر والأخير، في كل ما ذكرته السورة، فيما يقع قبل القيامة وبعدها.
ومعنى أزلفت: أي أدنيت وقربت للمتقين، كما سعرت الجحيم للفجار.
والزلفى في كلام العرب: القربى، قال تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ * وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} [الشعراء: 90-91]، وقال سبحانه: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ} [ق: 31].
{عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}
بعد وقوع الأمور الاثنتي عشرة التي ذكرتها السورة، كشروط لـ (إذا) من تكوير الشمس، وانكدار النجوم، وتسير الجبال، وتعطيل العشار، وحشر الوحوش، وتسجير البحار، مما يقع قبل القيامة، ثم تزويج النفوس، وسؤال الموؤدة، ونشر الصحف، وكشط السماء، وتسعير الجحيم، وإزلاف الجنة، وهو ما يقع في القيامة، هنا يأتي الجواب على ذلك كله إذا حدث ذلك، علمت نفس ما أحضرت، هذا هو الجواب، أي: إذا وقعت هذه الأمور، حينئذ تعلم كل نفس ما عملت وأحضرت ذلك لها، كما قال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا} [آل عمران: 30]، وقال تعالى: {يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ} [القيامة: 13]، وعن عمر أنه لما نزلت: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ} قال عمر، لما بلغ: {عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ}: لهذا أجرى الحديث.
{فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوَارِ الْكُنَّسِ}
بعض المفسرين قالوا هنا: «لا» في قوله: {فَلَا أُقْسِمُ} زائدة، والمراد: أقسم، وأحسب أن القول بزيادة حروف في القرآن غير مقبول، فكل حرف فيه له وضعه وله دلالته، وأعتقد أن (لا) النافية لها معناها، أي: لست في حاجة إلى القسم بهذه الأشياء، لأن هذه الأشياء بينة واضحة، وليست غامضة ولا خافية، مثل هذا في قوله تعالى: {لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 1-2]، وقبله: {فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ} [المعارج: 40]، ومثله قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ} [الواقعة: 75-76].
فهو هنا يؤكد أن القسم موجود وأنه قسم عظيم، لأن المعنى هنا يراد به: أنه لا يحتاج إلى قسم.
ومثل ذلك ما سيأتي في هذا الجزء من قوله في سورة الانشقاق: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ * وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ * وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ} [الانشقاق: 16-18]، وقوله في سورة البلد: {لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [البلد: 1-2]، فكلها تصب في المجرى الكبير، وهو أن ما يقسم الله به من هذه الأشياء والمخلوقات، ليس سبحانه مفتقرا إلى الإقسام بها؛ لأن ما يقسم عليه في غاية الوضوح والتأكيد، لأن الأمر واضح ولا يحتاج إلى قسم. فبماذا يقسم الله تعالى هنا؟
إنه يقسم بالنجوم، التي تخنس وتختفي بالنهار، وتظهر وتتجلى بالليل، وهو مروي عن سيدنا علي رضي الله عنه.
وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم: «الخنس»، أي: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها: «كُنَّس» من قول العرب: أوى الظبي إلى كنَاسه: إذا تغيب فيه.
والخنس: جمع خانس، والخنوس: الانقباض والاستخفاء، يقولون: خنس من بين القوم وانخنس.
وفي الحديث: «الشيطان يوسوس إلى العبد، فإذا ذكر الله خنس» أي انفض. لذلك سمي الشيطان: الخناس.
{الْكُنَّسِ} جمع كانس وكانسة، يقال: كنَّس إذا دخل الكُناس، وهو مقر الوحش، يقال كنس الظباء في كُنُسها، وتكنست المرأة إذا دخلت هودجها تشبه بالظبي إذا دخل الكناس.
{وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (17) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ}
وبعد أن أقسم الله تعالى بالنجوم في خنوسها، وفي جريانها وكنوسها، أقسم بظاهرتين أخريين من ظواهر هذا الكون الذي نعيش فيه، ظاهرة الليل إذا أظلم، والصبح إذا أشرق، وقد عبر عنه بهذين التعبيرين الجميلين: الليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس، فما معنى عسعسة الليل؟
قيل: إنه العسعسة من المتضادات، فتحمل على الإقبال، وعلى الإدبار، ولهذا قال بعضهم هنا: {إِذَا عَسْعَسَ} أقبل وأظلم وانتشر ظلامه، وعكسه: والصبح إذا تنفس، أي أسفر واستنار وأشرق، وامتد ضوءه وتكامل سفوره.
وقال آخرون: إنه يريد الإقسام بظهور النور بعد الظلام، والصباح بعد الدجى، فمراده بالليل إذا عسعس، أي: إذا أدبر وذهب، وبالصبح إذا تنفس، ليكمل مسيرة الضياء والإسفار، فهو كقوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ * وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ} [المدثر: 33-34]، مشيرا إلى تكامل طلوع الصبح، فلا يكون فيه تكرار.
والتعبير بتنفس الصبح يوحي كأن الليل المظلم مكروب محزون ضاق به الصدر، حتى تنفس، فجاءته الحياة، ووجد الروح والراحة، وأقبل بإقباله الصبح عليه نسيم ونشاط.
وقال العلامة ابن كثير: وعندي أن المراد بقوله {عَسْعَسَ}: إذا أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار أيضا، لكن الإقبال هاهنا أنسب؛ كأنه أقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى} [الليل: 1، 2]، وقال تعالى: {وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى} [الضحى: 1، 2]، وقال تعالى: {فَالِقُ الإصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا} [الأنعام: 96]، وغير ذلك من الآيات.
وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة «عسعس» تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم. أ.هـ.
{إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}
بعد أن فرغ من المقسم به، وهو بعض خلقه، وله أن يقسم بما شاء من خلقه لينوه به وينبه عليه.
ذكر المقسم عليه، وهو القرآن العظيم، ومن نقله إلى الناس، وحملهم إليهم، وبلغه إلى الرسول البشري محمد، ليحفظه فلا ينسى، ويبلغه إلى من حوله، ليحفظوه ويكتبوه، ويبلغوه ويعلموه. ولذا قال هنا: {إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ}.
(إنه) إشارة إلى القرآن، مع أنه لم يذكره، ولكنه غائب حاضر، هو في كل قلب، وعلى كل لسان.
الرسول الكريم هنا هو الرسول الملائكي، وهو ملك شريف، حسن الخَلق، بهي المنظر، وهو جبريل عليه السلام، فهو الذي ينزل بالقرآن، كما قال الله تعالى: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ} [الشعراء: 193-195].
{ذِي قُوَّةٍ}
وقد وصفه الله هنا بعدة صفات تميزه وتعرفه {ذِي قُوَّةٍ} كما قال في سورة النجم: {إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى} [النجم: 4-6]، أي حسن الخَلْق، شديد البطش والفعل.
{عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ}
له مكانة عند الله رب العالمين، صاحب العرش، والعندية هنا ليست عندية المكان، مثل قوله تعالى: {وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ} [الأنباء: 19]، وليست عندية الجهة، بدليل قوله تعالى في الحديث القدسي: «أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي» بل عندية الإكرام والتشريف والتعظيم.
والمكين: هو ذو المكانة والمنزلة، والمراد هنا: المكانة والمنزلة الرفيعة عند الله تعالى، كما قال ملك مصر ليوسف بعد أن ظهرت براءته، ونصعت صفحته {إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ} [يوسف: 54].
{مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ}
أي: إن جبريل له وجاهة، وهو مسموع القول، مطاع الأمر في الملأ الأعلى، فهم جميعا يعرفون فضله، ويحفظون مقامه، وينزلون عند أمره، ومعنى (ثم) أي: في السماوات التي تجتمع فيها الملائكة، يعنى هو من جماعة الملائكة، بل هو من سادتهم وأشرافهم وكبرائهم، معتنى به، انتخب لهذه الرسالة العظيمة، لينقل أعظم كتب الله، إلى أعظم رسل الله.
ثم قال تعالى {أَمِينٍ} صفة أخرى لجبريل عليه السلام، وصفه بالأمانة، وهي صفة عظيمة يحتاج إليها كل رسول، ملكيا كان أو بشريا، وهي ضرورية لكي ينقل الرسالات من الله تعالى إلى عباده، ولهذا قال عن جبريل: {نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ}.
{وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ}
الخطاب للعرب عامة، وقريش خاصة، الذين بُعث إليهم محمد صلي الله عليه وسلم خاصة، وإلى الناس كافة، كما قال تعالى: {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [النجم: 1-2]، وإنما سماه صاحبهم، لأنه كان منهم، ونشأ معهم، وعاش بينهم، وكان من أقرب الناس إليهم، فلا غرر أن يكون صاحبهم.
ولقد صاحبوه وعرفوا أنه من أعقل الناس، وأزكاهم وأكثرهم اتزانا، فكيف يصفونه بالمجنون؟ وهل يستطيع المجنون أن يأتي بكلام بليغ بيِّنٍ مبين مثل القرآن؟ وهل يمكن أن يتصف بأخلاق عظيمة متوازنة كأخلاق محمد، ولهذا قال تعالى: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 1-4]، فالمجنون ذو شخصية مضطربة، يفعل الأمر وضده، ويسوي بين المختلفيْن، ويفرق بين المتساوييْن، على خلاف شخصية صاحب الخلق العظيم، الذي يضع كل شيء في موضعه، فلا يتكلم إلا بتفكير، ولا يعمل إلا بتدبير، ولا يتصرف إلا بحكمة، ولا ينطق إلا بالحق، ولا يحكم إلا بالعدل.
{وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ}
يشير القرآن هنا إلى أن النبي محمدا قد رأى جبريل أمين الوحي الذي كرمه الله ومدحه بهذه الآيات في صورته الأصلية وهيئته التي خلقه الله عليها. (بالأفق المبين) أي بمطلع الشمس من قبل المشرق، لأن هذا الأفق إذا كان منه مطلع الشمس، فهو مبين من جهته نرى الأشياء. روى عبدالرزاق في مصنفه والطبري في تفسيره عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: رأى جبريل له خمسمئة جناح قد سد الأفق.
وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في سورة النجم في قوله تعالى: {عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى} [النجم: 5-10]، كما هو بين في سورة النجم. والدليل عليه: أن المراد بذلك جبريل عليه السلام.
والظاهر -والله أعلم- أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى * مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى * لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى } [النجم:13-18]، فتلك إنما ذكرت في سورة النجم وقد نزلت بعد سورة الإسراء.
{وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ}
الضمير هنا إلى النبي محمد الذي انتقل الحديث إليه. والغيب هنا هو: القرآن وما فيه من الأنباء والقصص. والضنين بالضاد: (البخيل) أي: ليس بخيلا بما أنزل الله.
قال قتادة: كان القرآن غيبا فأنزله الله على محمد فما ضن به على الناس، بل نشره ونقله وبذله لكل من أراده.
وقال الفراء: يأتيه (أي محمدا) غيب السماء وهو شيء نفيس فلا يبخل به عليكم.
وقال أبو علي الفارسي: المعنى: أنه يخبر بالغيب فيبينه ولا يكتمه كما يكتم الكاهن ذلك. ويمتنع عن إعلانه. حتى يأخذ عليه حلواناً!
وهناك قراءة أخرى: {وما هو على الغيب بظنين} أي: بمتهم. واختار بعض العلماء قراءة الظاء {بظنين} واختار الطبري قراءة الضاد {بضنين} قال ابن كثير: وكلاهما متواتر ومعناه صحيح.
{وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ}
أي: وما هذا القرآن بقول شيطان مرجوم مطرود من رحمة الله، أي: لا يقدر على حمله ولا يريده ولا ينبغي له. كما قال تعالى: {وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ} [الشعراء:210-212].