تهمة الأنبياء والرسل بالجنون قديمة

alarab
باب الريان 29 يونيو 2015 , 06:57ص
كان من أكبر أمنياتي أن أتوجه لكتابة تفسير مختصر للقرآن الكريم، وعزمت على ذلك وأعلنت هذا الأمل المتجدد، ودعوت الله أن يحققه لي، ليكون حاشية في مصحف قطر، بخط الخطاط المتقن عبيدة البنكي السوري، وبدأت بتفسير سورة الفاتحة وسورة النبأ، لكني وجدت أن ما يجول في خاطري من معاني القرآن يأبى أن يتقيد بحاشية مطبوعة على المصحف، فخرجت عن هذه الخطة إلى الكتابة المسترسلة، على طريقتي في التأليف التي اعتدتها منذ كتابي الأول: الحلال والحرام في الإسلام. ووفق الله فأتممت تفسير جزء عم، وهأنذا قد أتم الله عليّ تفسير جزء تبارك، وأسأل الله أن يبارك في الوقت والجهد لأتم ما أؤمله من تفسير كتابه. وهذا جزء تبارك بين أيديكم، وقد قدمت -على طريقتي في تفسير جزء عم- لكل سورة بذكر أهم مقاصدها، ثم أفسر سائرها، جزءًا جزءًا، وآية آية، جاعلًا اهتمامي الأول أن أفسر القرآن بالقرآن، ثم بالسنة الصحيحة، جامعا بين العقل والنقل، والرواية والدراية، مستعينا أولا بالتأمل، ثم بقراءة التفاسير المهمة والاقتباس منها، ولن يعدم القارئ فيه فائدة، وسيجد فيه الخطيب والمحاضر والمدرس والداعية زادا نافعا.
تهمة الجنون تهمة قديمة، اتُّهم بها سائر الرسل، من عهد سيدنا نوح:

{إِنْ هُو إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ} [المؤمنون:2]. {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ} [القمر:9]. وكذلك اتُّهم فرعون سيدنا موسى بالجنون، {قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء:27]. {وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ * فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ وَقَالَ سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ} [الذاريات:38-39]. فالتهمة قديمة، قال الله تعالى: {كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ * أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ} [الذاريات:52-53].

فالتهمة بالجنون قديمة، ولذلك لا يُستغرَب أن يَتَّهم المشركون محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه مجنون، وقد ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرض دعوته على قبائل العرب في موسم الحج، ويقول لهم: هل لكم في كلمة تدين لكم بها العرب، وتؤدي العجم إليكم بها الجزية. قالوا: ما هي؟ قال « لا إله إلا الله . فيذهب عمه أبو لهب ويقول لهذه القبائل: لا تسمعوا له، إنه مجنون يهذي، فيردون على أبي لهب قائلين: قد عرفنا ذلك حينما ذكر كسرى بن هرمز( ).
أراد الله سبحانه وتعالى أن يرد عن رسوله الكريم، الذي اصطفاه من خلقه، وختم به رسله، وأنزل إليه أعظم كتبه، وأرسله بالرسالة الجامعة الشاملة الخاتمة، لترد التهم الباطلة التي يلصقها به المشركون المكذِّبون، وهي أبعد شيء عنه، وهو أبعد شيء عنها، ومنها هذه التهمة الباطلة (تهمة الجنون)، فقال تعالى في سورة الطور: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ} [الآية:29].
وفي هذه السورة- ويبدو أنها من أوائل ما أنزل الله على رسوله- يقول تعالى: {مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} أي: لستَ– ولله الحمد- بمجنون، كما يقول الجهَلة من قومك، المكذِّبون بما جئتهم به من الهدى والحق المبين، فنسبوك إلى الجنون.
والباء في قوله: (بمجنون) للمُصاحَبة، أي: ما أنت وقد صحبتك نعمةُ ربِّك بمجنون، ولكنك في فَضْل كبير، ونعمة عُظْمى، وعلمٍ من الله جليل، علَّمك به ما لا يعلمون.
وهذه الجملة جواب القسم، وهي منفية.
والنعمة هنا: الرحمة والنبوَّة التي ينكرونها عليه. ويحتمل ثانيًا: أن النعمة هاهنا قَسَمٌ آخر، تقديره: ما أنت ونعمة ربك مجنون؛ لأن الواو والباء من حروف القسم.
والتعرض لوصف الربوبية المُنْبِئة عن التبليغ إلى مدارج الكمال، مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام، لتشريفه والإنذار بأنه تعالى يتم نعمته عليه، ويبلِّغه من العلو إلى غاية لا غاية وراءها. والمراد: تنزيهُه عمَّا كانوا ينسبون إليه من الجنون، حَسَدًا وعداوةً ومكابرةً، مع جزمِهم بأنه صلى الله عليه وسلم في غاية الغاياتِ القاصيةِ، ونهاية النهاياتِ النائيةِ من حَصانةِ العقلِ ورَزَانَةِ الرأيِ.

دعوة القرآن إلى التفكر:

والقرآن دعا هؤلاء المشركين، في أكثر من موضع في القرآن، إلى أن ينظروا في هذا الكلام الساذج الغبي الجاهل، الذي لا يعتمد على منطق، ولا عقل، ولا علم، ولا واقع، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوإِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ} [سبأ:46]. أي: أطلب منكم شيئًا واحدًا، وهو: أن تتركوا العِناد والعصبيَّة، والكِبْر والحسد، وهذه الآفات النفسيَّة، و{أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ}، أي: مخلصين في طلب الحقيقة، {مَثْنَى وَفُرَادَى}، يعني يجلس كل واحد منكم مع صديق له، أو يجلس وحده، ويفكر بعيدًا عمَّا يسمِّيه علماء النفس: (العقل الجمعي)؛ لأنهم إذا جلسوا بعضهم مع بعض، فسوف يجامل بعضهم بعضًا، ويخاف بعضهم من بعض، ويعمل بعضهم حسابًا لبعض، لا، دعوا هذا التأثُّر المتبادل، وليفكر كل واحد منكم وحده، أو مع صاحب له، {أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوإِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}.
وفي سورة الأعراف يقول: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوإِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ} [الأعراف:184]، وكيف يكون هذا مجنونًا؟ هذا الذي يأتي بهذا الكلام الرائع المنير المشرق الفصيح البليغ، الذي يتضمَّن جواهر الحكم، وجوامع الكلم، وكنوز المعارف، وثوابت التاريخ، وروائع التوجيه، وفواضل التشريع! فكيف يأتي المجنون بالقرآن هذا؟
نفى الله تعالى عن رسوله صلى الله عليه وسلم هذا الجنون فقال: {ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ * مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ}، لا يمكن أن يكون ما أنعم الله به عليك من الوحي والهداية، هو سبب جنونك، كيف تكون نعمة الله عليك، ونور الله لك، دليلًا على الجنون؟! هذا استدلال على الشيء بنقيضه.

أجر النبي الكثير المستمر:
{وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ}:

أي: إن لك يا محمد أجرًا وثوابًا على ما تقوم به، أجرًا لا ينقطع، أجرًا مستمرًّا، فلا تثنيك هذه التهم الباطلة، وهذه الاختلاقات الكاذبة، وهذه الأقوال المفتراة عليك، لا تثنيك، ولا تثبِّطك؛ لأن هذا كله يزيد في أجرك، وأجرك أجر ممتد.
فكل العلماء، وكل الدعاة، وكل المرشدين، وكلُّ من يعمل خيرًا في هذه الأمة إلي يوم القيامة: أجره محسوب للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو الذي هداهم من ضلالة، وهو الذي علَّمهم من جهالة، وهو الذي هداهم الصراط المستقيم، وهو الذي أخرجهم من الظلمات إلى النور، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ سنَّ في الإسلام سُنَّة حسنة، فله أجرُها، وأجر من عمل بها، من غير أن يَنقُص من أجورهم شيئًا»( ). فأيُّ أجر يَقْدُر أجر محمد صلى الله عليه وسلم أو يدانيه؟! هيهات.
وأجره صلى الله عليه وسلم ممتدٌّ إلى أن تقوم الساعة، ما دام هذا الإسلام منتشِرًا في الأرض، يهدي به الله الكثير من الناس، ويدخل الناس في دين الله أفواجًا، ونرى فيه الصلحاء والأخيار والأبرار، تصدر عنهم العلوم النافعة، والأفكار النَّيِّرة، والحكم الصائبة، وعمل الصالحات، واجتناب السيِّئات، كل هذا يصبُّ في النهاية في ميزانه صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال له: {وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي: بل لك الأجر العظيم، والثواب الجزيل، الذي لا ينقطع ولا يبيد، على إبلاغك رسالة ربك إلى الخلق، وصبرك على أذاهم. أي: لك أجر بمقابلة مُقاساتك ألوان الشدائد من جهتهم، وتحمُّلِك أعباء الرسالة. والمعنى: إن هذا الأَجْر لا يقادَر قدرُه.
ومعنى {غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي: غير مقطوع؛ كقوله: {عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ} [هود:108]. وقوله: {فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ} [التين:6]. أي: غير مقطوع عنهم.
وقيل: {غَيْرَ مَمْنُونٍ} أي: غير محسوب، لأن كل محسوب محصور، فهو معد لأن يُمن به، وهو كقوله تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر:10]. وقيل: غير ممنون: غير مُكدَّر بالمَنِّ والأذى.

صاحب الخلق العظيم:
{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}:

هذا ثناء عظيم من رب العالمين، الذي خلق محمدًا وصوَّره، ومدحه بهذه المدحة الكبرى، حين وصفه بهذا الوصف الذي لا يُقادَر قَدْره، ولا يصل مخلوق إلى ما يدانيه، هذا أعظم ما مدح الله به محمدًا صلى الله عليه وسلم، فلم يقل له: إنك كثير الصلاة، أو كثير الصيام، لا، وإنما مدحه وأثنى عليه بعظمة الخُلق، {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ}.
لو قال هذا أستاذ لتلميذه، أو أب لابنه، أو قائد لجُنديِّه، أو شيخ لمريده، لقلنا له: ما أعظم ما أثني به عليك! فكيف وقائل هذا هو الله تبارك وتعالى، وقاله في محكم كتابه الذي لا ينسخه ناسخ، ولا يعطله معطِّل، ولا يلغيه ملغٍ، بل هو الحق الذي لا يعتريه بطلان، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، فعِظَم هذا الخُلق لا يُدرِك شَأْوَه أحدٌ من الخلق، ولهذا تحمَّل معهم ما لا يكاد يتحمَّلُه البشر.