مجهولو الأبوين يتجاوزون المئات ويعملون في مختلف القطاعات
تحقيقات
29 يناير 2012 , 12:00ص
الدوحة - سيد أحمد الخضر
خلافا للفرحة التي يجلبها قدوم المواليد الجدد، هناك من الأطفال من لا يتسع له بيت ولا قلب، ربما لقسوة أو لجرم، فيُرمى من ساعاته الأولى على قارعة الطريق. وفي اللحظة التي يسترعي فيها صراخ طفل ملفوف بقماش انتباه أحد المارة يكون المجتمع أمام قصة حياة بدايتها كتبت بمدادٍ مجهول.
يوميات مجهولي الأبوين تبدأ من مراكز الشرطة ثم إلى المستشفى لفحصهم قبل أن تتسلمهم المؤسسة القطرية لرعاية الأيتام ومن في حكمهم «دريمة»، حيث تسبغ الدولة والمجتمع الحماية والرعاية لهذه الشريحة التي «يتجاوز تعدادها المئات» -وفق مسؤول في «دريمة»- حتى تعيش بكرامة وتتمتع بجميع الحقوق مثل غيرهم من المواطنين. لكنّ جهود المجتمع والدولة لا تزيح عقبات وهموما كثيرة تعترض هذه الشريحة وتنغص حياتها، مما يجعلها فريسة للهموم والفشل حتى الانحراف. فباكرا يودع هذا البريء السكينة حيث يتعين عليه مواجهة حقيقة أنه منبت الصلة، ليس بهذا المجتمع فحسب، بل لا يدلي بقرابة لأي من سكان المعمورة، وليس بوسعه أن يعلم شيئا عن أصل الدم الذي يجري في عروقه. ومن اللحظة التي يدرك فيها استحالة علم حقيقة أصله، تبدأ معاناة مجهول الأبوين لتزداد حدة عندما يتلمس نظرة الناس له في محيط المدرسة وأثناء اللعب مع الأطفال.
لكن المعاناة تبلغ ذروتها بعد الالتحاق بسوق العمل أو البحث عن شريك الحياة، حيث يكون غياب حقيقة الذات أمرا مرّا وسط مجتمع يتعارف أفراده ولا يستسيغ جهالة الأجداد والأحرى جهالة الآباء.
قلق وحيرة
يحاول ع.ل الذي رمت به القسوة إلى يم القلق الدائم والمعاناة التمسك بالأمل رغم الألم: «كيلا أخسر كل شيء، مع أن وضعي صعب جدا ولا يمكن تجاوزه».
ع.ل الذي كُتب عليه أن يحيى مجهول النسب، يقول في حديث لـ»العرب»: إنه يعمل جاهدا لملاحقة متطلبات الحياة والتغاضي عن الماضي المرير.
بيد أن رغبة ع.ل في تجاوز حقيقة ذاته لا يمكن تحقيقيها رغم حصوله على الوظيفة وشعوره برعاية الدولة والمجتمع، إنما هناك عقبات من الصعوبة تجاوزها.
ولعل الوظيفة لا تعني شيئا في ظل غياب شريكة حياة يصعب إيجادها في مجتمع قبائلي، حسب ع.ل الذي تزوج واضطر للتطليق «لغياب الكفاءة الاجتماعية فقط».
وبمرارة يقول: إنه من الصعب أن يعثر أحدهم على من تقبل به زوجا حتى في حالة البحث عنها بالخارج «يتعين عليك أن تقدم نفسك»، بينما الحقيقة لا تسعف في هذا المجال.
رعاية واحتضان
لكن اللافت هو أنه عوائل قطرية كثيرة تتهافت على حضانة مجهولي الأبوين، لذلك لا يوجد أي من أبناء هذه الشريحة داخل المؤسسة القطرية لرعاية الأيتام «دريمة».
وتحتفظ «دريمة» بقائمة طويلة من الأسر القطرية الراغبة في احتضان مجهولي الأبوين بحثا عن الأجر في الغالب، وأحيانا لتعويض الشعور بالحرمان من الإنجاب.
تقول الاختصاصية الاجتماعية لولوة العبيدلي: إن «دريمة» بعد تسلمها مجهول الوالدين تباشر استصدار الأوراق الرسمية له وفرز ملفات العوائل المتقدمة لطلبات الحضانة للمفاضلة بينها، بما يحقق مصلحة الوليد.
وتضيف العبيدلي أن الأولوية للأسرة غير المنجبة بشرط تمكنها من توفير الرضاعة الطبيعية للوليد بمعدل خمس رضعات مشبعة.
وتشترط «دريمة» وجود مرضعة في الأسرة الحاضنة لتحقيق الحرمة الشرعية، حتى يكون الطفل جزءا منها ويصعب التخلي عنه من إخوانه وأخواته مما يمده بجذور في المجتمع.
وكيلا يكون هناك تباين كبير، تقول: إن المؤسسة تأخذ لون بشرة الطفل والأسرة الحاضنة في الحسبان، «فنحاول تجنب إعطاء طفل أسمر لعائلة بيضاء، وكذلك العكس».
ويلفت رئيس قسم الخدمات الاجتماعية والنفسية بدريمة، عبدربه علي القحطاني، إلى أن الأشخاص الذين يتكفلون برعاية مجهولي الأبوين غالبا ما يكونون من الطبقة المتدينة ذات الثقافة العالية والوضع الاجتماعي والاقتصادي المستقر.
وفي اللحظة التي تتسلم فيها الشرطة هذا البريء يسبغ عليه القانون الحماية الكاملة والرعاية الفائقة ويكون قطريا في حكم المتجنس، لكنه سيبقى من دون اسم إلى أن تُعرف العائلة التي ستؤويه وتتلطف به.
ولأنه لا يوجد تبنٍّ في الإسلام، يتعهد الحاضن بأن يطلع الصبي على حقيقة العلاقة بينهما منذ بلوغه ثلاث سنوات ليتسنى له تدريجيا استيعاب كونه مجهول الأصل وأنه يعيش بين إخوانه في الدين فقط.
وطبقا للقحطاني، فإن الغالب أن يمنح الحاضن «ابنه» الجديد اسما يشبه اسم عائلته مع قليل من التحريف تجنبا لقضايا تتعلق بالميراث.
ووفقا للقحطاني، فإن عدد مجهولي الأبوين في قطر يتجاوز المئات، وكثيرون منهم يترددون على «دريمة» لتذليل الصعاب التي تعترضهم في شتى مناحي الحياة.
وإلى جانب مبالغة الأسر في الاعتناء بهم وبذل «دريمة» جهودا مضاعفة في رعايتهم نفسيا واجتماعيا، تمنح وزارة الشؤون الاجتماعية 900 ريال مكافأة شهرية للقيط الصغير، وألفين للكبير، إلى أن يحصل على عمل يسد احتياجاته.
بيد أن الحظ أحيانا يبتسم لهذه الشريحة حيث يوصي بعض الحاضنين بأموال وأملاك لمحضونيهم، كما تفتح بعض العائلات حسابات بنكية لهم.
لجنة حضانة «دريمة» تضم ممثلين عن القضاء، وتتقصى ظروف العوائل المتقدمة بطلبات احتضان حيث يتعين تمتعها بظروف مادية مريحة واستقرار اجتماعي.
تحديات وعقبات
رغم أن المجتمع احتضن أبناء هذه الشريحة فإن غياب الأنا وشعورهم بضآلة الذات وضع أمامهم الكثير من العقبات التي تدفعهم للتسرب من التعليم والفشل في العمل.
يقول القحطاني: إن معظم أبناء الرعيل الأول من مجهولي الأبوين -في الفترة التي سبقت إنشاء «دريمة»- تسربوا من التعليم في سن مبكرة، مما وضع أمامهم العديد من العقبات في سوق العمل. وطبقا للاختصاصيين النفسيين، فإن الشعور بالنقص قد يرمي بهذه الشريحة إلى الانحراف وتعاطي المخدرات رغم أن بينهم «أناسا متفوقين في المحيط الاجتماعي، ومنهم مثقفون ومبدعون».
وغالبا ما تكون انحرافات أبناء هذه الشريحة على صلة وثيقة بطبيعة معاناتهم، فشعورهم بضآلة «الأنا» قد يدفعهم لسلوكيات غير مرغوب بها من أجل تعويض النقص وتضخيم الذات، حسب الاختصاصي النفسي عبدالرحمن أحمد.
وكثيرا ما يكون أبناء هذه الشريحة فريسة للهموم وعرضة للاضطرابات السلوكية، لشعورهم بالضيق من الممر الذي عبروا منه إلى الحياة. ويلفت الاختصاصي أحمد إلى أن تجربة قطر في راعية مجهولي الأبوين والأيتام رائدة على مستوى العالم وشاهد حي على تجذر القيمة الإنسانية في المجتمع القطري.
السكن والعمل
لئن كانت حديثة النشأة فإن المؤسسة الوطنية لرعاية الأيتام تعمل على تسوية أي المشاكل التي يتعرض لها مجهولو الأبوين. وأغلب هذه المشاكل تتعلق بالحصول على شريكة الحياة التي غالبا ما تكون من نفس الشريحة، إلى جانب السكن وشهادات حسن السيرة والسلوك من أجل الحصول على الوظائف.
وفي هذا الإطار زوّجت «دريمة» 12 فردا من أبناء هذه الشريحة، بعضهم اقترن بشريكات من نفس الفئة، بينما تزوج آخرون خارج هذا النطاق. ورغم أن تركيزها ينصب أساسا على ضمان مستقبلهم من خلال التعليم الممتاز، فقد وظفت «دريمة» العديد من مجهولي الأبوين في مختلف المجالات.
ورغم حيرتهم فقد تصالح العديد من أبناء هذه الشريحة مع القدر، ووجدوا في تقبل المجتمع لهم وسعة الدين ما يغنيهم عن الركون إلى ماض بغيض لم يشاركوا في صياغته. ويحمل العديد من مجهولي الأبوين شهادات جامعية ويتقلدون وظائف في قطاعات مهمة وينخرطون في المجتمع. وينظر المجتمع إلى أن الرفق بهذه الشريحة يجلب الخير والبركة، لأن تعاليم الإسلام تحث على الرفق بالضعيف والإحسان لليتيم.
ويروي الحاضنون حكايات كثيرة حول جلب أبناء هذه الشريحة الخير لبيوتهم حيث رزقت بعض العائلات بأطفال بعد أن كان الدافع لاحتضانها مجهولي الأبوين هو عدم الإنجاب. ويحدث الموظفون بـ»دريمة» أن مواطنا رُزِق بتوأمين في الفترة التي كان ينتظر فيها الموافقة على احتضان أحد أبناء هذه الشريحة، لكنه أصر على تربيته مع ولديه.
إلى القانون..
ينظم القانون القطري أوضاع مجهول الوالدين منذ اللحظة التي يتم فيها العثور عليه، حيث تنص المادة الثانية من القانون رقم 38 بشأن الجنسية على أنه: «يكون في حكم المتجنس مَن وُلِد في قطر لأبوين مجهولين، ويعتبر اللقيط مولودا في قطر، ما لم يثبت العكس».
أما المادة الثامنة من القانون رقم 20 لسنة 2007 المعدل لقانون تنظيم قيد المواليد والوفيات، فتلزم كل من يعثر على طفل حديث الولادة بتسليمه إلى مركز الشرطة.
وتنص المادة على أنه: «على الشرطة إبلاغ المؤسسة القطرية لرعاية الأيتام بذلك فور تسلمها المولود، واتخاذ الإجراءات الطبية اللازمة له». وتحرر الشرطة محضرا بالملابسات والظروف التي وجد فيها المولود يتضمن مكان وتاريخ العثور عليه، «ووصف ملابسه والأشياء التي وجدت معه وصفا دقيقا».
وتلزم المادة المؤسسة القطرية لرعاية الأيتام بتقديم طلب للمحكمة «يتضمن اقتراحا للمولود ولوالديه (اسمين وهميين رباعيين) لاعتمادهما من قبل المحكمة التي تقوم بتحديد جنسيتهم بأنها قطرية بالتجنس، وديانتهم بأنهم مسلمون، ومحل الولادة المنزل».