

مهما بلغت رحمة الرحماء في الدنيا، فهي لا تعدل شيئا أمام رحمة أرحم الراحمين، ودونكم هذا الموقف الذي يظهر واسع رحمة الله بعباده المؤمنين، فبينما النبي صلى الله عليه وسلم في أصحابه قد جاء سبي من سبي المشركين، إذ بامرأة من السبي تطوف عجلى بالقوم، تبدو على محياها علامات الذعر والخوف، وترتسم في خطاها معاني الشوق واللهفة، وتجسد في موقفها لوحة الحنان والرأفة، كلما رأت صبيا ضمته إلى صدرها عسى أن يكون وليدها، وفجأة ألقت بيديها على صبي، نظرت في وجهه فإذا هو قرة العين وريحانة القلب، ضمته إلى صدرها لينعم في حبها وحنانها، كل هذا والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يرقبون هذا المشهد العجيب لحظة بلحظة، عندها قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار»، قالوا: لا والله، وهي تقدر على أن لا تطرحه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الله أرحم بعباده من هذه بولدها» [متفق عليه].
هل عجبتم من دفاع الطير عن فراخه في وكرها، وهو يقاتل حيوانا أو يهاجم إنسانا؟ أم هل راعكم منظر الوحوش التي جبلت على القتل والإيذاء وهي تلاعب صغارها؟ أم هل رأيتم حيوانا ضعيفا أو حشرة صغيرة وهي تقدم نفسها للموت دون أولادها؟ إنها الرحمة التي جبل الله الخلقَ عليها، ولكنها لا تساوي قيد أنملة في رحمة الله تعالى، وهو القائل سبحانه: (ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون) [الأعراف:156]، وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله خلق يوم خلق السماوات والأرض مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض، فجعل منها في الأرض رحمة، فبها تعطف الوالدة على ولدها، والوحش والطير بعضها على بعض، فإذا كان يوم القيامة أكملها بهذه الرحمة» [أخرجه مسلم].
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش، إن رحمتي تغلب غضبي» [أخرجه البخاري].
إن الموفق من عباد الله من راح يتحسس تلك الخصال، التي تستمطر بها رحمة الكبير المتعال، فتجمل بتلك الخلال، وتزين بحسن الأقوال والأفعال، فصفاء التوحيد وعمق الإخلاص، من أعظم ما تستجلب به رحمة الله في الدنيا والآخرة، فلا يصرف شيء من العبادة إلا لله، ولا يتعلق القلب بسواه، فأولى الناس برحمة ربه، من ملأ قلبه بحب الله تعالى، وتوكل عليه حق توكله، وصدق في عبوديته واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، يقول الله سبحانه: (بلى من أوفى بعهده واتقى فإن الله يحب المتقين) [آل عمران:76]، ويقول تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين).
إن قيام المجتمع بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من دلائل التوفيق والخيرية والرفعة، فهي ضمان من الهلكات، وأمان من العقوبات، ومستجلب لسيل الرحمات، يقول الله تعالى: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم) [التوبة:71]، وبقدر تخلي المجتمع عن هذا الركن الركين، يحصل الهلاك والعذاب المهين، حسيا أو معنويا.
ومما تستمطر به الرحمات، عمارة الأرض بالقرب والطاعات، إقامة للفرائض وإحياء للنوافل، وإن عبدا متهاونا في الفرائض، متكاسلا عن النوافل، متجرئا على كل معصية لهو أبعد الناس عن رحمة الله في الدنيا والآخرة، وفي الحديث القدسي: «وما تقرب إلى عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» معاشر الفضلاء: ومما تستجلب به الرحمات في الدنيا والآخرة، رحمة الضعفاء وذوي الحاجة من إغاثة للملهوف، وكفالة لليتيم، والقيام على الأرملة، وسد حاجة المسكين، والعطف على الفقير، فعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» [أخرجه أبو داود]، وعن جرير بن عبدالله قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم: «لا يرحم الله من لا يرحم الناس».
إنه مهما بلغ العبد من التقوى والطاعة، فلن يدخل الجنة إلا برحمة الله الواسعة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «سددوا وقاربوا وأبشروا، فإنه لا يدخلُ أحدًا الجنةَ عملُه»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله منه برحمة، وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل» [أخرجه الشيخان]، وهذا لا يعني الاتكال على الرحمة دون عمل، بل لا بد من العمل، ثم التعلق برحمة الله عز وجل.
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة
فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن
فبمن يلوذ ويستجير الآثم
ربي دعوتك ما أمرت تضرعا
فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
مالي إليك وسيلة إلا الرجا
وجميل عفوك ثم إني مسلم
إن تعلق كثير من الناس بأحاديث جاءت برحمة العصاة، واتكالهم عليها لهو عين الجهل بالله وسننه، إذ يؤخذ من هذه النصوص عظم فضل الله وسعة رحمته، وليس المقصود أن يحارب الله بالمعاصي والأوزار، ثم يتكل على عموم الآيات والأخبار.