تاريخ بناء الكعبة منذ إبراهيم عليه السلام

alarab
باب الريان 29 مايو 2017 , 12:01ص
احمد حافظ
بدأ تاريخ بناء الكعبة في عهد إبراهيم وولده إسماعيل -عليهما السلام- حين أمره الله سبحانه وتعالى أن يسكن مكة هو وأهله، وكانت مكة في ذلك الوقت جدباء قاحلة، وبعد الاستقرار في مكة وبلوغ إسماعيل -عليه السلام- أذن الله تعالى لهما ببناء الكعبة، ورفع قواعدها، يقول الله تعالى: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا} {البقرة127}.
ثم استقرت بعض القبائل العربية في مكة من «العماليق» و»جرهم»، وتصدع بناء الكعبة أكثر من مرة، لكثرة السيول والعوامل المؤثرة في البناء، وكان أفراد تلك القبيلتين يتولون إصلاحها ورعايتها. ثم قامت قريش ببناء الكعبة، وذلك قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بخمس سنين، وكان بناء الكعبة آنذاك على هيئة حجارة منضودة موضوعة بعضها فوق بعض من غير طين، مما جعل السيول التي تجتاح مكة بين الحين والآخر تؤثر على متانة الكعبة، فأوهت بنيانها، وصدعت جدرانها، حتى كادت أن تنهار، فقررت قريش إعادة بنائها بناء متيناً يصمد أمام السيول.
ولما كانت قريش قد عزمت على بناء الكعبة من حلال أموالها، فقد جمعت لهذا الأمر ما استطاعت، إلا أن النفقة قد عجزت بهم عن إتمام بناء الكعبة بالمال الحلال الخالص، ولهذا أخرجوا الحِجْر من البناء، ووضعوا علامة تدل على أنه من الكعبة، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة رضي الله عنها: «ألم تري أن قومك قصرت بهم النفقة؟ ولولا حدثان قومك بكفر لنقضت الكعبة، وجعلت لها باباً شرقياً وباباً غربياً، وأدخلت فيها الحجر».
ولما جاء عهد ابن الزبير -رضي الله عنه- قرر أن يعيد بناء الكعبة على نحو ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم في حياته، فقام بهدمها، وأعاد بناءها، وزاد فيها ما قصرت عنه نفقة قريش -وكان نحو ست أذرع- وزاد في ارتفاع الكعبة عشر أذرع، وجعل لها بابين أحدهما من المشرق والآخر من المغرب، يدخل الناس من باب ويخرجون من الآخر، وجعلها في غاية الحسن والبهاء، فكانت على الوصف النبوي كما أخبرته بذلك خالته عائشة أم المؤمنين.
وفي عهد عبد الملك بن مروان كتب الحجاج بن يوسف الثقفي إليه في ما صنعه ابن الزبير في الكعبة، وما أحدثه في البناء من زيادة، وظن أنه فعل ذلك بالرأي والاجتهاد، فرد عليه عبد الملك أن يعيدها كما كانت عليه من قبل، فقام الحجاج بهدم الحائط الشمالي وأخرج الحِجْر كما بنته قريش، وجعل للكعبة باباً واحداً فقط ورفعه عالياً، وسد الباب الآخر، ثم لما بلغ عبد الملك بن مروان حديث عائشة -رضي الله عنها- ندم على ما فعل، وقال: «وددنا أنا تركناه وما تولى من ذلك»، وأراد عبد الملك أن يعيدها على ما بناه ابن الزبير، فاستشار الإمام مالك في ذلك، فنهاه خشية أن تذهب هيبة البيت، ويأتي كل ملك وينقض فعل من سبقه، ويستبيح حرمة البيت.
وأما آخر بناء للكعبة فكان في العصر العثماني سنة 1040 للهجرة، عندما اجتاحت مكة سيول عارمة أغرقت المسجد الحرام، حتى وصل ارتفاعها إلى القناديل المعلقة، مما سبب ضعف بناء الكعبة، عندها أمر محمد علي باشا -والي مصر- مهندسين مهرة، وعمالاً يهدمون الكعبة، ويعيدون بناءها، واستمر البناء نصف سنة كاملة، وكلفهم ذلك أموالاً باهظة، حتى تم العمل، ولا زالت الكعبة شامخة، تهفو إليها قلوب المؤمنين، وستظل كذلك حتى يقضي الله أمره.