الخميس 14 ذو القعدة / 24 يونيو 2021
 / 
03:55 م بتوقيت الدوحة

بعد التمكين وتقلّد المناصب.. هل يقبل المجتمع المرأة المتحدثة والنشطة إعلامياً؟

هبة فتحي

الجمعة 29 يناير 2021

تتشكل ثقافة المجتمع وعاداته وتقاليده مع مرور الزمن، فيصبح العرف له احترام وما تشرّبه وتربى عليه الفرد جزءاً أصيلاً من تكوينه ولا يتخلى عنه بسهولة. 
ولأنه أحياناً تتخطى العادات والتقاليد مقامها لتصبح أقوى من القيم الدينية، فقد تظهر على السطح بعض الأفكار الجديدة التي تشوه كل شيء قيمي حقيقي يحفظ شكل المجتمع واتزانه، لذلك ينصح المختصون بالنقاش بشأن حقوق المرأة التي منحها لها الإسلام، واستبدال النظرة السلبية والرفض والتنمر على السيدات اللاتي أثبتن نجاحاً عند تحدثهن وظهورهن في وسائل الإعلام لينقلوا رحلة نجاحهن في مجال ما، وانطلاقهن كذلك في ممارسة الأنشطة المجتمعية المختلفة التي تُثري محيطهن.
ولضمان تحفيز المرأة على أن تكون متحدثة وعضواً فعالاً في المجتمع، يجمع كل من شارك في هذا التحقيق لـ «العرب» على ضرورة ألا تنسلخ المرأة من قيمها الدينية والأخلاقية، بحيث تحافظ على احتشامها ومظهرها وأسلوبها الراقي في الاندماج المجتمعي والطرح بما يضمن للمجتمع نمطه وسمته المحافظ، وفي الوقت نفسه استمرار تبوؤ المرأة مناصب رفيعة عديدة مثلما شهدنا خلال السنوات الأخيرة.

موزة آل إسحاق: «الخوف والقلق» وراء رفض بعض العائلات مشاركة النساء مجتمعياً

ترى الإعلامية والكاتبة موزة آل إسحاق أنه مع الانفتاح الاقتصادي الثقافي حدثت تغييرات كثيرة في المجتمع، وأصبح هناك ظهور ومشاركات منوعة للمرأة القطرية في كل القطاعات مقارنة بما كانت عليه في الماضي، حيث كانت مشاركاتها تنحصر في القطاع الديني والتعليمي، مشيرة إلى أن الإعلام لعب دوراً في ظهور المرأة من خلال إبراز بصماتها الفكرية والثقافية ومشاركاتها في الفعاليات المجتمعية، مما كان له صدى مجتمعي فعال وأثر في تقبل المرأة المتحدثة بصورة أفضل.
وأوضحت أن العادات والتقاليد لا تزال تلعب دوراً كبيراً ضمن إطار ثقافة المجتمع، ولا يستطيع أحد تجاهلها على المستوى العربي الخليجي والقطري، وعلى الرغم من طفرة التغييرات في المجتمع القطري، إلا أن المرأة لا تزال تحت مجهر عاداته وتقاليده ليوضع تحتها خطاً أحمر، بما في ذلك السلوك الصادر منها أو خلال تعاملاتها اليومية.
وأرجعت موزة آل إسحاق رفض بعض العائلات للمرأة المتحدثة والفعالة في المجتمع إلى سيطرة العادات والتقاليد والخوف والقلق لا أكثر من ذلك، مشيرة إلى الفتيات اللواتي أعطين انطباعاً رائعاً لنظرة المجتمع القطري من خلال ظهورهن بصورة لائقة، إضافة إلى القيمة الجوهرية التي تقدمها سواء كانت مشاركات أو فعاليات أو مشاريع خاصة، وكذلك بصماتها العلمية والعملية.

د. حسن البريكي الاستشاري بـ «وفاق»: المرأة المتحدثة تدعو للتفاؤل.. وتستطيع إدارة حوار عائلي ناجح

«منع المرأة من المشاركة الخطابية، وأن تكون شخصاً متحدثاً أو حتى الظهور الإعلامي لها -وفق الضوابط الشرعية- ليس له أي أصل في الدين وضد القيم والشرع الإسلامي»، بهذه العبارة بدأ الدكتور حسن البريكي، استشاري أسري بمركز الاستشارات العائلية «وفاق» كلامه، ويوضح: المرأة ليست عورة ولا آفة لكنها نصف المجتمع وهي التي تلد النصف الآخر. والشاهد والدليل من أيام الرسول «ص» حيث كانت المرأة تُبايع وتتحدث وتطالب بحقوقها مثلها مثل الرجل.
ويتعجب د. البريكي من تصرفات بعض الرجال الذين يمنعون المرأة من كل هذا على الرغم مما كفله الإسلام لها من الحرية الفكرية وحرية التعبير.
ويعزو أسباب هذا المنع عند بعض العائلات إلى «تراكم بعض العادات المجتمعية وليست الشرعية الإسلامية»، مشيراً إلى أن التضييق في هذا الاتجاه بدأ ينفك شيئاً فشيئاً مقارنة بالعشرين سنة الماضية، خاصة أنه كانت هناك نظرة للمرأة المتحدثة بعين الريبة، وقد يصل الأمر إلى ألا تكون لها الأولوية حتى عند الاختيار للزواج.
وأضاف أن المرأة أصبحت تتمتع بالكثير من حقوقها التي كانت مسلوبة منها مثل: الخروج للعمل، وقيادة السيارة، التعليم في الخارج وغيرها من الحقوق التي كان يُنظر لها سابقاً على أنها من كبائر الذنوب الاجتماعية، منوهاً بضرورة تخلي المرأة عن الخوف أو حسب ما سماه «الفوبيا من السيطرة الذكورية»؛ لأنها ربما تتوهم بالرفض العائلي من الأخ، الأب، أو الزوج لبعض حقوقها، في حين أنه وارد نجاحها في النقاش معهم، ومن ثم يتخلى الفصيل المعارض عن أفكاره التي تدعم انطواء المرأة وانزوائها.
ونصح البريكي المرأة بضرورة أن تُشعر الرجل بجرعة من الأمان -حسب وصفه- لأن الرجل يخشى المرأة المتحدثة؛ اعتقاداً منه أن هذه المرأة ربما تتجرأ لاحقاً على رفع صوتها عليه أو لا تعتبر للضوابط الاجتماعية، وبالتالي لا بد أن تتفاهم معه حتى لا يصبح لديه ردة فعل معادية لها في هذا الإطار.
على الجانب الآخر، نصح د. البريكي الرجال بمراعاة حقوق المرأة التي لا تخالف الدين، وأن يخففوا كذلك من «فوبيا المرأة المتحدثة»؛ لأن تحدثها في وسائل الإعلام وغيره دعوة للتفاؤل على قدرتها على إدارة الحوار مع زوجها وتربية أولادها؛ لأن إبعاد المرأة عن الحوار المجتمعي يخلق امرأة منطوية وسيتسرب تأثيرها السلبي كذلك على لأطفال.

نوف محمد: أتجنب النقاش مع أهلي خوفاً من الصدام

قالت الشابة نوف محمد: أنا أمتلك مشروعاً خاصاً بي وكنت أسعى إلى أن أكون شخصية متفاعلة وبناءة في المجتمع من خلاله، ولكن تكرر أمامي حديث والدي عن النساء المتحدثات باعتبارهن مخالفات لروح المجتمع القطري المحافظ، وبالتالي تراجعت عن طموحي في هذه المساحة وتعطل ترويجي عن المشروع الذي كنت أحلم به خشية الدخول في صدام مع أبي الذي حاولت مراراً الدفاع عن رؤيتي أمامه بشكل مباشر، ولكن عادة ما كان النقاش ينتهي برأي سلبي لا يدعم فيه أبداً ما أطمح إليه، خاصة أني البنت الوحيدة وأشقائي شباب يسيرون على نفس درب أبي في آرائه.
واعتبرت أن ما أساء للمرأة المتحدثة والمتفاعلة بعض السيدات اللاتي يظهرن على مواقع التواصل الاجتماعي في مقاطع يومية، فيتحدثن بأسلوب وبمظهر مخالف عن الذي تربت عليه معظم الفتيات القطريات وفقاً للدين والعادات والتقاليد، وبالتالي أصبحت لدى الرجال في المجتمع صورة ذهنية تتمثل في أن أسوأ النماذج هو النموذج الذي ستصل إليه أي امرأة نشطة مجتمعياً وبناءة، مؤكدة أن هناك نماذج مشرفة كثيرة أثبتت نجاحها وهو ما تسعى للوصول إليه.

خولة مرتضوي: طموح المرأة نحو التغيير ضروري بشرط اتساقه مع مبادئ ديننا

تؤكد الباحثة الأكاديمية خولة مرتضوي أن المجتمع داعم للمرأة بشكل واضح، ويظهر ذلك بشكل جلي في مجموعة المبادرات والبرامج التي تهدف إلى تحفيز وتشجيع المرأة القطرية محلياً ودولياً، مهنياً وأسرياً، وطنياً وأممياً، إضافة إلى دعم الأسر لبناتها لخوض مجالات مهنية وتخصصية مختلفة، كان في السابق القريب يُنظر إليها أنها مجالات لا تتناسب مع طبيعة المرأة، لكن اليوم نجد أن هذه النظرة قد تغيرت تماماً، وأصبح الواقع يُشهدنا أن هناك سقفاً كبيراً من الثقة والدافعية التي توليها الأسر لبناتها، حيث يحثونهن لخوض مجالات الحياة بقدم واثبة، وعليه فاليوم ننظر إلى نماذج نسائية رائدة في المجتمع في حقول مهنية ومعرفية جديدة، مثل حقل الفضاء والقضاء والعلوم الجينية والطيران وغيرها.
وأضافت مرتضوي: «دائماً المرأة تعاني من كونها تحت مراقبة من المجتمع وهو أمر طبيعي من وجهة نظري، فهي تقوم بدور تأثيري كبير في محيطها، إضافة إلى دورها المحوري في مؤسسة الأسرة وتنشئتها للأبناء، فهي المجتمع بأسره، أو يمكن القول إنها مجتمع صغير في حدِّ ذاتها، وهنا أقول: إن بعض أنواع النقد المجتمعي لاذع جداً ولا محل له من الإعراب، وبعضه موضوعي جداً ونافع، وهدفه التزكية والتطوير وتقويم المسار والنصح لأجل الخير والصلاح». 
وأكدت أن هدف كثير من النساء الحصول على حياة أفضل، من خلال الفرص المختلفة في مجالات الحياة العريضة، الاجتماعية والمهنية وغيرها، لكن يجب أن يكون كل تغيير نحو الأفضل يسير جنباً إلى جنب مع مبادئ ديننا السمحة وأطُرنا الأخلاقية السامية وقيمنا الحاكمة وهويتنا الأصيلة، التي تحفظ في مجموعها كينونة المرأة وتصونها من كل شائبة، وهذا الدور الرقابي والإصلاحي يجب ألا يقوم به إلا الفرد تجاه نفسه «التزكية الذاتية»، وبتلك التزكية تستطيع المرأة مهما واجهها من تحديات أن تقدِّم نفسها بقوة وثقة، وتمضي في تحقيق ذاتها بشكل جدير ورصين.

خلود الحميدي: الرفض المجتمعي لمن تخرج عن التقاليد أمر مختلف عن «التنمر»

قالت الإعلامية خلود الحميدي: إنه لم يعد هناك رفض كما كان في السابق للمرأة المتحدثة التي تمارس الأنشطة المجتمعية، بل أصبح هناك اعتزاز بشخصية المرأة التي تحمل هذه الصفات، خاصة بعد تصحيح النظرة لها؛ لذا لم يعد أمراً مشيناً أو معيباً أن تنطلق المرأة في المجتمع وتصبح عضواً فعالاً به طالما ظلت ملتزمة بالزي القطري المحتشم، وحتى على مستوى ظهورها الإعلامي لم تعد هناك مشكلة مقارنة بالماضي كذلك.
ونوهت خلود بأن المجتمع القطري لم يعد يرفض خروج المرأة وانطلاقها، ولكن يبدأ «التنمر» والرفض لسلوكيات بعض السيدات اللاتي يخرجن غير مبالين بالعادات والتقاليد، فتخرج مثلاً امرأة كاشفة عن شعرها، وفي هذه الحالة يتم وصمها بأنها لم تحترم تقاليد وعرف هذا المجتمع بل خرجت عن الإطار العام الذي هي جزء منه، مشيرة إلى أن هذا لا يمكن وصفه بالتنمر بل يعد رفضاً واضحاً لما لا يقبله الدين أو العرف المجتمعي المحافظ.
وأضافت: بعض العائلات لا تزال ترفض عمل المرأة وانخراطها في مجال الإعلام، لكن الظهور الإعلامي لنساء هذه العائلات في لقاءات إذاعية أو تلفزيونية أصبح مقبولاً بشكل كبير مقارنة بالماضي، والدليل أنا في البداية كانت أسرتي رافضة ظهوري كمذيعة، ولكن عالجت الأمر حتى تحول إلى ترحيب بمهنتي وعملي من قبل الأسرة، نتيجة تغير نظرة الأهل بعدما وجدوا حرصاً على الشكل العام من ناحية الزي والأسلوب وغير ذلك.

أمل عبد الملك: المجتمع مهما وصل من انفتاح يظل ينظر للمرأة بـ «ترقّب وفضول»

قالت الإعلامية أمل عبد الملك: هناك بعض العائلات ما زالت تتحفظ على ظهور نسائها بوسائل الإعلام، أو حتى خلال المشاركة في بعض الأنشطة المجتمعية، وهذه حالات فردية تعود لطبيعة العائلة ومعتقداتها، مؤكدة أنه طالما حصلت المرأة على ثقة عائلتها فستكون على قدر الثقة، فيجب إعطاؤها الفرصة للظهور، خاصة إذا كانت تحمل فكراً وثقافة ونشاطاً، فسينعكس ذلك على نهضة المجتمع بإيجابية، كما يجب احترام رغبتها باعتبارها إنساناً له كيان وحقوق، وإعطاؤها الحرية لتحديد قراراتها واختياراتها.
وأكدت أن كل عائلة لها عاداتها ومبادئها في أن تسمح لنسائها بالظهور أو لا، وهنا يأتي دور المرأة باختلاف عمرها بأن تجتهد بدراستها وثقافتها، وتسعى إلى تحقيق طموحها دون الاصطدام مع الأهل، معتبرة أن النقاش وتكرار المحاولات مع إعطاء الضمانات قد يكون حلاً، وفي المقابل يجب على الأهل تَفهّم النساء والسماح لهن بتحقيق أحلامهن، واختيار تخصص ومكان الدراسة والعمل في المجال الذي يلائم الطموح، خاصة وأننا بحاجة إلى وجود النساء في كل التخصصات، وأن يشغلن الوظائف دون عوائق.
وتابعت: النقاش مهم حتى لا يتم استغلال هذا المنع، فتنجر بعض الفتيات إلى جماعات تتبنى فكراً لا ينتمي إلى مجتمعنا، ويشجعها على التحرر من القوانين بشكل غير لائق وغير مقبول اجتماعياً، وربما نفقدهن للأبد، فالأفضل أن يتفهم الأهل متطلبات المرأة ويصلوا معها إلى نقطة وفاق باقتناع بعيداً عن سياسة الإجبار والعقاب والذل، فنحن في عالم منفتح وربما بتغريده واحدة يحدث ما لا يُحمد عقباه.
وحول ردها عن لماذا المرأة دائماً ما تكون تحت مجهر المجتمع، أوضحت أمل عبد الملك أن ذلك يعود إلى طبيعة المجتمع الخليجي، الذي يتغاضى عن تصرفات الرجال ويبررها، وعلى العكس تظل المرأة تحت المجهر في تصرفاتها وإن كانت ناجحة ومتفوقة ونشطة ومحترمة وأخلاقها عالية، وكأن المجتمع الذكوري تحديداً بانتظار زلة منها لمعاقبتها ووضعها في خانة الخطأ، مشيرة إلى أن الدين الإسلامي يساوي بين المرأة والرجل في الثواب والعقاب، إلا أن المجتمع مهما وصل من انفتاح يظل ينظر بنظرة الترقب والفضول للمرأة.
وشددت على أن المرأة القطرية فرضت بثقافتها وأخلاقها وجودها على المجتمع، الذي تشجع حكومته تمكين المرأة ليس كشعارات بل بواقع ملموس، خاصة في ظل تقلد شخصيات نسائية مشرّفة مناصب قيادية مهمة، ويحترمها المجتمع ويقدّرها، ويعتبرها نموذجاً نسائياً يُحتذى به.

 

_
_
  • المغرب

    6:28 م
...