3 أولاد و4 بنات ثمار الزواج الميمون بين القرضاوي و«أم محمد»

alarab
الصفحات المتخصصة 29 يونيو 2012 , 12:00ص
الدوحة - محمد صبره
وصف فضيلة الشيخ د. يوسف القرضاوي زوجته الراحلة ورفيقة دربة بأنها كانت: «أختا وزوجة وأما صالحة». وتوفيت السيدة إسعاد عبد الجواد (أم محمد) حرم الشيخ القرضاوي، ورفيقة حياته، وشريكة دربه، وأم أبنائه بعد ظهر الخميس قبل الماضي الماضي، بعد رحلة طويلة مع المرض عن عمر ناهز (75) عاماً. وارتبط الشيخ القرضاوي بشريكة حياته ورفيقة دربه السيدة إسعاد عبد الجواد (أم محمد) في مدينة سمنود إحدى مدن محافظة الغربية بوسط دلتا مصر، في عصر يوم 31-7-1958م. وعاشا معاً حياة زوجية مليئة بالكفاح والنجاح استمرت «54» عاماً. وأنجبا ذرية صالحة من 4 بنات هم الأستاذات الدكتورات: إلهام وسهام وأسماء وعلا و3 أبناء هم د. محمد والشاعر والإعلامي عبد الرحمن والمهندس أسامة المستشار بسفارة قطر بالقاهرة. وقد روى فضيلته قصة زواجه من الراحلة «أم محمد» في مذكراته: (ابن القرية والكتاب) فقال: رشح لي عدد من أصدقائي بمحلة أبو علي وسمنود فتاة من عائلة طيبة الأصول، كريمة المعدن، والدها يعمل ناظراً بإحدى المدارس في مركز سمنود، وخالها طبيب كبير مشهور، ولها 3 أشقاء، أكبرهم خريج كلية الحقوق، وهو يقضي الآن مدة التجنيد الإجباري، وقالوا لي: نظنك تعرفه، فقد كان معتقلاً معك في السجن الحربي، وهو الأخ سامي عبد الجواد الهرم. وقد حصلت على الشهادة الثانوية، ولم تسمح ظروفها العائلية بالسفر إلى القاهرة للدراسة بالجامعة، وهي الآن في العشرين من العمر أو فوق العشرين بقليل، وهي على قدر طيب من الجمال باعتراف الجميع. كما أنها على قدر أطيب من حسن السيرة والخلق يشهد به كل من خالطهم. قلت للإخوة: أما الأخ سامي عبد الجواد، فأنا أعرفه جيدا، وهو مفتاح جيد لهذا الباب. وقلت في نفسي: الحمد لله، هذه والله مناسبة من جميع الوجوه، وفيها توافرت الشروط الأربعة التي وضعتها لمن أختارها، وهي: العائلة والجمال والثقافة والأشقاء. لعل الله جل ثناؤه يكون قد كتبها لي. ولكن بقي شيء مهم، وهو أن أراها، فرأي الناس فيها لا يكفيني، وفي قضية الجمال تختلف أذواق الناس اختلافا كثيرا. وقد شرع لنا الإسلام أن يرى الرجل من يخطبها، كما يشرع ذلك للمرأة أيضا. وقد خطب المغيرة بن شعبة من الصحابة امرأة، فأخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له: هل نظرت إليها؟ قال: لا، قال: «اذهب فانظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما». وقال الإخوة الكرام الوسطاء: محمد بدر عبد الباسط وعلي خلف من سمنود، ومصباح عبده ورمزي الدمنهوري من محلة أبو علي: نرتب لك لقاء تراها وتراك. قلت لهم: لقد حلفت ألا أفعل ذلك، لما سبَّبْتُه من أذى نفسي لبنات الناس. ولكن يجب أن تساعدوني في رؤيتها بدون علمها، وهذا جائز شرعا ما دام القصد هو الارتباط الحلال وفق شرع الله. وفعلا رتبوا ترتيبا حسنا، فقد كانت الفتاة المرشحة صديقة صدوقة لشقيقة الأخ محمد بدر عبد الباسط، وكانتا زميلتين في الدراسة، وبينهما تزاور وتلاق مستمر، وكانت الخطة: أن تذهب شقيقة الأخ محمد للعروس، وتصحبها من بيتها لزيارة أخرى، وأن أنتظر في مكان معين مناسب في الطريق، ومعي بعض هؤلاء الإخوة ليعرفوني: من هي منهما؟ وقد تحقق ما اتفقنا عليه، ومرت الفتاتان في المكان المعهود عند مكان اسمه (سيدي محمد) وقيل لي: إنها تلك صاحبة الفستان الأصفر، فقلت: الله أكبر. هذه هي العروس التي كنت أبحث عنها. لقد انفتح لها قلبي من أول نظرة. والعين رسول القلب، وسألت الله أن ييسر الأسباب لإتمام الأمر على ما يحب ويرضى. وهنا قال الإخوة الأصدقاء الوسطاء: بقي عليك الآن أن تتحرك، وتبدأ الخطوة الأولى. وهي الاتصال بشقيقها الأستاذ سامي الذي عرفته في السجن الحربي، وهو يعرفك من قديم كما نعرفك، وازداد معرفة بك داخل السجن قطعاً، وهو يقضي فترة التجنيد في القاهرة، ويخرج كل يوم خميس ليقضي إجازته عند خالته في حلوان، وتستطيع أن تقابله هناك. وأعطوني العنوان، وأوصوني بسرعة التحرك. ولقد عرفت الأخ سامي فعلا في السجن، واسترحت إليه لما لمست فيه من ذكاء وإخلاص ونشاط وبشاشة وجه، وحسن خلق، وحضور شخصية، ولم أكن أحسب أن القدر سيربط بيننا بمصاهرة أبدية، وأنه سيصبح الخال الأكبر لأولادي. لذا حين عدت إلى القاهرة بدأت أتهيأ للقاء الأخ سامي في أول مساء خميس يأتي. وذهبت إلى حلوان لأبحث عن العنوان الذي أعطاه لي الإخوة، ولم يكن لي معرفة ولا خبرة بحلوان، لهذا ضللت الطريق، وأخطأت العنوان في أول الأمر، وكلفني هذا مشيا طويلا على قدمي، وبخاصة أننا في الليل، ولكني لم أحس بطول المشوار، وهو مشوار محبب إلى نفسي، ولا بأس على المرء أن يجهد ويتعنى في تحقيق آماله، حتى يعرف قيمتها إذا تحققت. ووصلت إلى منزل الخالة نجية خالة سامي وخالة العروس، ودققت الباب، فخرج الأخ سامي، وفوجئ بي، فقال: أهلا وسهلا، وتعانقنا، وجلسنا في حجرة الضيوف التي يسمونها (الصالون). ورحب بي الأخ سامي الذي لم يرني منذ أيام الحربي، ولم يكن يتوقع هذه الزيارة التي لا يدري سببها. وقد كان يعرفني شيخا معمما، فها هو يراني قد غيرت زيي القديم، لأرتدي الحلة الإفرنجية (البذلة). وبادرت أنا بالحديث لأقطع دهشة المفاجأة، وقلت: هل تعرف يوسف القرضاوي؟ قال: كيف لا أعرفه؟! أخونا الكبير وأستاذنا. قلت: وهل تعرف إسعاد عبد الجواد؟ قال: كيف لا أعرفها وهي أختي وشقيقتي؟ قلت: بلا مقدمات وتطويل، لقد جئت لأخطبها، فما قولك؟ وأنا الآن موظف في وزارة الأوقاف، ومستقر والحمد لله. قال: مبدئيا هذا يسعدني، ولكنك فاجأتني، ولا بد من تمهيد الأمر عند العائلة، خصوصا الوالد، فأعطني فرصة حتى أرد عليك.. ثم دخل عند خالته ليحضر لنا الشاي، ولكنه انتهز الفرصة وكلمها فيما جئت من أجله. فقالت له: أتح لي فرصة لأراه و(لأخطبه) نيابة عن إسعاد ابنة أختي، فقال لها: يمكنك أن تريه من نافذة الحجرة إذا خرجت إلى الشارع. وقد علمت أنها -رحمها الله- خرجت إلى الشارع ونظرت وحدّقت، وقدمت تقريرا كان في صالحي. سرتني هذه المقابلة الأولى، واستأذنت في الانصراف، منتظراً الرد من الأخ سامي، بعد أن يكتب إلى والده، ويشاور العائلة. وكان سامي في صفي، واجتهد أن يقنع والده بقبولي خاطبا لابنته الوحيدة، وأن يضفي علي من الصفات و(المقبّلات) ما يروج عند والده رحمه الله. ولم يكن لدى والده أي اعتراض عليّ إلا من جهة واحدة، وهي: أني من الإخوان، ومن دعاتهم الناشطين، وأن أي محنة تأتي سأكون في طليعة المعتقلين، وقد جرب ذلك في سامي. وقال لزوجه أم سامي: يعني في أي بلوى تصيب الإخوان، سيكون ابنك وزوج ابنتك كلاهما في المعتقل! وكانت الحاجة أم سامي معي، فقالت له: لماذا نفترض البلاء قبل وقوعه؟ وهل نعرف نحن ما يخبئه المستقبل؟ كل الناس يمدحون هذا الرجل، فلماذا نخسره؟ لندع أمر المستقبل لله. وكان ممن سألوه عني: الأستاذ مصطفى الحسني ابن عمة سامي والعروس، وهو أزهري يعمل في مهنة الصيرفة. وكان طالبا قبل ذلك في معهد طنطا، وقد عاصرني فيه، فلما سألوه عني أوسعني مدحا وثناء، بما يعرفه عني في العلم والخلق والسلوك وحسن السمعة، ثم قال لهم: إن ابن عمته -الأستاذ يوسف النجار- زميل لي يعمل في الصيرفة، وسأسأله عنه وآتيكم بالمزيد، وابن عمتي هذا هو الذي كنت أسكن معه في السنتين الأولى والثانية بالمعهد الديني، وهو يعرفني منذ الطفولة ويعرف مدخلي ومخرجي، فأعطى تقريرا عني، نقله مصطفى الحسني إلى خاله الأستاذ عبد الجواد، فزادهم ثقة واطمئنانا. وكل الأزهريين في سمنود الذين سألوهم لم يجدوا بينهم أحداً قال عني كلمة سوء. جزى الله الجميع عني خيرا، وجعلني عند حسن ظنهم. وأرسلت الخالة نجية من حلوان إلى أختها أم سامي تقول لها: إنها رأتني، وإنها تنوب عنها وعن إسعاد ابنتها، وتحب أن تطمئنهما إلى صورة (العريس) وشكله وطوله وعرضه. وكانت حصيلة هذا كله: الموافقة من العائلة عليّ، وأبلغني الأخ سامي بذلك، على أن نلتقي لنتحدث في التفاصيل والإجراءات. والتقينا في أقرب خميس في حلوان في منزل الخالة نجية التي تعرفت عليها وعلى زوجها الأستاذ عبد المنعم جابر، وقالت لي: إنها أسهمت في إنجاز الأمر بما قدمته من تقرير عني للعروس ولأمها، فهما رأياني بعينيها. الرحلة إلى سمنود ثم المنصورة لشراء الشَّبْكة واتفقت مع الأستاذ سامي على المهر و(الشبكة) وعلى موعد عقد القران. وفي أواخر شهر يوليو ذهبت إلى منزل والد العروس في سمنود لأول مرة، ومعي: السكر والشربات وعلب الحلوى التي توزع على المدعوين ونحو ذلك. وعندما وصلت إلى المنزل قلت لهم -والعروس حاضرة، وقد رأوني لأول مرة-: أما أنا فقد رأيت العروس من قبل رؤية خاطفة، ولكنها كافية، وهي لم ترني إلا الآن، ومن حقها ألا تتم الصفقة إذا لم تعجبها البضاعة عند المعاينة، والقاعدة الشرعية: أن «من اشترى ما لم يره، فله الخيار إذا رآه». وضحكوا وقالوا: يبدو أن العريس دمه خفيف. وقالوا: كيف نرجع في كلامنا بعد أن أحضرت الشربات ولوازم الفرح؟ قلت: ولكنا ما زلنا على البر. وبت عندهم تلك الليلة، وجلست مع العروس في حضور أهلها، وتعرفت عليها، وتعرفت علي، واستراح كلانا إلى الآخر. أو (دخل قلبه). وفي الحديث الصحيح: «الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف»، ويبدو أن روحينا قد تعارفتا فائتلفنا، وهذا من فضل الله. رأيي فيما يسمى (الشبكة) وفي الصباح تقرر أن نذهب إلى المنصورة لنشتري ما يسميه المصريون «الشبكة» ولا أدري بالضبط: من أي عهد أصبحت هذه الشبكة من الفرائض المقررة في الزواج؟ ولم يكن يعرفها المسلمون الأولون، بل هي لا تعرف في كثير من البلاد العربية والإسلامية. ولكن العرف أقرها وأمضاها، وللعرف اعتباره. وقال الفقهاء في قواعدهم: «العادة محكمة». وقالوا: «المعروف عرفا كالمشروط شرطا». على أن كثيراً من الأعراف دخلت على المسلمين في كثير من البلدان في دنيا الزواج، فعسرت على الناس ما يسر الله، وعقدت ما سهله الشرع. خصوصا أنهم التزموها كأنها أساسيات أو أركان، مثل الشبكة وكثرة الأحفال، وغلاء المهور، وشهر العسل وغيرها. على أني لا أجد مانعا من قبول فكرة «الشبكة» على اعتبار أنها نوع من الهدية يهديها الخاطب إلى مخطوبته، وقد جاء في الحديث: «تهادوا تحابوا» على ألا يبالغ الناس فيها بحيث نرهقهم من أمرهم عسرا، ونكلفهم شططا، فالخير في الاعتدال والوسط، لا في الغلو والشطط. ذهبنا إلى المنصورة أنا والعروس بصحبة الحاجة رابعة أم الأخ محمد بدر عبد الباسط، وشقيقته مجيدة صديقة العروس، التي رتبت فرصة رؤيتي الأولى لها، وهي صديقة أم العروس، وقد أنابتها عنها في شراء الشبكة، لأنها مشغولة بإعداد الطعام للضيوف، وعلى رأسهم (عريس) البنت الوحيدة، وكانت الحاجة رابعة سيدة من فضليات النساء، ولها خبرة بمحلات الذهب، وبائعيه، والثقات منهم، وتعرف ما المطلوب في هذه المناسبة. ومشينا في شوارع المنصورة، وكانت خطواتي سريعة، فكنت أسبقهم بمسافة، فقالت لي الحاجة: يا أستاذ يوسف، لا بد أن تعود نفسك من الآن على المشي المناسب للنساء، فلا تسرع الخطوات كثيرا، وإلا تركت زوجتك تمشي وحدها! وكانت نصيحة مهمة، فالمشي مع النساء لا تناسبه السرعة التي تعودتها في عهد العزوبة. واشترينا شبكة محترمة على ذوق العروس، وكان الذهب رخيصاً في ذلك الزمان، فكان ثمنها أقل من ستين جنيها فيما أذكر. «الدِّبَل» فكرة دخيلة وكان من ضمن الشبكة «دبلة» للعروس من الذهب يكتب عليها الحرف الأول من اسم «العريس» وتاريخ الزواج «عقد القران» ودبلة من الفضة للعريس يُكتب عليها الحرف الأول من اسم العروس والتاريخ. وكان التاريخ هو: يوم 31-7-1958م. وهو اليوم الذي اتفقنا فيه على عقد القران. وعندما تلبس الفتاة هذه «الدبلة» تعرف أنها مخطوبة، فإذا زفت إلى زوجها نقلت الدبلة من يد إلى الأخرى (من اليمنى إلى اليسرى). وفي اعتقادي أن هذه العادة «تلبيس الدبل» دخيلة على المسلمين، ولعلها مأخوذة عن النصارى، فعندهم خاتم الزواج، وله قدسية خاصة. على أية حال جاريت القوم في قضية الدبل هذه، ولكني اشترطت أن تكون من فضة لا من ذهب، كما يفعل أكثر الناس للأسف. وبعد مدة خلعت دبلتي الفضية وقلت لزوجتي: إني لا أجد لها أصلاً، ولا ينبغي لمثلي أن يقلد الناس في ذلك. فقبلت ذلك مني، وتفهمت الأمر، جزاها الله خيرا. فإن بعض النساء قد تتطير من ذلك، وتتوجس شرّاً من وراء خلع الدبلة. وعدنا إلى سمنود لنأكل «الديك الرومي» الذي أعدته حماتي ترحيبا بالعريس، واحتفالا بشراء الشبكة. أجمل رسائل الغرام.. بيني وبين زوجتي وبعد يومين قضيتهما في سمنود -بالقرب من العروس- كانا من أسعد الأيام في حياتي، ذهبت إلى قريتي صفط تراب، لأدعو الأقارب والأحباب والمهمين من أهل القرية لحضور عقد القران في سمنود في عصر يوم 31-7-1958م. وفي اليوم المحدد ذهبت مع الأهل والأقارب إلى سمنود لعقد العقد أو (الميثاق الغليظ) كما سماه القرآن الكريم، وقد أعد سرادق أمام منزل العروس، وعقد العقد على بركة الله تعالى، بحضور هذا الجمع الكريم من أهل سمنود، وأهل صفط ومحلة أبو علي، وفي الليل عاد المدعوون من أهل صفط وطنطا وغيرهما إلى بلدانهم، وبقيت أنا في منزل الأصهار، وقد أصبحت واحداً منهم، فالمصاهرة أحد الرابطَيْن اللذين يربط الله بهما بين الناس برباط طبيعي، وهما: النسب والصهر، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا} (الفرقان: 54) يا سبحان الله! إن هذه الكلمات القليلة: زوجتك ابنتي فلانة على كتاب الله وعلى سنة رسول الله.. وقبلت الزواج منها.. بحضور الشهود، تحل للإنسان ما كان محرماً، وتدخله في أسرة كان غريبا عنها، وتنشئ بيتا إسلاميا، يضم إلى بيوت المسلمين. بقيت مع عروسي بعد أن أمست زوجة شرعية لي، ولم يعد أهلها حريصين على أن يكون بيننا رقيب من إخوانها الصغار، كما كان ذلك قبل العقد. وتحدثت إليها، وتحدثت إليّ، وطال الحديث الذي لم ينقطع إلى اليوم، والحمد لله. كان أصهاري كرماء معي، فلم يطلبوا مني من الصداق ما يؤدد ظهري، وقالوا: ادفع ما تقدر عليه، فدفعت مائة جنيه مقدماً، وسجلت عليّ خمسين مهراً مؤخراً. ووفقا للتقاليد المصرية، كان على والد العروس أن يعد لها جهازًا لائقًا: ثلاث حجرات: للضيوف (الصالون) والطعام (السفرة) والنوم. وعليّ السجاجيد والنجف والمطبخ. وبعد يومين أو ثلاثة غادرت سمنود بعد أن تعلق قلبي بعروسي، وتعلق قلبها بي، في انتظار أن يكمل تصنيع الجهاز الذي يقوم به محل أثاث متخصص مشهور بالإتقان، يملكه أحد أقارب حماتي (ابن عمتها). وسافرت من سمنود إلى مدينة «بور سعيد» لأقضي نحو عشرة أيام على شاطئها، مع ثلة من المشايخ والإخوان، على رأسهم شيخنا الشيخ محمد الغزالي، وقد تنازل بعض الإخوة عن شققهم على الشاطئ لننزل فيها، فكان مصيفنا بالمجان. وقد أعطيت عنواني لزوجتي، فسرعان ما جاءتني رسالة منها، كان لها وقع الماء البارد الزلال على الجوف الظامئ المحترق.. ولما انتهت رحلتنا إلى بورسعيد عدت إلى سمنود، لأبقى بها يومًا أو يومين، ثم أسافر إلى القاهرة، وأحيانا إلى قريتنا. وهكذا ما بين كل حين وآخر أخف إلى سمنود، لأطفئ بعض شوقي، وأروي بعض ظمئي، ولو كان لي أن أقيم هناك لأقمت، ولكن الظمآن يجزيه من الماء أيسره. ولا أريد أن أكون ثقيلا على أصهاري، كما لا أحب أن أخرج على الأعراف السائدة في زيارة الزوج لزوجه قبل الدخول. وحسبي أن أمرّ بين حين وآخر، لمناسبة وأخرى، كمناسبة ذكرى المولد وغيرها. والشاعر يقول: كم جئت ليلى بأسباب ملفقة ما كان أكثرَ أسبابي وعلاتي! والحق أن هذه الأشهر -منذ عقد القران إلى الدخول- مرت بطيئة بطء السلحفاة، وخُيل إلي أن الزمن لا يتحرك، وأن الفلك لا يدور، وبت أستعجل الأيام حتى تزف إلي عروسي، ويجتمع شملي، ولا سيما أني أعيش وحدي في شقة لا يكاد يوجد بها شيء من أسباب الحياة، وأنا رجل لا أحسن خدمة نفسي، فأنا خائب في أعمال المنزل، لا أحسن الطبخ، ولا الغسل، ولا التنظيف، وكان إخواني طوال فترة دراستي هم الذين يقومون بهذه الأعباء عني تكرماً منهم. وكان هذا من فضل الله تعالى عليّ ورحمته بي. والآن لم يعد معي أحد، كان الأخ العسال يسكن معي، ثم ترك لي الشقة -فضلا منه- لأتزوج فيها، فأصبحت وأمسيت وحيداً مستوحشاً، أفتقر إلى من يؤنسني. وليس هناك عائق يمنعني من البناء بزوجتي غير الأثاث الذي يصنعه أصهاري عند قريبهم، وهو رجل مشهور بمطله، ويمكن أن يصنع الأثاث لشخص، فإذا جاءه عميل يشتريه في الحال ويدفع له ثمنه، فلا مانع أن يبيعه له، ومن هنا طلبت منهم أن يضغطوا عليه، وألححت في الطلب لمسيس حاجتي إلى من يقوم بشأني وشأن بيتي. وقد استجابوا لرغبتي جزاهم الله خيرا، وشرعوا يهيئون الأثاث، ويجهزون العروس بما يلزم لها، وتقرر الزفاف -بحمد الله- في 14-12-1958م، ونقلنا الأثاث من سمنود إلى شقتي بالقاهرة، في حدائق شبرا شارع الشيخ عبد الرحمن قراعة رقم 15أ. وفي الليلة السابقة على الزفاف أقيم حفل عائلي محدود، جمع الأقارب -وأخص الأصدقاء- في منزل العروس. وفي اليوم التالي (14-12) أعارنا عمدة قريتنا سيّد بك خضر سيارته لأمتطيها أنا وعروسي ووالدتها إلى شقتنا المذكورة، وقد حملت معها من ألوان الطعام الفاخر ما يكفينا لعدة أيام، خصوصا أننا في فصل الشتاء، فنعمنا بالرومي والبط والحمام. وبعد أيام تركتني حماتي، وأوصتني بابنتها خيرا، وقالت: إنها أمانة عندك. فقلت لها: إنها في عيني، وأنا أولى من يصون الأمانة إن شاء الله. لقد باتت جزءاً مني، كما أني جزء منها. وهذه حقيقة فالزواج يقرب بين الزوجين حتى يجعل منهما كياناً واحداً، عبر عنه القرآن الكريم بقوله: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} (البقرة: 187) بكل ما توحي به كلمة (لباس) من القرب واللصوق والستر والدفء والزينة. والعرب تعبر عن الرجل في هذه الحالة بكلمة (زوج) وكذلك عن المرأة، فهي أيضا (زوج) كما قال تعالى لآدم: {اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} (البقرة: 35) وكلمة (زوج) معناها: اثنان، ومعنى هذا: أن كلا منهما –وإن كان فردا في الظاهر- هو زوج في الباطن أو في الحقيقة، لأنه يحتوي الطرف الآخر بمشاعره وعواطفه.