تأديب الحاكم (2/2)

alarab
الصفحات المتخصصة 29 يوليو 2011 , 12:00ص
? د. نعيم محمد عبد الغني
في الدولة المعاصرة يؤدب الحكام بالنفي أو بالعزل أو السجن وأحيانا يصل الأمر إلى القتل، ويكون ذلك في الثورات والانقلابات غالبا، ويطبق على رأس الدولة، أما القيادات الحاكمة التي تكون في مرتبة أقل فيكون تأديبها مثلما ذكرنا أو أخف. وفي الدولة الراشدة كان تأديب الحكام والولاة موجودا، إلا أن أحدا من الحكام لا يسجن أو يقتل إلا في حد من حدود الله، وإذا رأى الخليفة وسيلة للتأديب تصلح من شأن الحاكم فعلها. فلم يكن المقصد في الدولة الراشدة العقاب والتأديب في حد ذاته، بل كان الهدف الإصلاح في المقام الأول. في المقال السابق عرضنا لقصة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما أدب عامله على مصر الذي ضرب بينه وبين الناس بسور وحجاب، وأغلق الأبواب في وجوه الرعية، فبات عليهم متكبرا، ونسي نفسه وأغرته شهوة السلطان حتى شكاه أحد المصريين إلى الخليفة عمر، وبعث من يتحرى وراء هذه الشكوى ويرى سلوك عامله في مصر إن كان محسنا لم يكلموه؛ حتى لا تهتز الثقة بين الخلافة والوالي، وإن كان مسيئا حملوه للمساءلة والتحقيق، وكانت النتيجة أن الوالي كان مقصرا، وأن الشكوى كانت حقيقية ولم تكن كيدية، عندئذ قام عمر وأدب الرجل بالطريقة التي رآها مناسبة لها، حيث أمره بخلع الديباج والثياب الفخمة، وأعطاه ثوبا خشنا، ثم أمره برعي الغنم في يوم شديد الحر، ولم يطق الرجل ذلك وعاد إلى سيدنا عمر ليطلب منه العفو أو يقتله بدل أن يعاقبه بمثل هذه الطريقة، ولما رأى عمر أن الرجل استقام على الطريقة سقاه غدقا من العفو بعد أن أدبه فأصلح نفسه وأعاده لمصر فكان خير حاكم لها ولم تصل أمير المؤمنين أية شكاية منه. وهذه الحكاية –كما ذكرت في المقال السابق- تحتاج إلى وقفات، هي: أولا: لقد أغلظ الشاكي الكلام لسيدنا عمر الذي لم ينتصر لنفسه ولم يهتم بها، بل اهتم بالشكوى ونسي نفسه، فأمور المسلمين أهم. ثانيا: لم يرسل سيدنا عمر لكي يحضر الرجل لمعرفته بطبيعته أولا، ثم ليرى الحقيقة دون أن يشعر فلا يستدرك لينمق كلاما، أو ينكر ما نسب إليه من تهم، وإذا حدث وكان الرجل بريئا، لا تهتز الثقة بين الخليفة والوالي. ثالثا: لقد كان هذا الرجل فقيرا ثم رأى المنصب فأساء استغلاله، فأدبه عمر بأن ذكره بما كان فيه من حال في الماضي، فأبدله من بعد الديباج لباسا خشنا، وقال «البس هذه فقد رأيت أباك يلبس أكثر منها خشونة»، ثم بعثه ليرعى الغنم، بعد أن عجز عن رعاية البشر. رابعا: إن العقوبة ليست هدفا في الإسلام، بل هدفها الردع في المقام الأول، والإصلاح في المقام الثاني، وإذا ذاع الصيت بأن عمر يفعل ذلك مع الذين يحيدون عن الجادة ويستغلون النفوذ فسيحذر الذين يخالفون، وستجدهم في رعيتهم يجدون ويعملون. خامسا: إن مراقبة الحاكم شيء ضروري، وهذه المراقبة لا بد أن تكون لها آلية معلومة، فهناك مراقبة على المستوى الرسمي من الدولة يقوم بها ولي الأمر، وهناك مراقبة من المجتمع الذي لا بد أن يكون ذكيا، وأن يبلغ عن أية شكاية يراها من الحاكم بشرط أن تكون حقيقة وأن تخدم الصالح العام، لا أن تكون كيدية وشخصية، وتؤدي إلى بلبلة في الدولة. وقد كانت هذه المراقبة مبدأ أصيلا في الدولة الراشدة، فقد أكد عليها أبو بكر في أول بيان له بعد تولي الخليفة، حيث قال: (إن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني)، وطبق ذلك عمر فكان المجتمع يأتي إليه مقدما الشكوى فيتفحص عمر الشاكي ويدقق في الشكوى، ويرى إن كان ذلك حقيقة أم كذبا، ثم يتخذ الإجراء المناسب بصددها. سادسا: كانت القوانين التي تنظم أمور الحكم معروفة لدى الناس بصفة عامة، حيث يعلم الناس ما عليهم من واجبات وما لهم من حقوق، ومن ثم كان هناك في الدولة الراشدة وعي سياسي، وحرية مسؤولة في إبداء الرأي، وأتيح المناخ لقول الحق ولو كان مرا، فلقد كان نص الشكوى: (ويل لك يا عمر من النار! فقال: قربوه إلي، فدنا منه، فقال: لم قلت لي ما قلت؟ قال: تستعمل عمالك وتشترط عليهم ثم لا تنظر هل وفوا لك بشروط أم لا؟ قال: وما ذاك؟ قال: عاملك على مصر اشترطت عليه فترك ما أمرته به، وارتكب ما نهيته عنه، ثم شرح له كثيراً من أمره). وهي شكوى قاسية يعلم صاحبها خوف عمر من النار، وأنه رجل تقي لن يطلب أن يخاطب بلغة معينة، بل هدفه إصلاح الرعية، ثم ذكر له الشروط التي يفرضها على عماله، والتي باتت معلومة للجميع الذي تأكد أن حاكم مصر خالفها، ويستحق بهذه المخالفة العقوبة. سابعا: لقد أمر عمر الرجل أن يرعى الغنم ويسقي من ألبانها ابن السبيل إلا آل عمر لا يقتاتون منها شيئا، ولا يستفيدون من الغنم بأية صورة، ليرسخ في ذهن الوالي الذي حاد عن الطريق أن حرمة المال العام شديدة، وأن عمر الخليفة أول من ينزه نفسه عن هذا المال الذي هو ملك للمسلمين جميعا. ولقد وعى الرجل الدرس، وعاد حاكما صالحا، وهبت عليه رياح التغيير، وأصبح رجلا صالحا، رضي عنه الناس، ولم تصل منه شكاية لأحد. وهذا يكون التأديب.